تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

خيرية يونس من هضاب بعلبك إلى أزقة عين الحلوة

Ahmed Shokre4 دقائق قراءة0 مشاهدة

عين الحلوة -«القدس العربي»: ولدت خيرية سعيد يونس في قرية لوبية الفلسطينية التابعة لقضاء طبريا، وتحمل في ذاكرتها وذاكرة عائلتها حكايات الأرض التي لم تغادر الوجدان رغم عقود اللجوء. وتقيم اليوم في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، لكن علاقتها بالأرض وما تنبته من خيرات لم تنقطع يومًا، إذ وجدت في المهن التراثية التي ورثتها عن والدتها وسيلة للعيش، وشكلًا من أشكال الحفاظ على الهوية الفلسطينية.
بدأت رحلة خيرية مع العكوب وهي في الخامسة عشرة من عمرها. كانت ترافق والدتها إلى الجبال لتتعلم أسرار هذه النبتة البرية الشائكة التي تحتل مكانة خاصة على الموائد الفلسطينية. لم يكن الأمر مجرد عمل موسمي أو وسيلة لكسب الرزق، بل كان امتدادًا لإرث عائلي تناقلته الأجيال، يحمل معه حكايات الصبر والتعب والانتماء إلى الأرض.
تقول خيرية إن هذه المهنة أخذتها «وراثة عن أمي»، فمن خلالها تعلّمت معنى المسؤولية وقيمة العمل الشريف. ومنذ ذلك الوقت، بات الربيع بالنسبة إليها موسمًا مختلفًا، تنتظره كل عام بشوق وأمل. فمع بداية الموسم، تستعد للانطلاق نحو بعلبك والمناطق الجبلية بحثًا عن العكوب الذي يحتاج إلى خبرة ودراية بمواقع نموه.

تبدأ الرحلة قبل بزوغ الفجر، إذ تحرص خيرية ومن يرافقها على الانطلاق عند الساعة الثالثة صباحًا للوصول باكرًا إلى الجبال. وهناك، يبدأ يوم طويل من المشي والتعب بين الصخور والمنحدرات. ورغم قسوة المهمة وما تتطلبه من جهد بدني كبير، فإن العثور على العكوب يمنحها شعورًا لا يوصف بالراحة والامتنان.
وتقول: «اليوم اللي بلاقي فيه عكوب نفسيتي بترتاح، وبحكي: الله يرزقنا ويرزق الجميع». كلمات بسيطة تختصر فلسفة امرأة اعتادت أن تواجه صعوبات الحياة بالأمل والإيمان أن الرزق يحتاج إلى السعي والتعب.
لم يكن العمل في جمع العكوب منتشرًا كما هو اليوم. ففي السابق، كان عدد العاملين في هذه المهنة محدودًا، بينما ازدادت في السنوات الأخيرة أعداد الذين يقصدون الجبال طلبًا للرزق، ومن بينهم كثير من الرجال. ومع ذلك، تشير خيرية إلى أنها قد تكون المرأة الوحيدة في مخيم عين الحلوة التي ما زالت تعمل في هذا المجال، محافظة بذلك على مهنة تراثية ارتبطت بذاكرة الفلسطينيين وثقافتهم الغذائية.
وعلى امتداد سنوات طويلة، اعتادت خيرية الجلوس في أسواق المخيم لبيع ما تجمعه من العكوب. كانت تنتقل من مكان إلى آخر، حاملة معها تعب الأيام الطويلة في الجبال، حتى قررت في الفترة الأخيرة إقامة بسطة صغيرة أمام منزلها، تعرض عليها ما تجود به مواسم الطبيعة وما تصنعه يداها. ورغم أن العكوب لا يحظى بالإقبال نفسه لدى جميع سكان المخيم، فإن أبناء بعض القرى الفلسطينية المهجرة، مثل الصفصاف ولوبية والمنشية، لا يزالون يرونه طبقًا أساسيًا يحمل نكهة البيوت القديمة وذكريات الوطن المفقود. وبالنسبة إليهم، لا يقتصر العكوب على كونه طعامًا موسميًا، بل يمثل رابطًا مع الأرض الفلسطينية وجزءًا من هوية لم تفلح سنوات اللجوء في محوها.
ولا تنتهي رحلة خيرية بانتهاء موسم العكوب. فمع تبدل الفصول، تنتقل إلى أعمال أخرى تعلمتها أيضًا من الأجيال السابقة. تعمل في تقطير المرمية والنعناع وإكليل الجبل، وتقوم بدق السماق وتحضير الزعتر البلدي، مستثمرة معرفتها بالنباتات والأعشاب في توفير مصدر رزق يضمن لها الاستمرار طوال العام.
هذه الأعمال، التي قد تبدو بسيطة في نظر البعض، تختزن في تفاصيلها خبرات متراكمة وموروثًا شعبيًا غنيًا. فهي تعكس علاقة الفلسطيني بأرضه وبما تنتجه من نباتات وأعشاب، كما تعبر عن قدرة النساء الفلسطينيات على تحويل المعرفة التقليدية إلى أدوات للصمود ومواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة. تختصر خيرية حكايتها بعبارة مؤثرة تقول فيها: «بدنا نعيش، وما ورثنا عن أهلنا غير هالصنعة». وفي هذه الكلمات تتجسد قصة آلاف النساء الفلسطينيات اللواتي حملن معهن من الوطن المهجر وصفاته وعاداته ومهنه التقليدية، وجعلن منها وسيلة للحفاظ على الكرامة وتأمين لقمة العيش.
في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، حيث تتقاطع حكايات اللجوء مع تحديات الحياة اليومية، تواصل خيرية سعيد يونس عملها بصمت وإصرار. تخرج إلى الجبال عندما يحين موعد العكوب، وتعود إلى أعشابها وتوابلها في بقية أيام السنة، مؤمنة بأن المهنة التي ورثتها عن والدتها ليست مجرد مصدر رزق، بل أمانة يجب الحفاظ عليها. وقصة خيرية ليست حكاية امرأة تبحث عن قوت يومها فحسب، بل هي شهادة حية على قوة النساء الفلسطينيات، وعلى قدرة التراث الشعبي على البقاء رغم التهجير وتبدل الأزمنة. وبين أشواك العكوب ورائحة الزعتر والمرمية، تواصل هذه السيدة كتابة فصل جديد من حكاية الصمود الفلسطيني، محافظة على إرث الأجداد، ومؤكدة أن ما يورث من حب الأرض والعمل الشريف لا يمكن لأي ظروف أو مسافات أن تقتلع جذوره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *