رحلة على جناح القطار.. من القاهرة إلى أسيوط – الأسبوع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

مصطفى بن خالد مستشار سابق في وزارة الخارجية اليمني

اقرأ أيضا: شروط منح بكالوريوس في قطر للمصريين ٢٠٢٦ ٢٠٢٧

ما أبدع أن تكون للإنسان في الحياة رفقةٌ صادقة، وللرحلة مقصدٌ جميل، وللطريق حكايةٌ لا يعرفها إلا من سار فيه بقلبه قبل قدميه.

نحن الثلاثة: أنا والشيخ خليفة العروسي الهلالي والأخ سيد بحر، خرجنا من القاهرة وكان مقصدنا أسيوط، لحضور عرسٍ جمعنا بأهلٍ كنا نعرفهم بالمحبة قبل أن نعرفهم بالمكان.

لم نكن نعلم أن الرحلة نفسها ستكون جزءاً من الحكاية، وأن الطريق إلى أسيوط سيمنحنا من الجمال ما يجعل الوصول محطةً أخرى، لا نهاية الرحلة.

ما إن أطلق القطار صفيره، حتى شعرت أن القاهرة تبتعد شيئاً فشيئاً، وأن صفحةً جديدة تُفتح أمامنا.

تحرك القطار في هدوء، ثم أخذ ينساب فوق القضبان، متجاوزاً ضجيج العاصمة إلى فضاء أكثر اتساعاً وطمأنينة.

كان يمضي في وقارٍ عجيب، لا يستعجل الوصول، وكأنه يعرف أن أجمل الأسفار ليست تلك التي تختصر الطريق، وإنما تلك التي تمنح المسافر فرصةً ليرى ما حوله، ويستعيد شيئاً من نفسه.

ومع ابتعادنا عن القاهرة، تبدلت ملامح المشهد.

انفتحت الأرض على امتداد البصر، وظهرت الحقول على جانبي الطريق خضراء واسعة، كأنها بساطٌ لا نهاية له. وكانت الترع والجداول تشق الأرض في هدوء، تحمل الماء إلى الزروع، وتمنح المشهد حياةً لا تخطئها العين.

كل شيء كان يتحرك خارج نافذة القطار، إلا أن شيئاً في الداخل كان يزداد سكوناً.

الأشجار تمر، والبيوت تتراجع، والحقول تتعاقب، والقرى تظهر ثم تختفي، بينما يبقى في النفس شعورٌ غريب بأن مصر التي نعرفها من شوارع القاهرة ومبانيها ليست سوى وجهٍ واحد لوطنٍ أوسع وأعمق.

ثم يظهر النيل..

مرةً قريباً، ومرةً بعيداً، ومرةً لا نراه إلا من بين الأشجار والبيوت.

كان يبدو كأنه رفيقٌ قديم للرحلة، لا يحتاج إلى أن يتحدث كي نشعر بحضوره.

يمضي في هدوء، يحمل على ضفتيه ذاكرة آلاف السنين، ويمنح الأرض سرها الأعظم: الماء.

وحين كنت أنظر إليه من نافذة القطار، كنت أشعر أنني لا أرى نهراً فحسب، وإنما أرى جزءاً من قصة مصر نفسها، قصة وطنٍ قامت حضارته حول الماء، وظل النيل فيه شاهداً على تعاقب البشر والسنين.

كانت القرى تمر أمامنا في مشاهد قصيرة، لكنها مكتملة المعنى:

بيوتٌ بسيطة تتوارى خلف الأشجار، مآذن ترتفع فوق السطوح، أطفال يلوحون للقطار، وفلاحون في حقولهم يمارسون عملهم اليومي في هدوءٍ يشبه الطقوس القديمة.

كان بعض الأطفال يلوحون لنا بأيديهم، فنرد التحية دون أن نعرف أسماءهم.

لحظات قصيرة، لكنها كانت تكفي لتمنح الرحلة شيئاً من البهجة.

أما النخيل، فكان له حضورٌ خاص، يقف شامخاً في أطراف القرى وعلى حواف الحقول، كأنه جزء من ذاكرة المكان، لا مجرد شجرٍ ينمو فيه.

وكلما رأيته، شعرت أن الصعيد يستقبلنا بلغته الخاصة، لغة الأرض والنخيل والماء، ولغة الناس الذين يعرفون قيمة الضيف قبل أن يسألوا عن اسمه.

