تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

رغم الأمية والشيخوخة.. «سيدات قرية الشين» يكتبن ملحمة في حفظ كتاب الله

Ahmed Dfvvc5 دقائق قراءة2 مشاهدة

الغربية – ماجدة شلبي

 

في الوقت الذي يقضي فيه كثيرون ساعات طويلة في أحاديث لا تنتهي أو متابعة مواقع التواصل الاجتماعي اختارت عشرات السيدات بقرية الشين التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية طريقًا مختلفًا طريقًا يبدأ بآية وينتهي بأخرى طريقًا لم تمنعه الأمية ولم توقفه الشيخوخة ولم تعرقله مشقة الحياة اليومية فهنا اجتمعت سيدات تجاوز بعضهن الثمانين من العمر على هدف واحد هو حفظ كتاب الله ليقدمن نموذجًا استثنائيًا يؤكد أن الإرادة الصادقة أقوى من أي عائق.

لم تكن أغلب هؤلاء السيدات قد التحقن بالتعليم وبعضهن لا يعرفن القراءة أو الكتابة لكن ذلك لم يمنعهن من خوض رحلة شاقة مع القرآن الكريم مستعينات بوسائل بسيطة تبدأ بالاستماع إلى التلاوات عبر الكاسيت قديمًا ثم الراديو والتلفزيون وبعدها الهواتف المحمولة والأقلام الناطقة حتى أصبح حفظ القرآن جزءًا أصيلًا من حياتهن اليومية.

 

◄ بداية الرحلة مع القرآن

 

وتعود بداية الحكاية إلى الحاجة أم رشا معجوز التي بدأت رحلتها مع القرآن داخل منزلها مستعينة بالاستماع المتكرر إلى التلاوات المسجلة تردد الآيات مرة بعد أخرى حتى تستقر في قلبها قبل ذاكرتها ومع مرور الأيام لم تكتفِ بأن تحفظ وحدها بل فكرت في أن تدعو نساء القرية إلى مشاركتها هذه الرحلة المباركة.

بدأت الفكرة بعدد قليل من السيدات يجتمعن في منزلها ثم ازداد العدد شيئًا فشيئًا حتى ضاق المكان بهن فخصصت جزءًا من الأرض المجاورة لمنزلها لإقامة زاوية صغيرة يجتمعن فيها يوميًا لحفظ القرآن ومراجعته.

وسرعان ما تحولت الزاوية إلى ملتقى يومي للسيدات من مختلف الأعمار فبعد الانتهاء من أعمال المنزل ورعاية الأبناء والأحفاد كانت كل واحدة منهن تتجه إلى الحلقة وهي تحمل في قلبها رغبة صادقة في حفظ آيات جديدة أو مراجعة ما سبق حفظه.

 

◄ الأمية التحدي الأكبر

 

ومع اتساع المبادرة انضمت إليها مجموعة من الفتيات وخريجات الجامعات بالقرية ليتولين مهمة تلقين السيدات وتصحيح التلاوة ومساعدتهن على تثبيت الحفظ في مشهد جميل جمع بين خبرة الكبار وحماس الشباب وأصبح كل جيل يساند الآخر في رحلة حفظ كتاب الله.

ولأن الأمية كانت تمثل التحدي الأكبر لم تستسلم السيدات لهذا الواقع بل ابتكرن وسائل متعددة تساعدهن على الحفظ فمنهن من كانت تكرر الاستماع إلى الآيات عبر التلفزيون أو الراديو عشرات المرات وأخريات اعتمدن على تسجيلات الهواتف المحمولة فيما ساهم عدد من أبناء القرية في توفير أقلام ناطقة تساعدهن على الاستماع إلى الآيات وتكرارها حتى يتمكنّ من حفظها بإتقان.

ولم يعد القرآن بالنسبة لهن مجرد صفحات تُتلى بل أصبح رفيقًا دائمًا في البيوت والحقول ووسائل المواصلات يرافقهن في كل تفاصيل يومهن.

 

◄ تغيير نمط الحياة داخل المنازل

 

وبمرور الوقت لم تتوقف آثار المبادرة عند حدود الحفظ بل امتدت إلى تغيير نمط الحياة داخل كثير من البيوت فقد وجدت السيدات في حلقات التحفيظ بيئة تجمعهن على الخير وتشغل أوقات الفراغ بما ينفع وتغرس بينهن روح التعاون والمحبة.

وأصبحت اللقاءات اليومية مناسبة للمراجعة والتشجيع وتبادل الخبرات بعدما كانت ساعات الفراغ قد تفتح أحيانًا أبوابًا للخلافات أو الأحاديث التي لا طائل منها وتحولت الزاوية الصغيرة إلى مساحة للطمأنينة يجد فيها الجميع راحة النفس وسكينة القلب.

