تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

بادية المثنى.. كيف أثارت الصحراء العراقية قلق السعودية؟

Ahmed Dfvvc6 دقائق قراءة0 مشاهدة

على امتداد نحو 814 كيلومترا على الشريط الحدودي الممتد من الأنبار غربا إلى المثنى جنوبا، ثمة أرض مفتوحة ومسطّحة، شحيحة المياه، وخالية إلى حدّ يجعلها، من منظور التخطيط العسكري، واحدة من أفضل المساحات في المنطقة لإخفاء ما يُراد إخفاؤه.

هذه الجغرافيا نفسها هي مصدر القلق السعودي.

في قلبها تحديدا تقع بادية محافظة المثنى، حيث تمتد اليوم مشروعات زراعية واسعة تديرها “شركة المهندس العامة”، الذراع الاقتصادية لهيئة الحشد الشعبي، المسمّاة على اسم أبو مهدي المهندس، نائب رئيس الهيئة الذي اغتيل في بغداد مع قائد “فيلق القدس”، قاسم سليماني، في غارة أميركية مطلع عام 2020.

 تأسست شركة المهندس العامة بموافقة حكومية صدرت في نوفمبر 2022، أي مباشرة بعد تشكيل حكومة محمد شياع السوداني. وسُجّلت رسميا في وزارة التجارة العراقية في فبراير 2023، برأس مال بلغ 100 مليار دينار عراقي (75 مليون دولار أميركي تقريبا)، وبملكية تعود إلى هيئة الحشد الشعبي.

وبعد أسابيع من تسجيلها، في مارس 2023، افتُتح في بادية السماوة، جنوبي المثنى، مشروع “زراعة مليون نخلة نسيجية”. وقال رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، في حفل الافتتاح إن الهدف هو جعل الحشد “شريكا في البناء والإعمار”، وإن جميع أعمال الهيئة في هذا الملف تُؤطَّر تحت مظلة شركة المهندس.

أما المدير التنفيذي للمشروع فتحدث عن طموح أكبر بكثير من النخيل، وهو استصلاح مليوني دونم من أرضٍ وُصفت بأنها متروكة ووعرة ومزروعة بحقول ألغام قديمة، مع حفر آبار لاستخراج المياه الجوفية، وإدخال أشجار الجوجوبا المستوردة من مصر لقدرتها على تحمّل الظروف القاسية.

وبدأت المرحلة الأولى بعشرين ألف نخلة على مساحة 400 دونم (الدونم في العراق 2500 متر مربع).

ولم تكن شركة المهندس وحدها في البادية، إذ أعلنت العتبة الحسينية في كربلاء استكمال إجراءات استملاك مليون دونم في ناحية السلمان، وهي الناحية الأقرب إلى الحدود السعودية، لإقامة مشروع زراعي متكامل، ودخلت شركات أخرى بمشروعات للحنطة والنخيل في المساحة نفسها.

خلال 3 سنوات، تحوّلت بادية المثنى إلى منطقة نفوذ اقتصادي مكثّف، تسيطر على جزئها الأكبر جهات مرتبطة بالحشد الشعبي، قريبة من حدود المملكة.

 المشروع السعودي الذي لم يُولد

القصة لم تبدأ بشركة المهندس. فمنذ عام 2018، طُرحت فكرة استثمار سعودي زراعي واسع في باديتي الأنبار والسماوة، ضمن مسار تفعيل مجلس التنسيق العراقي ـ السعودي. وجرى الحديث حينها عن مساحات تصل إلى مليون هكتار، وقُدّم المشروع في بغداد والرياض على أنه بوابة اقتصادية لإعادة بناء العلاقة بين البلدين.

لكنه اصطدم بمعارضة سياسية قوية، ففي عام 2020، وُصفت موافقة الحكومة على الاستثمار السعودي في بادية السماوة بأنها “مرفوضة سياسيا وشعبيا”، مع تحذيرات برلمانية من تحوّل الاستثمار إلى “استعمار اقتصادي”.

وفي عام 2022، تصاعدت الحملة. طالب ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي بإيقاف رخصة مشروع يمنح السعودية 150 ألف دونم في البادية العراقية، بينما وصف زعيم حركة “عصائب أهل الحق”، قيس الخزعلي، المشروع بأنه “خبيث”، واعتبره استثمارا إسرائيليا بعباءة سعودية، محذّرا من تهديدات أمنية “خطيرة للغاية”. ونُظّمت في المثنى فعاليات عشائرية لرفض المشروع.

وفي أغسطس 2025، كُسر نصاب جلسة برلمانية كان مقررا أن يُمرّر فيها قانون الاستثمار بين العراق والسعودية، ووُصف كسر النصاب في الإعلام المقرّب من الفصائل بأنه “إحباط لمحاولة بيع بادية السماوة”.

لماذا تقلق الرياض؟

القلق السعودي لا يتعلق بالنخيل ولا بالحنطة.

في أكتوبر 2025، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية شركة المهندس العامة وشركة “بلدنا للاستثمارات الزراعية” على قائمة العقوبات، وقالت في بيان إن “كتائب حزب الله” أنشأت الشركة لتكون غطاءً اقتصاديا لأنشطتها، وإن الشركة يسيطر عليها عبد العزيز المحمداوي (أبو فدك)، رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي، وإنها استُخدمت لتحويل أموال من مؤسسات الدولة إلى واجهات تجارية لتمويل الفصائل وعمليات تهريب السلاح بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني.

عبّرت بغداد عن “أسفها” للقرار وشكّلت لجنة وطنية لمراجعته، لكن التوصيف الأميركي رسّخ في الرياض قراءة كانت قائمة أصلا، مفادها أن الكيان الذي يمسك بالبادية الجنوبية ليس شركة زراعية، بل بنية اقتصادية عسكرية مرتبطة بطهران، تعمل على تخوم المملكة.

وفي الوقت ذاته، تجد فيه حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، التي لم يمضِ على تشكيلها سوى أشهر، نفسها أمام معادلة شبه مستحيلة، وتقف حائرة بين صواريخ الداخل والخارج، وتبحث عن حلول للأزمات، وعن خطوات للحد من حركة الفصائل المسلحة في العراق.

 المعلومات التي حصلت عليها “الحرة” من مصادر في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، تفيد بأن الزيدي يسعى إلى تحويل عوائد شركة المهندس من هيئة الحشد الشعبي إلى وزارة الزراعة، وهي محاولة تندرج ضمن مساعيه لـ”تجفيف” اقتصاديات الفصائل المسلحة.

حرب الـ40 يوما: ما أُعلن وما لم يُعلن

بين 28 فبراير و8 أبريل 2026، خاضت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا في إيران استمرت نحو 40 يوما. ولم تكن السعودية بعيدة عنها.

تعرضت مصفاة رأس تنورة وهي الأكبر في المملكة لهجوم بمسيّرة في 2 مارس، ثم لهجوم ثانٍ في الرابع منه، ما دفع “أرامكو” إلى تعليق العمليات والبحث عن مسارات تصدير بديلة، وسط ارتفاع حاد في أسعار النفط.

وسُمعت انفجارات في شرق الرياض، واستُهدفت السفارة الأميركية في العاصمة بمسيّرتين، وطالت الضربات الإيرانية مواقع رادار تابعة لمنظومات “ثاد” في السعودية والأردن والإمارات. وأعلنت الرياض إسقاط عشر مسيّرات وصاروخي كروز، وسقوط مدنيَّين قتيلين واثني عشر جريحا.

لكن ما لم يُعلن كان الأهم لفهم السلوك السعودي اللاحق. تفيد مصادر عراقية تحدثت لـ”الحرة” بأن حجم الضربات التي تلقّتها المملكة خلال الأربعين يوما كان أقسى بكثير مما أُفصح عنه رسميا، وأن الرياض تعمّدت التقليل من إعلانها تفاديا لتصعيد لم تكن ترغب فيه، وحماية لصورة الاستقرار التي يقوم عليها مشروعها الاقتصادي. ولم يتسنَّ التحقق من هذه الرواية بشكل مستقل.

وفي المقابل، تشير روايتين لمصدرين أمنيين عراقيين تحدثا لـ”الحرة”، إلى أن سلاح الجو السعودي نفّذ في تلك الفترة ضربات غير معلنة على مواقع إطلاق داخل إيران وعلى مواقع فصائل مدعومة من طهران داخل العراق. وفي مارس 2026، استهدفت سلسلة ضربات جوية “غامضة” لم تُعرف الجهة المنفّذة لها مواقع للحشد في كركوك ونينوى والأنبار.

قبل ذلك، وفي عام 2024 تحديدا، جرت أول مباحثات أمنية حدودية موسّعة بين بغداد والرياض منذ عقد من الزمن، ركّزت، بحسب ما رشح عنها، على تحصين الشريط بالأسلاك والكتل الخرسانية وأنظمة المراقبة المتقدمة، وعلى إبعاد الفصائل المسلحة عن المنطقة.

وتقول مصادر مطّلعة على الإجراءات السعودية لـ”الحرة” إن تلك الإجراءات تجاوزت في السنوات الأخيرة حدود التحصين الهندسي، فقد أُنشئت منطقة أمنية شبه معزولة تمتد نحو خمسة كيلومترات من خط الحدود، وصدرت لقوات الحدود أوامر بإطلاق النار على من يقترب من هذا النطاق. وهي معلومات لم تؤكدها الرياض رسميا ولم يتسنَّ التحقق منها من مصدر ثانٍ مستقل.

حين عبرت الرياض الحدود

في 27 يوليو 2026، أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض مسيّرات قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية وحاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية والرياض، ونسبت الهجوم إلى “ميليشيات إرهابية تابعة لإيران”. فتحت بغداد تحقيقا، وطلبت من الرياض معلومات إضافية.

وفجر 29 يوليو، لم تنتظر المملكة نتيجة التحقيق. نفّذت القوات المسلحة السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضربات على مواقع للحشد الشعبي في سبع محافظات عراقية، هي بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى.

وأعلن الحشد سقوط ما لا يقل عن 20 قتيلا و32 مصابا، وُقتل 5 من عناصر الحرس الثوري الإيراني في معسكر أبو منتظر المحمداوي بديالى. وقالت “سنتكوم” إن الضربات جاءت ردا على أكثر من 30 هجوما بمسيّرات خلال 72 ساعة، وإن أكثر من 600 محاولة هجوم استهدفت أميركيين ومنشآت أميركية بين فبراير وأبريل الماضيين.

كانت تلك المرة الأولى التي تعلن فيها الرياض مسؤوليتها عن ضربات داخل الأراضي العراقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *