
هناك لحظات يصنعها الزمن. تبدو فى ظاهرها عابرة، لكنها فى حقيقتها خاتمة رحلة طويلة لا يعرف تفاصيلها إلا مَن عاشها. ويأتى فوز الفنان والوزير فاروق حسنى بجائزة النيل واحدًا من تلك اللحظات، التى أعادتنى إلى قصة بدأت قبل ما يقرب من أربعة عقود، كنت شاهدة على أولى خطواتها، وأشهد اليوم فصلها الأجمل.
قادتنى الذاكرة إلى أواخر الثمانينيات، وقتها لم تكن جائزة النيل قد وُلدت بعد، بل كانت حلمًا يتشكل، ورؤية يحملها وزير شاب قادم من أكاديمية روما، آمن بأن تكريم المبدعين أحد وجوه التحضر، وأن الأمم التى لا تكرم مبدعيها لا تحفظ ذاكرتها.
أراد الوزير جائزة تليق بأسماء صنعت وجدان مصر، فجاءت جائزة النيل، بقيمة غير مسبوقة آنذاك، بلغت 100 ألف جنيه، لتصبح الأعلى فى مصر والعالم العربى. لم يكن الرقم هو الهدف، بل كان عنوانًا لمكانة المبدع فى وطنه. واليوم، استعادت الجائزة ذاكرتها. فلم يكن فوز فاروق حسنى بها تتويجًا لمسيرته، بقدر ما كان تكريمًا لمرحلة كاملة من تاريخ الثقافة المصرية.
فهناك جوائز تصنع مجد أصحابها، ومبدعون يضيفون إلى الجوائز مجدها، وهو ممن لم ينتظروا التكريم يومًا، بل انشغل بصناعته للآخرين.
حتى بدا فوزه بجائزة النيل لحظة عدالة مؤجلة، عاد فيها الزمن ليمنحه بعضًا مما منحه للثقافة المصرية، ويكافئه على فكرة آمن بها، ودافع عنها، ثم مضى دون أن يتطلع يومًا إلى أن يكون أحد المكرمين بها.
احتفظ بالقيمة الأدبية للجائزة، ووهب قيمتها المالية إلى مستشفى أبو الريش للأطفال؛ فازدادت الجائزة قيمة، وازداد هو قامة. موقف نبيل ينسجم مع شخصية آمنت بأن رسالة الفن والثقافة لا تكتمل إلا بخدمة الإنسان. لذا لم تكن حكاية فاروق حسنى مع جائزة النيل حكاية جائزة نالها، بل حكاية جائزة حملت بصمته منذ ميلادها، ثم حملت اسمه بعد سنوات.
تلك فى رأيى ليست مجرد لحظة تكريم، بل لحظة وفاء نادرة يلتقى فيها التاريخ بمَن صنعوا بعضًا من ملامحه. مبروك لمبدع خاض معاركه بشرف، وترك للوطن إنجازات مضيئة ستظل شاهدة على واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا فى تاريخ الثقافة المصرية الحديثة. ومبارك لمصر وهى تكرّم أحد أبنائها المخلصين للوطن.. تلك هى حكاية فاروق حسنى مع جائزة النيل.

