
منطقة الجليل- أرشيف
في الأشهر الأخيرة شاهدت أفلام فيديو تبث الخوف في نفسي من جيراني. فمن خلال استخدام الخرائط والأسهم والبيانات الديمغرافية، يتم تصوير القرى العربية في إسرائيل، ليس كمجتمعات تسعى إلى النمو، بل كتهديد يجب وقفه. قبل أسبوع، عقد مؤتمر طارئ بعنوان “تهويد الجليل”، بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست وممثلين عن السلطات في الجليل، بما في ذلك المجالس الإقليمية التي تضم قرى عربية.
بدأت رئيسة منتدى تهويد الجليل، الدكتورة روت كباسا ابرامزون، أقوالها بهذه الكلمات: “الجليل وصل إلى نقطة اللاعودة، هو في حالة طوارئ حقيقية”. هكذا، أصبحت أزمة السكن التي تواجه العائلات والأزواج الشابة خطراً وطنياً. وقد بدأت هذه الرسائل، المؤيدة من كبار المسؤولين في الحكومة، تطبق مؤخراً في سياسة مؤسسات التخطيط. والنتيجة توجه واضح ومقلق: الحكومة تعمل على تقليص مجال العيش والنمو في القرى العربية في إسرائيل.
تحت غطاء اعتبارات التخطيط والاستخدام الشعبوي للبيانات، توقفت تقريباً كل عمليات التخطيط الشاملة التي أجريت لسنوات في القرى العربية، من النقب إلى الجليل. هذه العمليات كان من المفروض أن تخدم البنية التحتية الاستراتيجية لتنمية المكان وتنظيم الاحتياجات المستقبلية وضمان تنمية متوازنة في التشغيل والإسكان والخدمات الاجتماعية. مثلاً، في السنوات الثلاث الأخيرة، استخدمت بيانات الهجرة السلبية بشكل مضلل لتبرير تقليص مناطق التنمية في 6 مناطق وأكثر. هذا استخدام انتهازي، حيث يدرك المختصون جيداً أن سبب هجرة الشباب العرب من مناطقهم يعود إلى إخفاقات التخطيط الكثيرة، لكن بدلاً من إيجاد حلول لهذه الظاهرة، يستغلونها كذريعة لزيادة المعاناة. ورغم أن هذه الأدوات إدارية خالصة، لكنها تشكل وتؤثر في الحياة اليومية.
تشغل المناطق التابعة للقرى العربية حوالي 3.4 في المئة من إجمالي مناطق الاختصاص الإداري في إسرائيل، ويعيش فيها حوالي 14 في المئة من عدد السكان. من المرجح أن تفاقم السياسة الجديدة في مؤسسات التخطيط أزمة السكن الشديدة أيضاً: أين سيعيش الناس؟ في العقد الماضي، بدأ جدار التمييز الهيكلي الذي سيطر على نظام التخطيط في التصدع، حيث تم تخصيص ميزانيات حكومية أكبر، وبذلت فرق وزارية مشتركة جهوداً كثيفة، بالتعاون مع أقسام الهندسة في السلطات، للمضي بخطط لتطوير الأحياء السكنية في القرى العربية، وتخصيص مناطق جديدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإنشاء مراكز تشغيل. لم يتبلور هذا التوجه حتى الآن إلى تغيير شامل يلمسه معظم المواطنين العرب، وما زالت هناك تحديات قائمة، لكن بعض الخطوات الأساسية قد اتخذت في الاتجاه الصحيح.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة، عملت الوزيرة أوريت ستروك والوزير عميحاي شكلي، خلافاً لهذا التوجه، ويبدو أنهما يحققان النجاح. وإذا لم يكن وقف عملية التخطيط والتطوير والتنظيم التي ستؤثر لسنوات قادمة كافياً، فإن نزع الشرعية عن المواطنين العرب ووصفهم بـ “التهديد الداخلي”، يطبق أيضاً كسابقة وكمعيار شرعي في نظام التخطيط المدني، مع أن الخطاب الذي يهدد بـ “استيلاء” العرب على الجليل والنقب غير جديد. فطوال تاريخ الدولة، كانت رغبة زوجين شابين في بناء منزل قانوني برخصة بناء، في سخنين أو اللقية أو كسرى أو مجد الكروم، تعتبر بحد ذاتها “تهديداً ديمغرافياً” للجيران اليهود. ولكن الآن، للمرة الأولى، يطرح طلب رسمي لإنشاء “منطقة أمنية عازلة” بين حي عين جرار في أم الفحم، ومستوطنة “مي عامي” القريبة، دون أي مبرر تخطيطي مهني.
يتضح جلياً عدم منطقية هذا الطلب. ففي “مي عامي” وأم الفحم، البلدتين الجارتين، يعيش مواطنون يتمتعون ظاهرياً بحقوق متساوية، وقد يعمل بعضهم معاً في المصنع نفسه، أو يتعلمون معاً في نفس الكلية. مع ذلك، تمت الموافقة على إقامة شريط عازل عرضه 80 متراً بين البلدتين، ما قد يقلص خطة توسيع أم الفحم دون أي مبرر مهني باستثناء قومية سكان المدينة. ولكن الفصل لا يحقق الأمن، بل على العكس، يعزز التمييز ويفاقم الأحكام المسبقة ويقلل فرص التعاون ويزيد من شدة الشك والعداء.
في هذا السياق، أشير إلى أن الدولة نفسها تشجع على التنمية الإقليمية في السلطات من خلال عناقيد لوزارة الداخلية، لأن ذلك يساهم في “تعزيز التماسك الإقليمي وتنمية بيئة معيشية مشتركة بين كل المجتمعات والسلطات”. وتتيح الشراكة بين السلطات إيجاد حلول للمشكلات التي تتجاوز حدود البلديات (مثل جودة البيئة والمجاري)، وتطوير محركات النمو الإقليمي، وتجميع الموارد من خلال المناقصات المشتركة، واستغلال ميزة الحجم لتحسين جودة حياة السكان. ولكن هذه الإمكانية تتعرض حالياً لخطر كبير بسبب سياسة مدفوعة بالعنصرية لوزراء في الحكومة.
لا يجب أن يكون مجال التخطيط “لعبة مجموعها صفر”، حيث يهدد نمو قرية عربية نمو بلدة يهودية. ويمكن الإقرار بأن المساواة في الحقوق على الأرض ونظام التخطيط هو مصلحة مشتركة لكل سكان المنطقة. وكلما كان نظام التخطيط أكثر كفاءة في ملاءمة الحلول مع كل السكان، والتشجيع على توزيع عادل أكثر للموارد، تمكنا أيضاً من بناء علاقاتنا والنظر إليها كأفق للتنمية ومستقبل مشترك ومتساو.
يعلاه مزور
هآرتس 5/8/2026

