لم يرث جيل «زد» عالماً فقيراً، ولكنه دخل عالماً بالغ الثراء، بعد أن ارتفعت فيه أثمان البدايات إلى حد لم تعد معه الوظيفة الأولى كافية لفتح باب البيت الأول، ولا الشهادة الجامعية ضماناً لدخل آمن، ولا الراتب الشهري حصناً من العودة إلى منزل الوالدين.
والمقصود بجيل «زد»، في التعريف الشائع، المولودون بين أواخر تسعينيات القرن الماضي وبداية العقد الثاني من الألفية، وقد بدأ أبناؤه دخول سوق العمل في سنوات اتسمت بالجائحة، والتضخم، وارتفاع أسعار المساكن، ثم صعود أسعار الفائدة.
اقرأ أيضا: 1373طفل بيروفي أسقطوا إمبراطور التعدين بـ 150 مليون دولار
ولا أعني بعبارة «أفقر جيل» أنهم يملكون اليوم أموالاً أقل من كل من سبقهم بصرف النظر عن العمر، فالشباب، بطبيعة الحال، أقل ثروة من كبار السن، لكنها تعني أن الطريق التقليدي إلى تكوين الثروة صار أمامهم أطول وأشد كلفة.
فالثروة لا تبنى من الراتب وحده، بل من القدرة على ادخار جزء منه وتحويله إلى أصول، وفي مقدمتها المسكن، وحين يرتفع ثمن الأصل أسرع من الدخل، يصبح الزمن نفسه ضريبة يدفعها من ولد متأخراً.
بيت بعيد
بحسب صندوق النقد الدولي، تراجعت القدرة على تحمل تكاليف السكن في دول عدة، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا وألمانيا والبرتغال وسويسرا.
ويشير الصندوق إلى أن السكن، في متوسط عدد من الاقتصادات، أصبح أقل يسراً مما كان عليه قبيل فقاعة العقارات التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2007 و2008.
ووفق بيانات عرضها صندوق النقد استناداً إلى مؤشرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفعت أسعار المنازل في دول المنظمة بنحو 37% بالقيمة الحقيقية خلال عقد، كما ارتفعت بنسبة 16% قياساً إلى الدخول.
ويقول 60% من الأشخاص الذين تراوح أعمارهم بين 18 و39 عاماً إنهم قلقون من القدرة على تحمل تكاليف السكن، مقارنة بـ38% فقط ممن تراوح أعمارهم بين 55 و64 عاماً.
هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف في المزاج بين جيلين، فالمنزل في الاقتصادات الحديثة ليس سقفاً فحسب، بل مخزن للثروة وضمان للاقتراض وأصل ترتفع قيمته مع الزمن، ولهذا يؤكد صندوق النقد أن ملكية السكن تمثل أكبر مصدر للدين والثروة معاً لدى الأسر، ومن يتأخر في دخول سوق العقار لا يفقد سنوات من الإقامة المستقرة وحدها، بل يفقد أيضاً سنوات من تراكم قيمة الأصل.
وفي الولايات المتحدة أظهر مكتب الإحصاء أن نسبة تملك المسكن بين أرباب الأسر الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً بلغت 36.1% في عام 2023، وهي أدنى نسبة بين الفئات العمرية، قبل أن تسجل 37.9% في الربع الأخير من 2025، مقابل 79% لمن تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر.
وتكمن المفارقة في أن الأصول التي اشتراها جيل سابق بأسعار أدنى أصبحت هي نفسها الحاجز الذي يقف أمام الجيل اللاحق.
اقرأ أيضا: مجرم بحسن نية.. عصابة توهم شاباً بوظيفة مغرية وتستغله في جرائم احتيالية
دخل هش
قد يبدو سوق العمل العالمي أكثر رحمة مما توحي به الصورة، فمنظمة العمل الدولية تقول إن معدل بطالة الشباب عالمياً انخفض إلى 13% في عام 2023، وهو أدنى مستوى خلال 15 عاماً، وإن عدد العاطلين بين سن 15 و24 عاماً بلغ 64.9 مليون شاب، وهو الأدنى منذ بداية القرن.
غير أن الحصول على وظيفة ليس مرادفاً لتكوين الثروة، فالوظيفة قد تمنع البطالة، لكنها لا تضمن بالضرورة دخلاً يكفي للإيجار والادخار وسداد الديون في وقت واحد، كما أن أرقام البطالة لا تشمل وحدها هشاشة العقود، أو عدم استقرار ساعات العمل، أو الفترات التي يقضيها الشباب خارج التعليم والتوظيف والتدريب.
وقد أشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن انخفاض ملكية المساكن بين الأجيال يرتبط، إلى جانب ارتفاع الأسعار، بتغيرات في مخاطر الدخل، فالأسر الأقل دخلاً تجد صعوبة أكبر في شراء المنزل، ومن ثم تراكم ثروة أقل بمرور الأعوام.
إن المشكلة، إذن، ليست أن جيل «زد» لا يعمل، بل أن كثيراً من أفراده يعملون داخل معادلة تعاقبهم مرتين: مرة بدخل يبدأ منخفضاً، ومرةً بأسعار أصول سبقت دخولهم إلى السوق بسنوات.
لا شك أن القرارات الفردية تؤثر في الوضع المالي، فالإنفاق والادخار والاقتراض عوامل حقيقية، غير أن الأرقام الأوسع تشير إلى أثقال بنيوية تسبق القرار الفردي، مثل مساكن ارتفعت أسرع من الدخول، وتعليم قد يبدأ بالدين، ومدخرات طارئة محدودة، واستقلال مالي يأتي في عمر متأخر.
هذا الجيل لم تُغلق في وجهه أبواب العمل، لكنها ضاقت أمامه أبواب الملكية، ولم يُحرم من أدوات الرفاه، لكنه ابتعد عن أصول الأمان، هو جيل يرى العالم كله في شاشة صغيرة بدل أن يعيشها، هو أغنى من أسلافه في الأدوات، وأفقر منهم عند خط البداية.
اقرأ أيضا: 704 ملايين درهم أرباح “سالك” في النصف الأول
