تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

رقمنة ماسبيرو مشروع قومي يُحدد ملامح المرحلة الإعلامية القادمة

Ahmed Shokre4 دقائق قراءة0 مشاهدة

في توصيات جادة وبخطوات مدروسة تم الإعلان مؤخراً عن تحديث المنظومة الإعلامية لمبنى ماسبيرو. فقد وجهت القيادة السياسية بضرورة دمج أنظمة التشغيل في كل من الإذاعة والتلفزيون داخل النظام التكنولوجي الرقمي بهدف تطوير الأداء العام المرئي والمسموع على الشاشة وعبر الميكروفون.
وربما ركزت التوصيات العُليا على أهمية الإذاعة كوسيط تاريخي كانت له الريادة الإعلامية قبل التلفزيون بمراحل، حيث في الوقت الذي كانت فيه الإذاعة المصرية تقوم بدورها التثقيفي والتوعوي لم يكن التلفزيون قد أنشئ بعد، فالمسافة بين عام 1934 وهو تاريخ إنشاء الإذاعة في مصر وبين عام 1960، تاريخ إنشاء التلفزيون بالقطع تُنبئ بالحقيقة وتؤكد أسبقية الميكروفون على الشاشة في نقل نبض الشارعين المصري والعربي وبث الأخبار والإحداثيات الثقافية والسياسية في مختلف الاتجاهات لإثبات النهضة الإعلامية المُبكرة لمصر في ذلك الوقت.
هذا الاستدعاء التاريخي لمجد الإذاعة المصرية يأتي متزامناً مع قرارات الإصلاح وإعادة ترتيب الأوراق والمحاولة الجادة لصياغة الأهداف الإستراتيجية للإذاعة والتلفزيون على حد سواء، باعتبار أن كل منهما لا ينفصل عن الآخر في سياق الرسالة المعنية المتصلة بكل من الوسيطين الرئيسيين كمنبرين إعلاميين على قدر كبير من الأهمية.
وبحسب ما تم إعلانه سيتم تجهيز الأستديوهات على المستويين المرئي والمسموع بأحدث الأجهزة والتقنيات وسيدخل المبنى بجميع قطاعاته حيز الرقمنة أي سيشمل الأداء الإذاعي والتلفزيوني كافة الوسائل التكنولوجية العاملة بالنظام الرقمي»الديجتال» وفق تطورات المنظومة العالمية في هذا الخصوص، وسوف تُرصد له الميزانية الكافية للتطوير والتحديث والتي قُدرت وفق تصريحات بعض المصادر العليمة بأكثر من مليار جنيه مصري.
وعن الإذاعة بشكل خاص سيُراعي حفظ تراثها النفيس من البرامج والحوارات والوقائع التاريخية الموثقة صوتياً، كخطب الزعماء والرؤساء والقادة في المناسبات الوطنية والسياسية المهمة.
ومن المتوقع أن تشمل خُطة الحفاظ على التراث الإذاعي عمليات ترميم لأهم التسجيلات القرآنية المُسجلة بأصوات كبار مُقرئي القرآن الكريم تجويداً وترتيلاً، الشيخ محمد رفعت والشيخ علي محمود والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمود خليل الحُصري والشيخ عبد الباسط عبد الصمد والطبلاوي والمنشاوي والشعشاعي وغلوش وكامل يوسف البهتيمي وأبو العنين شعيشع وغيرهم من رموز دولة التلاوة في جمهورية مصر العربية. لقد تم إدراج هذه القامات والأسماء الكبيرة ضمن قائمة طويلة مُستهدفة من التوثيق والمُعالجة الصوتية والتقنية، وربما تتجاوز الساعات المُسجلة داخل أشرطة لبعض المواد الإذاعية المنوعة حوالي مليون ساعة تقريباً سيتم حفظها بالطُرق التقنية الحديثة وسيُستخدم الذكاء الاصطناعي في مُعالجة بعضها للاستفادة من القُدرات العلمية الفائقة في عملية التحديث.
ويعد ذلك فتحاً إعلامياً جديداً سيشهده قطاع الإذاعة في المستقبل القريب مع وجود خُطة تطوير مُماثلة في قطاع التلفزيون تستهدف أيضاً الحفاظ على البرامج والمواد الدرامية والأفلام والمسرحيات الكلاسيكية وبعض مواد الجريدة السينمائية المصورة التي تتضمن صفحات من الأخبار السياسية القديمة ورحلات الساسة والزعماء والمشروعات العملاقة، كبناء السد العالي وتأميم قناة السويس وحادث المنشية عام 1954 وخطاب الرئيس جمال عبد الناصر في الجامع الأزهر وتنفيذ اتفاقية الجلاء وبيان الرئيس السادات إبان قيام ثورة يوليو وشهادات الضُباط الأحرار.
بالإضافة إلى تسجيلات أخرى مصورة من بينها الجنازة التاريخية لعبد الناصر والفيلم الوثائقي الوحيد الذي صوره المخرج الراحل يوسف شاهين عن يوم الوداع الحزين، فضلاً عن مشاهد مهمة لرحيل الملك فاروق بعد ثورة يوليو على متن المحروسة، اليخت الملكي الخاص به وهو بالملابس الرسمية.
كل هذه وثائق وشهادات مصورة بالغة الأهمية، تم تسجيلها في حينها وزادت قيمتها بمضي السنوات بوصفها جزءا من تاريخ مصر وإعلامها الرائد، كما تتضمن التسجيلات النادرة المُعنى بترميمها وحفظها حفظاً تقنياً رقمياً حديثاً، مراحل افتتاح التلفزيون العربي عام 1960 والإعلاميين الأوائل الذين شاركوا في تدشين المسيرة التثقيفية التنويرية ووضعوا البرامج المختارة في الساعات الأولى من البث المرئي، وهم صلاح زكي وهمت مصطفى وفوزية العباسي وسلوى حجازي وليلى رستم وأماني ناشد.
وبعد هؤلاء توالت الشخصيات والمواهب البارزة في ذات المجال الإعلامي، جلال معوض وزينب الحكيم وسامية صادق ونجوى إبراهيم وفريدة الزمر وأحلام شلبي وفريال صالح وأحمد سمير ومحمود سلطان إلى آخر الأساتذة الكبار المرموقين، يضاف إليهم بالطبع أساتذة التمثيل والإخراج الإذاعي والتلفزيوني ونجوم الشاشتين الكبيرة والصغيرة ونخبة من الصحافيين والكُتاب الكبار، طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم والمازني ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ومحمد عبد الحليم عبد الله وأمين يوسف غُراب ومحمد حسنين هيكل ومصطفى أمين وأنيس منصور ولويس عوض ولويس جريس ومفيد فوزي وألفريد فرج.
كل هذه الأسماء كانت لها بصماتها الواضحة فنياً وإبداعياً على الخريطة الإعلامية ولها تسجيلات وحوارات وبرامج تستأهل الصون والمُحافظة، فهم يُمثلون الذاكرة السمعية والبصرية للثقافة المصرية بتنوعها وثرائها، لذا يستوجب الأمر الوقوف كثيراً أمام مشروع تطوير الإذاعة ورقمنتها، فهو المشروع القومي الثقافي الإعلامي الأكبر في الألفية الثانية والقرن الحادي والعشرين، فمهما بلغت التكلفة المالية والجهد المبذول يبقى الهدف المرجو هو الأهم والأسمى… حفظ الذاكرة الوطنية للبلاد وصيانة صروحها القومية والتاريخية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *