أدت أزمة وقود الطيران والعقوبات وانسحاب سلاسل الفنادق العالمية إلى دفع أحد أبرز المقاصد السياحية في الكاريبي نحو شلل غير مسبوق.
يسوّق كثيرون للسياحة بوصفها صناعة تقوم على الشواطئ الخلابة والفنادق الفاخرة، لكن ما جرى في كوبا يكشف أن هذه الصورة قد لا تصمد طويلا عندما تتعطل حلقات المنظومة التي تبقيها حية.
ففي غضون أشهر، أُغلق أكثر من ثلثي الفنادق، وانسحبت سلاسل فندقية عالمية أنهت عقودا من وجودها في الجزيرة، وسجلت أعداد الزوار تراجعا تاريخيا، لتتحول واحدة من أشهر وجهات البحر الكاريبي إلى نموذج حي يوضح كيف يمكن للعقوبات والأزمات اللوجستية -وفي مقدمتها نقص وقود الطيران- أن تدفع قطاعا بأكمله إلى حافة الشلل.
من “جنة الكاريبي” إلى فنادق مغلقة.. ماذا حدث في كوبا؟
لطالما ارتبط اسم كوبا في أذهان المسافرين بشواطئها الاستوائية وشوارع هافانا القديمة وإيقاعات السالسا التي تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
مع ذلك، تغيّر هذا المشهد بصورة غير مسبوقة خلال عام 2026، بعد دخول قطاع السياحة في الجزيرة إحدى أصعب أزماته منذ عقود، علما بأن السياحة كانت تمثل ثاني أكبر مصدر للعملة الأجنبية في كوبا، وتوفر وظائف لأكثر من 300 ألف شخص قبل تفاقم الأزمة.
وفقا لتصريحات رئيس الوزراء الكوبي مانويل ماريرو، وصلت السياحة إلى ما وصفه بـ”الشلل شبه الكامل” نتيجة تداخل العقوبات الأمريكية مع أزمة نقص وقود الطيران، وهو ما انعكس مباشرة على حركة السفر وتشغيل المنشآت السياحية. فقد تصاعد الضغط الأمريكي بعدما فرضت واشنطن عقوبات على وزارة السياحة الكوبية و”حصارا نفطيا” أوقف إمدادات النفط وصادراته إلى الجزيرة.
تكشف الأرقام حجم الأزمة بوضوح؛ إذ أُغلق نحو 73% من الفنادق في أنحاء البلاد، ووجد نحو 25 ألف عامل في قطاع السياحة أنفسهم في أوضاع وصفها رئيس الوزراء بأنها “هشة”.
كذلك، تعكس حركة الزوار حجم الانكماش الذي أصاب القطاع؛ إذ استقبلت كوبا 360 ألف سائح دولي فقط بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2026، بانخفاض بلغ 58% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وأظهرت بيانات أخرى أن عدد الزائرين خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان بلغ 328608 زائرين، وهذا الرقم أقل بنسبة 56% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وهي مؤشرات تؤكد أن إحدى أشهر الوجهات السياحية في البحر الكاريبي تواجه اختبارا غير مسبوق.
كيف أثرت العقوبات في شركات الطيران؟
جاء هذا التراجع بالتزامن مع اضطراب حركة الطيران؛ إذ أدى إعلان هافانا في فبراير/شباط الماضي عن نقص وقود الطيران إلى تعليق عدد من شركات الطيران الكندية والروسية والأوروبية رحلاتها إلى الجزيرة، قبل أن تتسارع الأزمة مع تشديد العقوبات الأمريكية، وهو ما دفع مزيدا من الشركات إلى إعادة تقييم استمرار أعمالها في كوبا.
يأتي قطاع الطيران في مقدمة الأنشطة التي تتأثر بالاضطرابات، فعلى سبيل المثال، أوضح تقرير صادر عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) أن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار وقود الطائرات دفعا إلى خفض توقعات أرباح شركات الطيران العالمية خلال عام 2026 إلى 23 مليار دولار، مقارنة بنحو 45 مليار دولار في عام 2025، كما تراجعت هوامش الربح الصافي من 4.2% إلى 2%.
ويضيف التقرير أن ارتفاع أسعار وقود الطائرات شكّل أحد أكبر الضغوط على الصناعة. أما في كوبا، فقد يكون الوضع أكثر سوءا نتيجة عدم توفر الوقود من الأساس بسبب العقوبات الأمريكية.
انسحاب الفنادق العالمية
لم تتوقف التداعيات عند حدود إغلاق الفنادق، بل امتدت إلى انسحاب كبرى الشركات الدولية العاملة في السوق الكوبية.
فقد أعلن ماريرو خروج 7 سلاسل فندقية دولية، كانت تدير نحو 46% من الغرف الفندقية الخاضعة لنظام الإدارة الدولية. كما أعلنت مجموعة “ميليا” الإسبانية -في 24 يوليو/تموز الماضي- أنها أوقفت جميع عمليات فنادقها الـ34 في كوبا، وسط تشديد العقوبات الأمريكية وتفاقم الأزمة الاقتصادية في الجزيرة.
وأشارت “ميليا” إلى الصعوبات التشغيلية والقانونية والمالية بوصفها عوامل حاسمة في قرار انسحابها من الجزيرة، حيث كان لها حضور قوي منذ عام 1990.
ويأتي هذا الانسحاب أيضا في أعقاب إعلانات مماثلة من شركتي “إيبيروستار” و”بارسيلو” المملوكتين للقطاع الخاص، مما ينهي عقودا من مشاركة سلاسل الفنادق الإسبانية الثلاث الرئيسية في سوق السياحة بالجزيرة.
هنا، لا تقتصر خسارة الوجهة السياحية على إغلاق عدد من الفنادق، بل تمتد إلى فقدان علامات تجارية عالمية أدت لسنوات دورا محوريا في ربط قطاع السياحة بالجزيرة بالأسواق الدولية، ومنحته حضورا في الأسواق العالمية، وهو ما يعني أن الخسارة لم تقتصر على مبانٍ أغلقت أبوابها فحسب.
توضح تقارير “ديلويت” أن العلامات الفندقية العالمية لا تقتصر وظيفتها على إدارة منشآت الإقامة، بل تعتمد على بناء تجربة ضيافة متسقة تحافظ على مستوى الخدمة في مختلف الوجهات، وهو ما يعزز ثقة النزلاء ويمنح الفنادق قدرة أكبر على المنافسة في السوق الدولية.
كما أن برامج الولاء أصبحت أداة رئيسية للحفاظ على العملاء وتشجيعهم على تكرار الإقامة، بما يعزز العلاقة الطويلة الأمد بين العلامة التجارية والنزيل.
ومن ثَم، فإن خروج السلاسل الفندقية العالمية لا يقتصر أثره على إغلاق فنادق أو تقليص الطاقة الاستيعابية فقط، بل يمتد إلى فقدان شبكات التسويق العالمية، وأنظمة الحجز التي تربط الفنادق بالمسافرين، وبرامج الولاء التي تعزز عودة النزلاء، فضلا عن تدريب العمالة ومعايير الجودة والتشغيل التي ترتبط بالعلامات الفندقية الدولية. خروج السلاسل الدولية يعني فقدان هذا كله.
لماذا تنهار السياحة أولا عندما تسيطر الأزمات؟
قد تبدو الأزمة هنا في ظاهرها قضية تخص كوبا وحدها، لكنها في جوهرها تطرح سؤالا أوسع: إلى أي مدى تستطيع صناعة تعتمد على حركة الطائرات وثقة المستثمرين وشبكات التشغيل العالمية أن تصمد عندما تتعرض هذه الركائز لضغوط متزامنة؟
ومن هنا، لم تعد الأزمة الكوبية مجرد تراجع في أعداد السياح، بل أصبحت اختبارا واقعيا لهشاشة قطاع السياحة أمام المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، ودليلا على أن الوجهات الأكثر جاذبية قد تتحول سريعا إلى الأكثر تضررا عندما تتوقف عجلة السفر عن الدوران.
يشير تقرير صادر عن المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) إلى أن تجارب العقود الماضية تؤكد أن السياحة تُعد من أكثر القطاعات حساسية أمام الأزمات، إذ تتأثر بسرعة عند اندلاع الحروب أو الاضطرابات السياسية أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات الصحية.
يستند التقرير إلى دراسة شملت 100 أزمة شهدها العالم على مدار العقود الأربعة الماضية، وأظهرت أن قطاع السفر والسياحة يتعرض لتأثيرات مباشرة فور وقوع الأزمات، قبل أن يبدأ تدريجيا في مسار التعافي، ويؤكد التقرير أن سرعة التعافي تختلف باختلاف طبيعة الأزمة.
ومن زاوية أوسع، يوضح تقرير صادر عن البنك الدولي أن السياحة أصبحت في كثير من الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل محركا مهما للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وحماية الأصول الثقافية والبيئية، وهو ما يفسر اتساع تأثير أي أزمة تضرب هذا القطاع.
ويشير التقرير إلى أن البنك الدولي ضخ أكثر من 10 مليارات دولار لدعم تنمية السياحة في 80 دولة خلال العقد الماضي، تأكيدا للأهمية الاقتصادية المتزايدة لهذا القطاع، وللحاجة إلى تعزيز قدرته على الصمود أمام الأزمات الحالية والمستقبلية في مختلف الدول.

