التلوث البصري بين فوضى الإنارة… <br><br> … وغياب الرؤية الحضرية<br><br>ليست المدن العظيمة هي الأكثر إنارة، بل الأكثر…
التلوث البصري بين فوضى الإنارة…
اقرأ أيضا: الدولار يرتفع قبيل صدور بيانات الوظائف الأميركية
… وغياب الرؤية الحضرية
ليست المدن العظيمة هي الأكثر إنارة، بل الأكثر حكمةً في استخدام الضوء, فالحضارة لا تُقاس بعدد المصابيح التي تتلألأ في الشوارع، ولا بسطوع الواجهات، وإنما بقدرتها على أن تجعل كل شعاع يؤدي غايته، ويحترم الإنسان، ويصون هوية المكان.
فالضوء، شأنه شأن الكلمة، يفقد قيمته إذا أُفرط في استخدامه, وكما تتحول الأصوات حين تعلو بلا ضوابط إلى ضوضاء، يتحول الضوء، إذا تجاوز حدوده، إلى عبءٍ على العين وعلى المحتوى الحضري معًا، وعندها لا يعود وسيلةً لكشف الجمال، بل يصبح سببًا في حجبه.
والمدن لا تُعرّف بنفسها بالكلمات، بل بما تتركه من انطباع في اللحظة الأولى. فالطريق المؤدي إليها ليس مجرد مسار للحركة، وإنما رسالة حضارية صامتة، والانطباع الأول ليس تفصيلًا عابرًا، بل صورة قد تستقر في الذاكرة لسنوات، ولهذا أولت مدارس التخطيط الحضري الحديثة مداخل المدن عناية خاصة، لأنها الواجهة التي تُقرأ منها ثقافة المدينة ومستوى تنظيمها واحترامها لذاتها.
من بوابة المدينة تبدأ الحكاية
من يصل إلى عمّان عبر المدخل الجنوبي، قادمًا من مطار الملكة علياء الدولي، يلحظ قبل أن يبلغ قلب العاصمة مشهدًا تتزاحم فيه الإنارات والإعلانات والكشافات الموجهة نحو الطريق، وفي بعض المقاطع تتداخل الإضاءة التجارية مع إنارة الشارع إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما هو عنصر مروري وما هو وسيلة دعائية في ظلّ الضوضاء.
ولا تكمن المشكلة في الإعلان بحد ذاته، ولا في تسويق العقار، فذلك نشاط اقتصادي مشروع، بل في غياب الإطار الذي ينظم العلاقة بين الإعلان والعمارة والفضاء العام، وعندما يعمل كل مبنى وفق رؤيته الخاصة، من دون مرجعية بصرية موحدة، يتحول المشهد إلى كرنفال بصري صاخب، وتبدأ شخصية المدينة بالتراجع أمام سباقٍ لا ينتهي على جذب الانتباه.
لا يحتاج الزائر إلى أكثر من دقائق قليلة ليكوّن انطباعه الأول، وقد يكون هذا الانطباع منصفًا أو غير منصف، لكنه غالبًا ما يبقى في الذاكرة، ومن هنا تصبح مسؤولية المشهد الحضري مسؤولية عامة؛ لأن الفضاء البصري ليس ملكًا لفرد أو مؤسسة، بل هو جزء من ذاكرة المدينة التي يشترك الجميع في صنعها.
حين يتحول الضوء إلى تلوث
لم يعد التلوث الضوئي قضية جمالية فحسب، بل أصبح موضوعًا رئيسيًا في التخطيط الحضري المعاصر، فالإنارة الجيدة تُقاس بقدرتها على تحقيق السلامة، وإبراز جمال العمارة، وترشيد استهلاك الطاقة، واحترام البيئة والإنسان، لا بشدة سطوعها وحدها.
أما الضوء الذي يرهق العين، ويشتت انتباه السائق، ويطمس تفاصيل المكان، فإنه يفقد وظيفته مهما بلغت كلفته أو تنوعت مبررات استخدامه.
ولهذا تبنت مدن كثيرة حول العالم سياسات واضحة لتنظيم الإنارة الخارجية، تحدد مستويات السطوع، واتجاهات الإضاءة، وألوانها، وساعات تشغيلها، حمايةً للسماء الليلية، وصونًا للهوية البصرية، وتعزيزًا لجودة الحياة، وأصبح نجاح المدينة يقاس بمدى جودة توظيف الضوء، لا بكمية الضوء التي تنتجها.
وتقدم مدينة ليون الفرنسية مثالًا بارزًا على ذلك؛ إذ تحولت الإنارة فيها إلى أداة لإبراز العمارة لا لمنافستها، بينما تبنت كوبنهاغن نهجًا يجعل الضوء عنصرًا من عناصر الراحة الحضرية، لا وسيلة للاستعراض.
وليس العالم العربي بعيدًا عن هذه الرؤية. ففي الدرعية جاءت الإنارة امتدادًا للعمارة النجدية، تكشف تفاصيلها من دون أن تطغى عليها، بينما حافظت مدينة السلط التاريخية على حضور الحجر الأصفر بوصفه البطل الحقيقي للمشهد، واكتفى الضوء بإظهار جماله، أما مَسْقط فقد بنت شخصيتها الليلية على الانسجام بين الضوء والعمارة والطبيعة، في نموذج يؤكد أن المدن الواثقة من هويتها لا تحتاج إلى مزيد من السطوع، بقدر حاجتها إلى مزيد من الاتزان.
عمّان… بين الهوية والاستعراض
يغيب عن كثير من النقاشات أن الليل ليس مشهداً ينبغي القضاء عليه، بل عنصر هدوء وأصيل في جمال المدينة، فالظل، كما الضوء، يشارك في تشكيل المشهد العمراني، ولا تكتمل قيمة الإنارة إلا عندما تترك للعمارة فرصة أن تتحدث بلغتها الخاصة.
ولهذا لا تعتمد المدن المتقدمة على كثافة الضوء معيارًا للتطور، بل على دقة توزيعه وانسجامه مع المكان، فهي تدرك أن التناغم البصري أكثر قيمة من الإبهار المؤقت.
وعندما تغيب الرؤية المشتركة، يبدأ كل مشروع بمحاولة لفت الانتباه منفردًا، تكبر اللوحات، وتزداد الشاشات سطوعًا، وتعلو الكشافات عامَاً بعد عام، حتى تصبح العمارة مجرد خلفية للإعلانات، بعدما كانت هي العنصر الذي يستحق أن يُرى.
وأعترف أن هذا الشعور يرافقني كلما سلكت الطريق القادم إلى العاصمة من جهتها الجنوبية، فأشعر أحيانًا أنني لا أدخل إلى مدينة عريقة عُرفت بحجرها، وتضاريسها الهادئة، بل إلى مشهد تتنافس فيه الأضواء على الحديث في وقت واحد، وحين يتكلم الجميع معًا، تضيع اللغة المشتركة، وتفقد المدينة شيئًا من شخصيتها.
لقد بنت عمّان هويتها عبر عقود طويلة، لا على ناطحات السحاب، ولا على الشاشات العملاقة، وإنما على الحجر الأبيض، وتدرج الجبال، والعلاقة المتوازنة بين الطبيعة والعمران. وكان الضوء، حين يُحسن استخدامه، يكشف جمال هذه العناصر، لا أن يحجبها.
رؤية تحرس هوية المدينة
ليست القضية دعوة إلى إطفاء المصابيح، ولا إلى محاربة الإعلان، ولا إلى تقييد الاستثمار، إنها دعوة إلى إعادة الاعتبار للرؤية الحضرية التي تنظم العلاقة بين العمارة والإنارة والإعلان، بحيث يكمّل كل عنصر الآخر، بدل أن ينافسه.
فالمدينة ليست مجموعة من الطرق والمباني، بل ذاكرة بصرية تتشكل كل يوم، وتبُنَى تراكمياً، وكل قرار يتعلق بإنارة شارع، أو واجهة مبنى، أو لوحة إعلان، يضيف سطرًا جديدًا إلى تلك الذاكرة، أو يمحو منها جزءًا قد يصعب تعويضه.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل من يحمل مسؤولية التخطيط وإدارة المدينة: من يحرس هوية عمّان حين يصبح الضوء نفسه أحد أسباب تشويهها؟
إن الرقابة الحقيقية لا تبدأ بتحرير المخالفات، بل تبدأ بوضع رؤية حضرية واضحة، تستند إلى معايير مهنية ملزمة، تحقق التوازن بين حق المستثمر في الإعلان، وحق المواطن في فضاء بصري مريح، وحق المدينة في الحفاظ على شخصيتها.
فالمدن لا تُقاس بما تنثرهُ في ليلها من أضواء، بل بما تنجح في صونه من روحها. والهوية لا يصنعها السطوع، بل الانسجام، ولا يحرسها عدد المصابيح، بل وضوح الرؤية.
وحين يعرف الضوء حدوده، يبدأ جمال المدينة في الظهور.
اقرأ أيضا: فتوح يترقب جلسة الحسم مع الزمالك.. وتجديد العقد مؤجل بسبب الأزمة المالية