وتشير المبادرة إلى أن حفظ القرآن ليس حكرًا على الصغار أو المتعلمين وإنما هو باب مفتوح لكل من صدقت نيته وأراد أن يجعل من كتاب الله رفيقًا له مهما كان عمره أو مستواه التعليمي.

وأثمرت هذه الرحلة عن نجاحات لافتة إذ تمكنت سيدات كثيرات من حفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم بينما أتمت أخريات حفظه كاملًا رغم أن بعضهن لم يمسكن قلمًا في حياتهن.

 

◄ جوائز مالية للمتميزات

 

ولم يكن هذا الإنجاز ليمر دون تقدير من أبناء القرية الذين التفوا حول المبادرة وقرروا دعمها بكل السبل الممكنة فقد بادر عدد من رجال الأعمال والمحسنين إلى تنظيم مسابقات دورية لحفظ القرآن الكريم ورصد جوائز مالية للمتميزات إلى جانب إقامة احتفالات سنوية لتكريم السيدات اللاتي أتممن الحفظ أو حققن تقدمًا ملحوظًا في رحلتهن.

وتتحول هذه الاحتفالات إلى يوم استثنائي داخل القرية حيث تتزين القاعات أو المساجد بالحضور وتتعالى كلمات التقدير لسيدات قدمن درسًا في الإصرار وأثبتن أن الإنجاز الحقيقي لا يقاس بالعمر وإنما بقوة الإرادة.
كما حرص عدد من أبناء القرية على تنظيم رحلات عمرة جماعية للمتميزات في حفظ القرآن لتكون تلك الرحلات مكافأة معنوية تليق برحلتهن الطويلة مع كتاب الله وتشجيعًا لهن على مواصلة الطريق.

ولم يقتصر أثر المبادرة على السيدات المشاركات فقط بل امتد إلى أسرهن وأحفادهن الذين وجدوا أمامهم قدوة حقيقية في الاجتهاد والمثابرة فصار الأطفال يتسابقون إلى الحلقات وتشجع كثير من الشباب على الالتحاق بحلقات التحفيظ بعدما رأوا جداتهم وأمهاتهم يحققن ما ظن البعض أنه مستحيل.

 

◄ «الشين» نموذج مضيئ في نشر ثقافة حفظ القرآن

 

وتؤكد التجربة أن بناء الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إمكانات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى فكرة صادقة تجد من يؤمن بها ويحتضنها. فمبادرة بدأت من منزل بسيط تحولت إلى نموذج مجتمعي ناجح ساهم فيه أبناء القرية بالمساندة والتشجيع حتى أصبحت الشين واحدة من القرى التي يشار إليها باعتبارها نموذجًا مضيئًا في نشر ثقافة حفظ القرآن بين السيدات وكبار السن.

وفي كل يوم وقبل أن تغرب الشمس تمتلئ الزاوية بأصوات السيدات وهن يرددن الآيات في خشوع كل واحدة منهن تحمل مصحفها أو تستمع إلى جهازها الصغير بينما تتعالى أصوات المراجعة والتلقين في مشهد يعكس ارتباطًا عميقًا بكلام الله.

وقد لا تستطيع بعضهن قراءة الكلمات المكتوبة لكنهن استطعن أن يحفظنها في قلوبهن لتصبح صدورهن صفحات تحفظ ما عجزت الأعين عن قراءته.
إنها قصة تؤكد أن العلم لا يقف عند أبواب المدارس وأن العمر ليس حاجزًا أمام التعلم وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد متى امتلك الإرادة والعزيمة.

 

◄ حلقات التحفيظ رسالة مجتمعية

 

وفي قرية الشين لم تعد حلقات التحفيظ مجرد لقاءات لحفظ القرآن بل أصبحت رسالة مجتمعية عنوانها أن أفضل استثمار للوقت هو ما يقرب الإنسان من ربه وأن الفراغ يمكن أن يتحول إلى طاقة إيجابية تصنع أثرًا يبقى لسنوات طويلة.

وهكذا تواصل سيدات الشين رحلتهن مع القرآن وهن يثبتن كل يوم أن القلوب إذا تعلقت بكلام الله هانت الصعاب وسقطت حواجز السن والأمية وبقيت الإرادة وحدها هي الطريق إلى النجاح لتظل القرية نموذجًا مضيئًا يبعث برسالة أمل إلى كل من ظن يومًا أن الوقت قد فات ليتعلم أو يحفظ أو يبدأ حلمًا جديدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *