الشرقية: إسلام عبدالخالق
اقرأ أيضا: غياب الرقابة.. محتوى طبي مضلل يغزو المنصات بحثاً عن المشاهدات والمكاسب التجارية
في واحدة من القضايا التي ظلت طي الكتمان لأشهر طويلة، قبل أن تكشف التحقيقات خيوطها تباعًا، أصدرت محكمة جنايات الزقازيق بمحافظة الشرقية قرارًا بإحالة أوراق متهم إلى مفتي الجمهورية، لاستطلاع الرأي الشرعي في معاقبته بالإعدام؛ بعد إدانته بقتل صديقه والتخلص من جثمانه في منطقة صحراوية، في جريمة بدأت بخلافات شخصية وانتهت بجثمان مدفون في الرمال ظل بعيدًا عن أعين الجميع قرابة عام كامل، قبل أن تنجح أجهزة البحث الجنائي في الوصول إلى الحقيقة وكشف أحد أكثر ألغاز الاختفاء غموضًا داخل محافظة الشرقية.
داخل قاعة محكمة جنايات الزقازيق، خيم الصمت على الحضور بينما كانت هيئة المحكمة، برئاسة المستشار عبدالرحمن محمد شتلة، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين هشام إبراهيم حامد، ومايكل نعيم، وأحمد إبراهيم رضا، وأمانة سر أحمد رمزي، تستعرض أوراق القضية التي حملت رقم 2387 جنايات مركز شرطة مشتول السوق لسنة 2026، والمقيدة برقم 1118 كلي جنوب الزقازيق للعام الجاري، قبل أن تنتهي إلى قرارها بإحالة أوراق المتهم «عبدالرحمن أ م ش»، البالغ من العمر 26 عامًا، إلى مفتي الجمهورية، وحددت المحكمة جلسة اليوم الثاني من دور انعقاد شهر أغسطس المقبل للنطق بالحكم.
لم يكن القرار مجرد إجراء قضائي معتاد، بل كان محطة جديدة في قضية أثارت كثيرًا من التساؤلات منذ اختفاء المجني عليه «عبدالعزيز أشرف»، الشاب البالغ من العمر 22 عامًا، والذي خرج ذات يوم ولم يعد، لتبدأ أسرته رحلة طويلة من البحث والانتظار والبلاغات، دون أن تتخيل أن نهايته كانت قد كُتبت منذ اللحظات الأولى لخروجه من منزله.
الجريمة وكشفها
«عبدالعزيز» كان شابًا معروفًا بين أبناء قريته بحُسن الخلق، تربطه علاقات اجتماعية واسعة، ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول إحدى صداقاته إلى سبب في إنهاء حياته بهذه الصورة المأساوية، أما المتهم، فكان يعرفه منذ فترة، وجمعت بينهما معرفة تطورت مع الوقت، إلا أن تلك العلاقة لم تخل من خلافات سابقة أخذت تتفاقم تدريجيًا حتى تحولت إلى خصومة دفينة، وكشفت التحقيقات أنها ظلت تتراكم داخل نفس المتهم حتى اتخذ قرارًا بالتخلص من صديقه نهائيًا.
وأوضحت أوراق القضية؛ أن المتهم لم يرتكب جريمته بصورة عشوائية أو تحت تأثير انفعال مفاجئ؛ وإنما بيت النية وعقد العزم على تنفيذ مخططه مسبقًا، فأعد سلاحًا أبيض واختار مكانًا بعيدًا عن العمران يضمن له تنفيذ جريمته بعيدًا عن أعين المارة، ثم بدأ في استدراج المجني عليه بحجة اللقاء وإنهاء الخلافات القائمة بينهما.
وفي يوم الواقعة، خرج «عبدالعزيز» برفقة المتهم متجهين إلى منطقة صحراوية تقع بالجهة الشرقية لقرية المنير التابعة لدائرة مركز شرطة مشتول السوق، وهي منطقة قليلة الحركة لا يرتادها إلا أصحاب الأراضي الزراعية أو العاملون بالمناطق المجاورة، الأمر الذي وفر للمتهم المكان الذي كان يبحث عنه لتنفيذ مخططه.
وبحسب ما جاء في تحقيقات النيابة العامة، فقد دار بين الطرفين مشادة كلامية فور وصولهما إلى المكان سرعان ما تطورت إلى تشابك بالأيدي، قبل أن يستل المتهم السلاح الأبيض الذي أعده مسبقًا ويوجه إلى المجني عليه عدة طعنات استقرت في أنحاء متفرقة من جسده، قاصدًا إزهاق روحه، حتى سقط غارقًا في دمائه وفارق الحياة في موقع الجريمة.
لم يتوقف الأمر عند القتل؛ إذ كشفت التحقيقات أن المتهم اتجه عقب التأكد من وفاة المجني عليه إلى مرحلة أخرى من الجريمة تمثلت في محاولة إخفاء معالمها بالكامل؛ إذ حفر حفرة داخل قطعة أرض فضاء في المنطقة الصحراوية نفسها ثم دفن الجثمان وواراه التراب، قبل أن يغادر المكان وكأن شيئًا لم يكن، معتقدًا أن الزمن كفيل بإخفاء كل آثار ما ارتكبه.
