تداولت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة مقطع فيديو زعمت أنه يوثّق مجموعة من المسلمين يؤدون الصلاة داخل إحدى عربات مترو لندن، بينما بدا الركاب الآخرون محاصرين داخل العربة، في مشهد رُوّج له على أنه دليل على تعطيل حركة المترو بسبب المسلمين.
وسرعان ما حصد الفيديو ملايين المشاهدات، بعدما أعادت عشرات الحسابات اليمينية والمتشددة نشره، مرفقا بتعليقات ربطت المشهد بالهجرة والتعددية الثقافية، واعتبرته دليلا على ما وصفته بـ”فشل سياسات الهجرة” في بريطانيا.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
كيف انتشر الفيديو؟
كان من أبرز الحسابات التي أعادت نشر الفيديو خلال الموجة الأخيرة حساب (Ayad) الذي تجاوز منشوره مليوني مشاهدة، وادعى أن المسلمين “يعطّلون مترو لندن ويمنعون الركاب من الوصول إلى أعمالهم”، قبل أن يختتم منشوره بعبارة: “نريد استعادة بلدنا”، في إشارة مباشرة إلى الخطاب الذي تتبناه الحركات المناهضة للهجرة.
كما أعاد حساب (Richie Taylor) نشر الفيديو، واصفا الأشخاص الظاهرين فيه بـ”الغزاة”، ومتسائلا عما سيفعله أي بريطاني إذا وجد نفسه داخل المترو “محاصرا” بسببهم.
ولم تقتصر الحملة على هذين الحسابين، إذ شاركت فيها أيضا حسابات مثل (Gracie Smith) و(Stephen Hatherill) التي استخدمت الرسائل نفسها، وربطت الفيديو بسياسات الهجرة ورئيس بلدية لندن صادق خان، داعية إلى “استعادة البلاد” ووقف ما وصفته بـ”الغزو”.
كما تجاوز انتشار الفيديو الجمهور البريطاني، بعدما أعادت حسابات بلغات مختلفة تداوله، من بينها الإنجليزية والهندية، ما وسّع نطاق انتشاره خارج المملكة المتحدة.
إعادة تدوير رواية قديمة
أظهر تتبع وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار انتشار الفيديو أن موجة التفاعل التي شهدتها منصات التواصل خلال أغسطس/آب الجاري لم تكن الأولى، حيث تبين أن الفيديو بدأ بالانتشار قبل أكثر من شهرين، وتحديدا في مايو/أيار الماضي عبر عدد من الحسابات التي روّجت للرواية نفسها.
ومن أقدم النسخ التي رصدتها وحدة المصادر المفتوحة منشور للحساب الهندي (Vivek Mishra) بتاريخ 27 مايو/أيار الماضي، زعم فيه أن الفيديو صُور داخل مترو لندن، مستخدما المقطع للسخرية من أوضاع أوروبا وربطه بقضايا الهوية والهجرة.
وفي اليوم التالي، نشر حساب (Concerned Citizen) الفيديو مرفقا بتعليق جاء فيه: “هذا ما يحدث في مترو لندن أثناء ذهاب الناس إلى أعمالهم، هل يرى أحد المشكلة هنا؟”، بينما أعادت حسابات أخرى نشر المقطع مع عبارة: “حرب أهلية تتشكّل في أنحاء أوروبا”.
ورغم أن الفيديو لم يحقق آنذاك الانتشار الذي حققه لاحقا، فإنه ظل متداولا بين عدد من الحسابات، قبل أن يُعاد إحياؤه خلال أغسطس/آب الجاري ضمن موجة جديدة ركّزت بصورة أكبر على التحريض ضد المسلمين والمهاجرين.
كيف استُخدم الفيديو للتحريض؟
يكشف تحليل المحتوى المصاحب للفيديو أن معظم الحسابات التي أعادت نشره هي حسابات يمينية متشددة معروفة بنشر محتوى يهاجم المسلمين بشكل متكرر، واستخدمت خطابا متقاربا، رغم اختلاف الدول واللغات.
وتكررت في المنشورات عبارات مثل: “المسلمون يعطلون المترو”، و”الغزاة”، و”استعادة البلاد”، و”الحرب الأهلية”، و”سقوط لندن”، كما ربطت بعض الحسابات الفيديو مباشرة بسياسات الهجرة والتعددية الثقافية، وقدّمته باعتباره دليلا بصريا على فشل تلك السياسات.
ويشير هذا إلى أن الفيديو لم يُستخدَم بوصفه مادة خبرية قابلة للتحقق، وإنما كأداة دعائية لتغذية سرديات سياسية قائمة مسبقا، تقوم على تأجيج المخاوف من المسلمين والمهاجرين وربط وجودهم بتهديد الهوية الوطنية.
كيف تحققنا؟
اعتمدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة على تتبع مسار انتشار الفيديو وتحديد الحسابات التي أعادت نشره، وتحليل الخطاب المصاحب له، إضافة إلى إخضاع المقطع لفحص بصري إطارا تلو الآخر لرصد المؤشرات الفنية المرتبطة بالمقاطع المصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي، ومقارنة النتائج بالخصائص المعروفة لهذا النوع من المحتوى.
ماذا كشف التحليل؟
أظهر التحليل البصري، الذي أجرته وحدة المصادر المفتوحة، أن الفيديو لا يوثق أي حادثة حقيقية داخل مترو لندن، بل جرى إنتاجه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أكدته مجموعة من المؤشرات الفنية المتكررة في هذا النوع من المقاطع.
وبالتدقيق البصري، ظهرت وجوه عدد كبير من الأشخاص داخل العربة بملامح متشابهة بصورة لافتة، سواء من حيث شكل الوجه أو اللحية أو تعابير الوجه ووضعيات الجلوس، وهي ظاهرة تُعرَف بـالاستنساخ البصري (Cloning Effect)، حيث تميل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى إعادة إنتاج شخصيات متقاربة بدلا من إنشاء أفراد بملامح مختلفة.

كما أظهر التدقيق وجود تشوهات طفيفة في الأيدي والأصابع، إذ بدت بعض الحركات جامدة وغير متناسقة.

وأظهر التحليل كذلك أن التكوين البصري للمشهد شديد التناظر؛ إذ اصطف الأشخاص على جانبي العربة بصورة متقابلة تكاد تكون مثالية، بينما ظهرت سجاجيد الصلاة مصطفة بدقة لافتة، وجاءت زاوية التصوير بحيث تُظهر جميع العناصر داخل العربة بصورة منظمة.

كما أن طريقة الاصطفاف الظاهرة في المقطع لا تتوافق مع الكيفية المعتادة لأداء صلاة الجماعة، وهو ما يشكّل مؤشرا إضافيا يدعم نتائج التحليل البصري، دون أن يكون دليلا مستقلا بحد ذاته.
ماذا كشف التدقيق التقني؟
إلى جانب التحليل البصري، أخضعت وحدة المصادر المفتوحة الفيديو للفحص باستخدام أدوات متخصصة في كشف المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي، وأظهر أن احتمال كون الفيديو مُولَّدا رقميا بلغ 97%.

وجاءت هذه النتيجة متوافقة مع المؤشرات الفنية التي رصدها فريق التحقق أثناء التحليل البصري، مما يعزز الاستنتاج بأن الفيديو جرى إنتاجه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا يوثق حادثة حقيقية داخل مترو لندن.