ومع اقترابنا من أسيوط، بدأت ملامح الصعيد تزداد وضوحاً:

ظهرت الجبال في الأفق شامخةً وثابتة، بينما ظلت الخضرة تمتد عند أقدامها في مشهد يجمع بين الصلابة والخصوبة.

كان منظراً يختصر شيئاً من شخصية الصعيد نفسه: أرضٌ قوية، وناسٌ أقوياء، لكن وراء تلك القوة قلبٌ واسع يعرف كيف يحتفي بالضيف.

وحين وصلنا إلى أسيوط، أدركت أن الرحلة لم تكن مجرد انتقال من مدينة إلى مدينة، بل كانت عبوراً من إيقاعٍ إلى إيقاع، ومن عالمٍ إلى عالم، ومن ضجيج العاصمة إلى هدوء الريف، ومن سرعة الحياة إلى مساحة تسمح للإنسان بأن يتأمل.

لكن أجمل ما في الرحلة لم يكن قد بدأ بعد..

فقد كان ينتظرنا هواري جاد الحق وبني هلال.

بني هلال… حيث يصبح الغريب من أهل الدار

وصلنا إلى قرية بني هلال بالقوصية، ونحن نظن أننا ذاهبون لحضور عرسٍ وسنعود بعد ثلاثة أيام.

لكننا اكتشفنا منذ اللحظة الأولى أن بعض الأماكن لا تستقبل زائراً، وإنما تستقبل إنساناً.

كان الاستقبال مختلفاً، لم تكن هناك تلك المسافة التي يشعر بها الغريب حين يدخل مكاناً لا يعرفه. لم نشعر أننا ثلاثة مسافرين جاؤوا لقضاء أيامٍ عابرة، وإنما شعرنا أننا وصلنا إلى مكانٍ يعرفنا منذ زمن.

وجوهٌ مشرقة، أيدٍ ممدودة، كلمات ترحيب صادقة، وكرمٌ عروبي لا يحتاج إلى شرح.

هناك فهمت أن الضيافة الحقيقية ليست في كثرة الطعام، ولا في فخامة المكان، ولا في عدد ما يوضع أمام الضيف..

الضيافة الحقيقية هي أن يشعر الإنسان أن وجوده أسعد أهل البيت، وهذا بالضبط ما شعرنا به.

كانوا يتعاملون معنا بمحبةٍ طبيعية، بلا تكلف ولا مبالغة، وكأن استقبال الضيف عندهم ليس واجباً يؤديه الإنسان، وإنما خلقٌ أصيل يعيش به.

أقمنا ثلاثة أيام، لكن الأيام الثلاثة لم تشبه ثلاثة أيام، كانت أثقل من الزمن وأخف منه في الوقت نفسه: ثقيلة بما امتلأت به من مشاعر ولقاءات، وخفيفة لأنها مرت سريعاً كأنها ساعات.

كانت الموائد عامرة، لكن الطعام لم يكن أكرم ما عليها، الأكرم كان الكلام الطيب، والضحكات الصادقة، والسؤال عن راحتنا، والحرص على أن نكون بخير.

كانت القرية في تلك الأيام تبدو لنا كأنها لوحةٌ مفتوحة على الحياة المصرية في أبسط صورها وأكثرها دفئاً:

الخضرة حولنا، والماء قريب، والنخيل في الأفق، والبيوت التي تحمل ملامح المكان، والناس الذين يمنحون القرية معناها الحقيقي.

ومع مرور الوقت، أدركنا أن جمال بني هلال ليس في طبيعتها وحدها.. أجمل ما في بني هلال هم أهلها.

وهذه ليست مجاملة، فالإنسان هو الذي يمنح المكان قيمته.

قد تزور مدينةً جميلة ولا تترك فيك أثرًا، وقد تدخل قريةً بسيطة فتخرج منها وأنت تحملها معك سنوات طويلة.. وكانت بني هلال من النوع الثاني.

كان فيها شيءٌ من مصر القديمة التي لم تفسدها سرعة الحياة، وكثيرٌ من الكرم العربي الذي يجعل الضيف عزيزاً قبل أن يطلب شيئاً، وحفاوةٌ من الصعيد الذي يعرف أن الكلمة الطيبة جزءٌ من واجب الضيافة.

ومع كل يومٍ كان يمر، كنا نشعر أننا نقترب من المكان أكثر، لم تعد القرية مجرد محطة في طريقنا، بل بدأت تتحول إلى ذاكرة.

وهنا أدركت معنى لطالما آمنت به:

بعض الأماكن تُرى بالعين، وبعضها يُعرف بالقلب.

اقرأ أيضا: جامعة دمياط تشارك في معرض أخبار اليوم للتعليم العالي للتعريف ببرامجها الأكاديمية

ثلاثة أيام… وذكرى لا تنتهي

حين جاء موعد الرحيل، بدا الأمر أصعب مما توقعنا.. ثلاثة أيام فقط، ومع ذلك شعرنا أننا نغادر مكاناً عشنا فيه زمناً طويلاً.

كانت هناك وجوهٌ ألفناها بسرعة، وأصواتٌ اعتدنا سماعها، وموائد جمعتنا، وأحاديث امتدت حتى صار بعضها جزءاً من ذاكرتنا.

وفي لحظة الرحيل، أدرك الإنسان مرة أخرى أن أجمل ما في السفر ليس عدد المدن التي يزورها، وإنما عدد القلوب التي يتركها مفتوحة خلفه، والقلوب التي تفتح له أبوابها.

غادرنا بني هلال، لكننا لم نغادرها تماماً، تركنا شيئاً من قلوبنا هناك، وحملنا معنا شيئاً من أهلها.

وفي طريق العودة إلى القاهرة، أخذنا نستعيد تفاصيل الأيام الثلاثة:

وجهاً ابتسم، يداً صافحت، مائدةً جمعتنا، كلمةً طيبةً قيلت في وقتها، وموقفاً صغيراً ربما ينساه صاحبه، لكنه ظل كبيراً في ذاكرتنا.

وهنا أدركنا أن الكرم لا يقاس بما يقدمه الإنسان لضيفه، وإنما بما يتركه في نفسه بعد أن يغادر.

لقد ذهبنا إلى بني هلال لحضور عرس، لكننا عدنا بعرسٍ آخر.. عرسٍ في الذاكرة، احتفلنا فيه بالصداقة، وبجمال الصحبة، وكرم الناس، وأصالة الصعيد، وبذلك النوع النادر من العلاقات التي لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تصبح عزيزة.

حين يكتب المكان حكايته

في رحلة العودة، كان القطار يمضي بنا مرة أخرى نحو القاهرة، لكن شيئاً كان قد تغير..

في رحلة الذهاب، كنا ننظر من النافذة بحثاً عن الطريق، وفي رحلة العودة، كنا ننظر إليه بحثاً عن الذكريات.

الحقول نفسها، النخيل نفسه، القرى نفسها، والنيل نفسه..

لكن الإنسان حين يمر بالمكان مرةً بقلبه، لا يعود يراه كما رآه أول مرة.

وهكذا فهمت لماذا أطلقت على هذه الرحلة اسم «حكايات تكتبها الأماكن»، فالأماكن لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالوجوه، وبالطرقات، وبالبيوت، وبالضحكات، وبالمواقف الصغيرة التي نظن أننا سننساها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها بقيت فينا أكثر من كثير من الأحداث الكبيرة.

قد تنسى اسم محطة، وقد تنسى ساعة الوصول، وقد لا تتذكر تفاصيل الطريق..

لكن من الصعب أن تنسى إنساناً جعلك تشعر أنك لست غريباً، ومن الصعب أن تنسى مكاناً فتح لك أبوابه قبل أن تعرف كيف تطرقه.

ولهذا بقيت بني هلال في ذاكرتي لا باعتبارها قريةً مررنا بها، وإنما باعتبارها واحدة من تلك الأماكن النادرة التي تضيف إلى الإنسان شيئاً لا يستطيع أن يصفه بسهولة.

سلامٌ على بني هلال وأهلها..

سلامٌ على تلك الديار التي فتحت لنا أبوابها قبل أن تفتح لنا بيوتها..

سلامٌ على أهلها الذين جعلوا من ثلاثة أيامٍ ذكرى لا تكفي السنوات لمحوها..

وسلامٌ على مصر، التي كلما ظننا أننا عرفناها، كشفت لنا في رحلة جديدة وجهاً آخر من وجوهها الساحرة.

فبعض الرحلات تنتهي عند المحطة الأخيرة، وبعضها يبدأ هناك..

وبعض الأماكن نزورها، وبعض الأماكن تسكننا..

وكانت بني هلال واحدةً من تلك الأماكن التي لم يمر بها القلب مروراً عابراً.

اقرأ أيضا: حلفاء على الفاتورة | الحرة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً