تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

ترامب الغاضب يعجز عن فهم تحدي قادة إيران

Ahmed Shokre8 دقائق قراءة0 مشاهدة

 لندن ـ “القدس العربي”: في تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، يتتبع الصحافي مايكل كراولي تاريخ إخفاق الرؤساء الأمريكيين في فهم بنية السلطة الإيرانية وطريقة تفكير قادتها. ويرى أن الرئيس دونالد ترامب قد يكون الأكثر ارتباكا أمام طهران، بعدما فشل استخدام القوة والتهديد وعروض التفاوض في انتزاع النتائج التي يريدها.

وأكد الكاتب على وصف الرئيس دونالد ترامب إيران، يوم الاثنين، بأنها تتصرف مع الولايات المتحدة بـ”ازدواجية لا تصدق”، كان أحدث مؤشر على الصعوبة التي يواجهها في فهم خصومه في طهران.

يقدم ترامب نفسه باعتباره خبيرا في قراءة خصومه واستغلال نقاط ضعفهم، لكن قادة إيران حيروه وأثاروا غضبه.

وقال للصحافيين الأسبوع الماضي: “كل ما يفعلونه يجعلني غاضبا. إنهم يجعلونني غاضبا فحسب.”

وقد يكون مزيد من الإحباط في انتظار الرئيس الأمريكي. فمسؤولو إدارته يقولون إن اتفاقا جديدا لإعادة فتح مضيق هرمز قد يكون قريبا، لكن إيران ما زالت تصر على تحصيل رسوم لعبور السفن، وهو أمر اعتبره ترامب غير مقبول.

ولم يكلف عجز ترامب عن التوصل إلى اتفاق مناسب مع إيران ثمنا سياسيا فقط في أوساط الناخبين الذين سئموا الحروب، بل أدى استمرار التوتر حول هذا الممر البحري الحيوي إلى تقلب أسعار النفط، بما يضر المستهلك الأمريكي والاقتصاد العالمي.

وليس ترامب أول رئيس أمريكي يعجز عن فهم إيران. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، حاول كل من سبقوه فك رموز بنية السلطة الغامضة في البلاد واستيعاب عقلية قيادتها السياسية.

ومعظمهم أخفق، وبعضهم دفع ثمنا باهظا. والاستثناء النادر كان الرئيس باراك أوباما، الذي توصل عام 2015 إلى الاتفاق النووي مع إيران بعد عشرين شهرا من الدبلوماسية. وقد اعتبر أوباما الاتفاق إنجازا كبيرا، رغم اتهامات من جمهوريين وبعض الديمقراطيين بأن طهران استدرجته إلى اتفاق معيب عبر التظاهر بالاعتدال.

لكن ترامب ربما يكون الرئيس الذي “فهم القيادة الإيرانية بأقل قدر”، بحسب كينيث بولاك، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي، الذي يدرس إيران منذ عقود.

ويقول بولاك: “يمثل ترامب، من جوانب كثيرة، ذروة الإحباط الأمريكي من إيران. فقد كان أكثر الرؤساء رغبة في التوصل إلى اتفاق معها، وفي الوقت نفسه استخدم ضدها أكبر قدر من القوة، ثم اكتشف أن أيا من النهجين لم يمنحه ما أراد.”

وغالبا ما يتحدث ترامب كما لو أن استخدام قوة هائلة سيقود بسرعة إلى صفقة.

وبعد أن بدأت الحرب بضربة جوية في 28 فبراير أدت إلى مقتل علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران طوال نحو أربعين عاما، دعا ترامب الإيرانيين إلى الانتفاض و”السيطرة” على حكومتهم. وأضاف أنه سيختار بعد ذلك القائد الإيراني الجديد.

وقتل مسؤولون إيرانيون كبار آخرون في الغارات، لكن الانتفاضة الشعبية التي توقعها ترامب لم تقع.

وعلى العكس، شددت الحكومة الإيرانية المتشددة قبضتها. وفي مارس، عينت مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، مرشدا أعلى جديدا. ويراه مسؤولون أمريكيون أكثر تشددا من والده، وأكثر ميلا إلى امتلاك سلاح نووي.

وتجاهلت إيران ببساطة إعلان ترامب أن اختيار خامنئي الابن سيكون “غير مقبول”، كما لم يستجب المرشد الجديد لدعوة علنية من ترامب إلى لقاء مباشر.

ومع ذلك، احتفظ ترامب بأمله في إحداث تغيير كبير.

وقال في أواخر أبريل إن إيران تستطيع أن تضع نفسها في موقع جيد جدا إذا عقدت صفقة، وإنها يمكن أن تصبح “دولة شرعية، لا دولة تقوم على الموت والرعب”.

ويقول المسؤولون الإيرانيون إن بإمكانهم التفاوض مع ترامب بشأن قضايا مثل مضيق هرمز وبرنامجهم النووي، لكنهم يستبعدون قبول كثير من مطالبه الأساسية.

وفي نظام سياسي يقوم جزء من شرعيته على العداء للولايات المتحدة، لا يبدي أي من المسؤولين اهتماما بمصالحة أوسع مع واشنطن.

ولا توجد مؤشرات كثيرة على أن أشهر التعامل مع النظام الإيراني منحت ترامب فهما أوضح لطبيعته. فمنذ اندلاع النزاع، عدل تقييمه لخامنئي ومساعديه مرات عدة، واصفا إياهم تارة بـ”المجانين”، وتارة بـ”العقلانيين”، و”الحمقى المجانين”، و”الأذكياء جدا”، و”المجانين تماما”.

ويعيش ترامب، إلى حد ما، الإحباط نفسه الذي واجهه عدد من الرؤساء السابقين الذين حلموا أيضا بصفقات كبرى مع إيران.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز ومديرة برنامج السياسة الخارجية فيه، إن صناع القرار الأمريكيين ظلوا لعقود يقللون من شأن الالتزام الأيديولوجي العميق والبنية المؤسسية المتجذرة للسلطة في الجمهورية الإسلامية.

وتضيف أن إحدى المشكلات الرئيسية تتمثل في قلة الاحتكاك المباشر بين المسؤولين الأمريكيين وكبار قادة إيران. فلم يلتق أي مسؤول أمريكي المرشد الأول روح الله الخميني، ولا علي خامنئي، ولا نجله مجتبى.

وترى مالوني أن الحرب عززت سلطة القيادة الدينية والعسكرية في إيران، ولم تترك “مركز قوة بديل قابل للحياة”.

ويضم النظام الإيراني شبه الديمقراطي رئيسا وبرلمانا، لكنهما يعملان تحت السلطة الدينية المطلقة للمرشد الأعلى. وقد شهد النظام في مراحل مختلفة صعود مسؤولين بارزين أبدوا استعدادا لعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة، لكن الرهانات الأمريكية عليهم انتهت في الغالب بالندم.

ويقول الدبلوماسي المخضرم دينيس روس، الذي عمل مع رؤساء من الحزبين: “يبدو أن الإيرانيين يفهموننا أفضل مما نفهمهم.”

خيبة أمل مريرة

في عام 1980، وافق الرئيس جيمي كارتر على إجراء محادثات سرية مع وزير الخارجية الإيراني، في محاولة لإطلاق سراح 52 رهينة أمريكية احتجزوا في السفارة الأمريكية بطهران في العام السابق.

وتظهر يوميات كارتر أنه كان مهووسا، مثل ترامب، بتفاصيل الصراعات السياسية داخل إيران، بما فيها الخصومات بين كبار المسؤولين.

وفي أوائل عام 1980، اعتقد كارتر أنه توصل إلى اتفاق يقضي بإطلاق سراح الرهائن في مقابل الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، وتعهد أمريكي بعدم التدخل في الشؤون الإيرانية، إلى جانب شروط أخرى.

لكن الخميني أطاح بالفكرة في ما وصفه كارتر بأنه “خيبة أمل مريرة”، مفاجئا المسؤولين الأمريكيين وحتى معاونيه الإيرانيين.

وأمر كارتر لاحقا بتنفيذ عملية عسكرية لإنقاذ الرهائن، لكنها فشلت. ولم ينجز الاتفاق الذي أطلق سراحهم إلا في اليوم الأخير من ولايته.

صفقات السلاح السرية

بعد خمسة أعوام، طلب الرئيس رونالد ريغان من مساعديه دراسة رسالة نقلها تاجر سلاح إيراني، زعم فيها أن مسؤولين إيرانيين معتدلين سيكونون مستعدين لإقامة علاقات ودية مع الولايات المتحدة بعد وفاة الخميني المتقدم في السن.

وفي ما وصفه ريغان لاحقا بأنه بحث عن “انفتاح استراتيجي”، وافق على بيع أسلحة أمريكية إلى إيران سرا، مقابل الإفراج عن رهائن أمريكيين محتجزين في لبنان.

وأصبحت الصفقة جزءا من فضيحة عرفت باسم “إيران كونترا”، بعد أن حولت أموال مبيعات السلاح سرا، وبالمخالفة لإرادة الكونغرس، إلى جماعة متمردة مناهضة للشيوعية في نيكاراغوا تعرف باسم “الكونترا”.

وأدى كشف الفضيحة إلى إغراق رئاسة ريغان في أزمة سياسية، إذ اعترف مسؤولون أمريكيون بارتكاب جرائم أو أدينوا بها، فيما حاول مستشاره السابق للأمن القومي الانتحار.

وتبين أن الانفتاح على إيران كان سرابا. فلم يظهر في طهران معتدلون قادرون على بناء علاقة جديدة، واعتقدت وكالة الاستخبارات المركزية أن تاجر السلاح الذي أطلق العملية كان محتالا.

ونفى ريغان علمه بالأحداث الرئيسية، ثم قدم اعتذارا في خطاب متلفز، مع استمراره في الدفاع عن هدفه الأصلي المتمثل في التواصل مع المعتدلين الإيرانيين.

لحظة أمل عابرة

ظهرت فرصة أكثر واقعية أمام الرئيس بيل كلينتون عام 1997، عندما انتخبت إيران الإصلاحي محمد خاتمي رئيسا.

ودعا خاتمي إلى علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، بل أعرب عن الأسف لأزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية. وكانت هذه المرة فرصة حقيقية.

ورد كلينتون بإشارات إيجابية، منها إعادة السماح باستيراد الفستق والسجاد الإيرانيين، وإطلاق تصريحات تصالحية أقرت ببعض المظالم التاريخية الإيرانية.

بل إن وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت قدمت اعتذارا علنيا عن دعم وكالة الاستخبارات المركزية انقلاب عام 1953، الذي أطاح رئيس الوزراء الإيراني بعد تأميمه صناعة النفط التي كانت تهيمن عليها مصالح غربية.

لكن المتشددين ذوي النفوذ رفضوا رؤية خاتمي المعتدلة، لأن المصالحة مع الولايات المتحدة كانت تهدد أسس أيديولوجيتهم المناهضة للغرب.

وبعد أيام من خطاب أولبرايت، رفض علي خامنئي، الذي تولى منصب المرشد الأعلى بعد وفاة الخميني عام 1989، كلامها واستبعد أي إمكان للحوار مع واشنطن.

وقال خاتمي لاحقا في أحاديث خاصة إن خامنئي كان يؤمن بأن إيران لا تستطيع أبدا صنع السلام مع الولايات المتحدة، بحسب كريم سجادبور، الخبير في الشأن الإيراني في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

طهران تناور واشنطن

لم ينجح في إبرام اتفاق دبلوماسي كبير مع إيران سوى باراك أوباما، عبر الاتفاق النووي لعام 2015، الذي فرض قيودا على البرنامج النووي الإيراني تصل مدتها إلى خمسة عشر عاما، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.

وكان كثير من مسؤولي إدارة أوباما يأملون أن يكون الاتفاق، الذي تفاوضوا عليه مع الرئيس الإيراني المعتدل حسن روحاني، خطوة أولى نحو تحسين العلاقات.

لكن ذلك لم يحدث. فقد وافق خامنئي على الاتفاق، لكنه لم يبد أي رغبة في تطوير العلاقة أكثر. وقال منتقدون إن ذلك أكد تحذيراتهم من أن روحاني لن يكون سوى نسخة جديدة من خاتمي.

وسرعان ما تعززت شكوك الإيرانيين في أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها. ففي عام 2018، انسحب ترامب من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات اقتصادية أشد مما كانت عليه قبل توقيعه.

وردت إيران بتسريع برنامجها النووي، ما وضعها على طريق مواجهة عنيفة مع الولايات المتحدة، وصولا إلى الحرب التي بدأها ترامب في فبراير.

ومنذ ذلك الحين، يقول دينيس روس، واصلت إيران التفوق على واشنطن في المناورة، وسهل من ذلك نفاد صبر ترامب الواضح ورغبته الملحة في إنهاء الحرب.

ويقول روس: “يميل الإيرانيون إلى قراءة إحساسنا بالعجلة باعتباره مصدر قوة لهم. فنحن نبدو دائما في سباق لإنجاز الأمور، بينما يعملون هم على أساس أن الوقت يخدم مصالحهم أكثر مما يخدم مصالحنا.”

ويخلص التحليل إلى أن مشكلة ترامب مع إيران لا تتعلق فقط بعجزه عن التوصل إلى اتفاق، بل بسوء فهم طبيعة النظام نفسه. فهو يتعامل مع طهران كما لو كانت خصما تجاريا يمكن إرغامه على التراجع بالتهديد أو الضغط، فيما ترى القيادة الإيرانية الصراع مع الولايات المتحدة جزءا من هويتها السياسية ومصدر شرعية داخلي.

وبينما اعتاد ترامب الاعتقاد بأن القوة أو الإغراء المالي قادران على إنتاج صفقة سريعة، أظهرت التجربة الإيرانية أن القادة في طهران أكثر استعدادا لتحمل الخسائر والانتظار والمناورة، وأن استعجال الرئيس الأمريكي يمنحهم في كثير من الأحيان ورقة ضغط إضافية بدلا من أن يدفعهم إلى التنازل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *