في توقيت بالغ الحساسية من تاريخ المنطقة، جاءت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية لتضيف عنصرا جديدا إلى معادلة الأمن الإقليمي، وتفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الدول الثلاث نفسها: هل نحن أمام تحول في مفهوم الأمن في المنطقة؟ وهل تمثل الاتفاقية بداية لبناء منظومة دفاعية إسلامية أكثر استقلالا؟ وكيف ستتعامل القوى الدولية مع تحالف يضم ثلاثا من أهم الدول عسكريا وسياسيا واقتصاديا في العالم الإسلامي؟
الاتفاقية التي وقعها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، لا يمكن فصلها عن البيئة الإقليمية التي ولدت فيها. فالمنطقة تشهد منذ سنوات توسعا في الحروب غير التقليدية، واستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ والمليشيات العابرة للحدود، إلى جانب تهديد الملاحة الدولية والبنية التحتية للطاقة، بما جعل الحدود التقليدية بين الحرب والسلم أكثر ضبابية.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – صاعقة الموت.. فتاة تفارق الحياة في تعز وشقيقتها بين الحياة والموت (تفاصيل مؤلمة)
ومن هنا تأتي الأهمية الأولى للاتفاقية، فهي تنقل العلاقة بين الدول الثلاث من التعاون السياسي والعسكري المعتاد إلى مفهوم أكثر وضوحا للردع الجماعي.
من الخطأ التعامل مع اتفاقية مكة باعتبارها استجابة انفعالية للأزمة الحالية. فالعلاقات العسكرية بين الدول الثلاث تعود إلى عقود، كما أن التعاون السعودي الباكستاني في المجال الدفاعي واسع ومتجذر، وتطورت العلاقات السعودية التركية خلال السنوات الأخيرة بصورة كبيرة
الهجوم على دولة هجوم على الجميع
أهم ما تتضمنه الاتفاقية هو اعتبار أي هجوم خارجي مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما على الجميع. وهذا المبدأ يرفع مستوى الالتزام السياسي والعسكري بدرجة كبيرة، لأنه يعني أن الدولة التي تفكر في الاعتداء على أحد الأطراف لن تحسب حساب قوة هذه الدولة وحدها، وإنما القدرات المشتركة للدول الثلاث.
وهنا تكمن وظيفة الردع الحقيقية. فالهدف من التحالفات الدفاعية الناجحة ليس خوض الحروب، وإنما إقناع الخصم مسبقا بأن تكلفة الحرب ستكون أكبر من مكاسبها المحتملة.
وتمتلك الدول الثلاث عناصر قوة متكاملة إلى حد بعيد. فالسعودية ثقل عربي وإسلامي واقتصادي عالمي، ومركز رئيسي في أسواق الطاقة، وتمتلك قدرات عسكرية وتقنية متقدمة. وتركيا قوة عسكرية وصناعية كبرى وعضو في حلف شمال الأطلسي، ولديها تجربة واسعة في الصناعات الدفاعية والعمليات العسكرية. أما باكستان، فهي من أكبر القوى العسكرية في العالم الإسلامي، وتتمتع بقدرات إستراتيجية كبيرة وخبرة عسكرية طويلة.
ولا يعني ذلك دمج هذه القدرات تلقائيا بمجرد توقيع الاتفاقية، لكنه يوفر الإطار السياسي والقانوني الذي يسمح ببناء قدر أكبر من التكامل بينها.
اتفاقية لم تولد اليوم
من الخطأ التعامل مع اتفاقية مكة باعتبارها استجابة انفعالية للأزمة الحالية. فالعلاقات العسكرية بين الدول الثلاث تعود إلى عقود، كما أن التعاون السعودي الباكستاني في المجال الدفاعي واسع ومتجذر، وتطورت العلاقات السعودية التركية خلال السنوات الأخيرة بصورة كبيرة، بالتوازي مع توسع التعاون في الصناعات الدفاعية والاستثمارات والتقنيات العسكرية.
وبالتالي فإن الاتفاقية تتوج مسارا من المشاورات والتفاهمات امتد سنوات، وإن كان تسارع الأزمات الإقليمية قد منح هذا المسار أهمية وإلحاحا أكبر.
كما أن الاتفاقية لا تلغي الاتفاقيات الدفاعية القائمة للدول الثلاث، سواء الثنائية منها أو المتعددة الأطراف، ولا تعني أن تركيا تتخلى عن عضويتها في حلف الناتو، أو أن السعودية تعيد النظر في شراكاتها الأمنية التقليدية مع الولايات المتحدة والدول الغربية.
الأقرب أنها تضيف دائرة جديدة إلى دوائر الأمن القائمة، وتمنح الدول الثلاث هامشا أكبر للتحرك والاستقلالية، في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو تعدد التحالفات والشراكات.
من السابق لأوانه وصف اتفاقية مكة بأنها “ناتو إسلامي”. فحلف شمال الأطلسي ليس مجرد اتفاق للدفاع المشترك، بل مؤسسة عسكرية وسياسية ضخمة تطورت خلال أكثر من سبعة عقود، ولديها قيادة عسكرية موحدة، وهياكل دائمة للتخطيط والعمليات والتمويل والاستخبارات
الرسالة الإيرانية
من الطبيعي أن تراقب دول إقليمية الاتفاقية بقدر كبير من الاهتمام وربما القلق، خصوصا في ظل التوتر الراهن، وما شهدته المنطقة من نشاط لجماعات مسلحة عابرة للحدود في العراق واليمن ومناطق أخرى.
لكن قراءة الاتفاقية باعتبارها تحالفا موجها حصريا ضد دولة بعينها ستكون تبسيطا للمشهد. فالدول الثلاث أكدت طبيعة الاتفاقية الدفاعية، كما أن مصالحها تقتضي تجنب حرب إقليمية شاملة ستكون تكلفتها مرتفعة على الجميع.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الاتفاقية تغير حسابات الردع بالنسبة إلى أي طرف يفكر في استخدام مليشيات أو صواريخ أو طائرات مسيرة للضغط على إحدى الدول الأعضاء.
ففي السابق كان من الممكن الفصل سياسيا بين الاعتداء المباشر الذي تشنه دولة وبين الهجمات التي تقوم بها جماعات مرتبطة بها. أما في بيئة دفاعية جديدة، فقد يصبح هذا الفصل أكثر صعوبة، وقد ترتفع تكلفة الحروب بالوكالة بصورة واضحة.
ومن المرجح لذلك أن يكون الرد المعادي، إذا قررت دولة الرد، محسوبا وغير مباشر. فقد تلجأ إلى رفع مستوى الضغط السياسي والإعلامي أو استخدام أدواتها الإقليمية، لكنها ستدرك في الوقت نفسه أن التصعيد الكبير قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تتمثل في تعزيز تماسك التحالف الجديد، وتسريع بناء آلياته العسكرية.
هل هو “ناتو إسلامي”؟
هذا السؤال سيطرح كثيرا، لكنه يحتاج إلى شيء من الدقة.
من السابق لأوانه وصف اتفاقية مكة بأنها “ناتو إسلامي”. فحلف شمال الأطلسي ليس مجرد اتفاق للدفاع المشترك، بل مؤسسة عسكرية وسياسية ضخمة تطورت خلال أكثر من سبعة عقود، ولديها قيادة عسكرية موحدة، وهياكل دائمة للتخطيط والعمليات والتمويل والاستخبارات، وقواعد وإجراءات تفصيلية لإدارة الأزمات والحروب.
اتفاقية مكة لا تزال في بدايتها، ولذلك فإن المقارنة بالناتو تصح من زاوية واحدة أساسية، وهي مبدأ أن الاعتداء على عضو يعد اعتداء على بقية الأعضاء.
أما الانتقال من هذا المبدأ إلى بناء تحالف عسكري مؤسسي فيحتاج إلى سنوات من العمل والتنسيق.
وقد تكون المقارنة الأكثر دقة هي القول إن الاتفاقية يمكن أن تشكل نواة لنظام دفاعي إقليمي جديد، إذا استطاعت الدول المؤسسة ترجمة الإرادة السياسية إلى مؤسسات وآليات عملية.
إذا أدت الاتفاقية إلى جعل الاعتداء على أي من الدول الثلاث أكثر تكلفة، ومنحتها قدرة أكبر على حماية أمنها دون الاعتماد الكامل على القوى الخارجية، وفي الوقت نفسه أبقت باب الحوار مفتوحا مع إيران وبقية دول المنطقة، فإنها قد تمثل بداية تحول مهم في بنية الأمن الإقليمي
التحدي يبدأ بعد التوقيع
اقرأ أيضا: تحطم مروحية من طراز سيكورسكي إس-64 في ريتشفيلد بولاية يوتا الأمريكية
وهنا ربما تكمن أهم نقطة في تقييم الاتفاقية.
فقيمة الاتفاقيات العسكرية لا تقاس بالنصوص وحدها، وإنما بما يبنى فوقها. والتحدي الأول أمام الدول الثلاث سيكون وضع تعريف واضح لطبيعة الاعتداء الذي يستوجب تفعيل الدفاع المشترك، وكيفية اتخاذ القرار، ومستوى الالتزام العسكري المطلوب من كل طرف.
ويأتي بعد ذلك تحدي القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتوافق بين الأنظمة العسكرية المختلفة.
كما أن تطوير الدفاع الجوي والصاروخي المشترك سيكون أحد أهم الاختبارات العملية، في ظل انتشار الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والأسلحة الدقيقة في المنطقة.
وهناك كذلك فرصة كبيرة في مجال الصناعات الدفاعية. فتركيا طورت خلال السنوات الأخيرة قاعدة صناعية عسكرية واسعة، وباكستان تمتلك خبرة طويلة في الصناعات العسكرية، بينما تستثمر السعودية بكثافة في توطين الصناعات الدفاعية ونقل التقنية. وإذا نجحت الدول الثلاث في الجمع بين هذه العناصر، فقد يصبح البعد الصناعي والتقني للاتفاق على المدى البعيد في أهمية جانبه العسكري المباشر.
لكن هناك تحديات سياسية كذلك. فالدول الثلاث ليست متطابقة في مصالحها وعلاقاتها الدولية، ولكل منها حساباتها الخاصة في الشرق الأوسط وآسيا والعلاقات مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران والهند وغيرها.
ومن ثم فإن نجاح الاتفاق سيعتمد على قدرته على إدارة الاختلاف، لا على افتراض غيابه.
الردع من أجل التنمية
بالنسبة إلى السعودية، تتفق هذه الخطوة مع فلسفة سياسية أصبحت أكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة: التنمية الاقتصادية تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، والاستقرار يحتاج إلى دبلوماسية نشطة، لكنه يحتاج كذلك إلى قدرة موثوقة على الردع.
فالسعودية التي تقود تحولا اقتصاديا واجتماعيا ضخما في إطار رؤية 2030 ليست معنية بالدخول في حروب جديدة، وإنما بمنع الحروب وحماية حدودها ومدنها ومنشآتها وممرات صادراتها ومشروعاتها التنموية.
ومن هذا المنظور، لا يوجد تناقض بين الحوار السياسي وبناء القوة العسكرية. بل إن الدبلوماسية تصبح أكثر فاعلية عندما تستند إلى توازن قوة يمنع الأطراف الأخرى من الاعتقاد بأن الحوار تعبير عن الضعف أو غياب البدائل.
لذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” لن يكون عدد الأسلحة أو المناورات المشتركة، وإنما قدرتها على خفض احتمالات الحرب.
فإذا أدت الاتفاقية إلى جعل الاعتداء على أي من الدول الثلاث أكثر تكلفة، ومنحتها قدرة أكبر على حماية أمنها دون الاعتماد الكامل على القوى الخارجية، وفي الوقت نفسه أبقت باب الحوار مفتوحا مع إيران وبقية دول المنطقة، فإنها قد تمثل بداية تحول مهم في بنية الأمن الإقليمي.
وعندها لن يكون السؤال ما إذا كنا أمام “ناتو إسلامي”، بقدر ما سيكون: هل بدأت دول المنطقة أخيرا في بناء معادلة أمنية يكون الردع فيها وسيلة لمنع الحرب، والقوة أداة لحماية الاستقرار، والاستقرار قاعدة للتنمية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: «تنظيم الاتصالات» يُلزم شركات المحمول بمنظومة «التحقق البيومتري» لحماية المستخدمين