ومع اختفاء «عبدالعزيز»، بدأت أسرته رحلة البحث عنه وتنقل أفرادها بين الأقارب والأصدقاء وسألوا كل من يعرفه، وحرروا محاضر رسمية باختفائه، فيما بدأت الأجهزة الأمنية أعمال البحث والفحص، وجمعت المعلومات حول تحركاته الأخيرة والأشخاص الذين التقوا به قبل اختفائه.
مرت الأيام ثم الشهور دون ظهور أي أثر للشاب المختفي، وهو ما زاد من حالة الغموض التي أحاطت بالقضية، خاصة مع غياب أي دليل يقود إلى مكانه أو يكشف مصيره، بينما كانت أسرته تعيش على أمل عودته، رافضة تصديق أي سيناريو مأساوي، لكن رجال البحث الجنائي لم يغلقوا ملف القضية، واستمرت أعمال التحري وجمع المعلومات ومراجعة العلاقات المحيطة بالمجني عليه، إلى أن بدأت خيوط جديدة تظهر؛ قادت فريق البحث إلى الاشتباه في المتهم، بعد التوصل إلى معلومات أكدت وجود خلافات سابقة بينه و المجني عليه، وأنه كان آخر من شاهده قبل اختفائه.
بتكثيف التحريات ومناقشة المتهم، تضاربت أقواله أكثر من مرة، قبل أن تقود الأدلة فريق البحث الجنائي إلى المنطقة الصحراوية التي يُشتبه في وقوع الجريمة بها، حيث بدأت أعمال البحث والتمشيط.
وفي واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في القضية، تمكنت القوات من العثور على رفات بشرية مدفونة داخل أرض فضاء بناحية قرية المنير، كما عُثر بجوارها على الملابس الخاصة بالمجني عليه وحذائه، وهي المضبوطات التي ساعدت في تأكيد هوية الجثمان بعد مرور عام كامل على الجريمة.
كان المشهد مؤلمًا لأفراد الأسرة الذين ظلوا لأشهر طويلة يترقبون عودة ابنهم، قبل أن تنتهي رحلة الانتظار بالعثور على رفاته مدفونة تحت الرمال، لتتحول حالة الغموض إلى جريمة قتل مكتملة الأركان.
اقرأ أيضا: 11 عامًا مرت على افتتاحها| قناة السويس الجديدة.. شريان عالمى صنعته إرادة المصـريين
وعقب استخراج الرفات، باشرت النيابة العامة تحقيقاتها الموسعة واستمعت إلى أقوال الشهود وواجهت المتهم بالأدلة والتحريات، وانتهت إلى إحالته إلى محكمة جنايات الزقازيق؛ بعدما أسندت إليه تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
اقرأ أيضا: الإعدام شنقا لصاحب مخزن قتل سائق بالشرقية
القرار
أمر الإحالة أكد أن المتهم قد عقد العزم وبيت النية على قتل المجني عليه، وأعد لذلك سلاحًا أبيض، ثم استدرجه إلى المكان الذي اختاره سلفًا، قبل أن ينفذ جريمته ويتخلص من الجثمان بإخفائه داخل منطقة صحراوية.
وخلال جلسات المحاكمة، استعرضت المحكمة تفاصيل الواقعة كاملة، واطلعت على تقارير الطب الشرعي وما تضمنته التحقيقات من أدلة وأقوال وتحريات، كما استمعت إلى مرافعات النيابة العامة وهيئة الدفاع، قبل أن تنتهي إلى قرارها بإحالة أوراق المتهم إلى مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي في معاقبته بالإعدام.
قرار المحكمة رغم ما يبدو عليه في نظر البعض أنه اعتياديا بحق متهم بالقتل وسفك الدماء، إلا أن الحكم قد أعاد إلى الأذهان كيف يمكن لخلافات شخصية أن تتطور إلى جرائم بالغة القسوة عندما تغيب لغة الحوار ويحل محلها العنف، وكيف يمكن للثقة أو المعرفة السابقة أن تتحول إلى وسيلة لاستدراج الضحية إلى مكان معزول، بعيدًا عن أي فرصة للنجاة.
كما كشفت القضية أهمية استمرار أعمال البحث والتحري؛ إذ لم يمنع مرور عام كامل على ارتكاب الجريمة رجال البحث الجنائي من مواصلة جهودهم حتى الوصول إلى الحقيقة، والعثور على الرفات، وكشف ملابسات اختفاء الشاب الذي ظل مصيره مجهولًا لأشهر طويلة.
وبين لحظة خروج «عبدالعزيز» من منزله للمرة الأخيرة، ولحظة العثور على رفاته المدفونة في الصحراء، مرت شهور ثقيلة على أسرته، عاشوا خلالها بين الأمل والقلق، قبل أن تنتهي القضية بقرار قضائي يمثل مرحلة فاصلة في مسار العدالة، بعدما رأت المحكمة أن ما تضمنته أوراق الدعوى من أدلة وتحقيقات يكفي لإحالة أوراق المتهم إلى مفتي الجمهورية، تمهيدًا لإصدار حكمها النهائي في الجلسة المحددة بالقصاص من المتهم جراء ما ارتكبه من جريمة شنعاء.
