
كانت الصواريخ جاهزة والأهداف محددة، والقوات الأميركية تستعد لما وصفها مسؤولون بأكبر حملة جوية أميركية في المنطقة منذ سنوات.
ولكن، وعبر منشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي، الجمعة، ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترامب العملية.
ما جرى خلال الساعات الثماني والسبعين التي سبقت المنشور الرئاسي كشف عن دورة صنع قرار سريعة ومكثفة تشكلت بفعل خلافات عسكرية، وضغوط من الحلفاء، وقيود على الموارد، وفرصة دبلوماسية ظهرت في اللحظة الأخيرة. كما كشف عن ثغرات في التنسيق، إذ علم بعض الحلفاء والمسؤولين بقرار التراجع في الوقت نفسه الذي علم فيه الرأي العام.
كانت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) استكملت خطط حملة جوية تمتد بين 10 و14 يوماً، تستهدف ما تبقى من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية، وبنية القيادة والسيطرة، والقدرات البحرية الإيرانية.
ونُفذت الضربات بالفعل على مدار 13 ليلة متتالية. أما المرحلة التالية، التي وُصفت على نطاق محدود بأنها ستكون “ضخمة”، فكان من المتوقع أن توسع نطاق العمليات وكثافتها بصورة كبيرة.
كان يجري تجهيز موجات الضربات، فيما كان تسلسل الاستهداف قيد التنفيذ. وبدا أن بدء الحملة بات وشيكاً.
نقطة التحول
جاءت نقطة التحول خلال اجتماع في البيت الأبيض يوم الجمعة 24 يوليو، بحسب شبكة CNN وصحيفة وول ستريت جورنال. فقد حذر نائب الرئيس جيه دي فانس ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين من أن مواصلة العمليات بالوتيرة الحالية قد تؤدي إلى استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الحيوية اللازمة لأي صراعات مستقبلية، لا سيما في مواجهة الصين أو روسيا. وكان جوهر حجتهما استراتيجياً: الحفاظ على القدرات المرتبطة بمنافسة القوى الكبرى.
لكن قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر خالف هذا الرأي، معتبراً أن شن هجوم أوسع على منصات الإطلاق الإيرانية سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص عدد الصواريخ التي تطلقها إيران، وبالتالي خفض الحاجة إلى استخدام الصواريخ الاعتراضية مع مرور الوقت.
وفي الوقت نفسه، كان ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يبحثان، بحسب رويترز، 3 مسارات متوازية: التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض، أو مواصلة الضغوط الاقتصادية، أو تنفيذ ضربة عسكرية واسعة. وقال مسؤول إسرائيلي كبير إن جميع الخيارات نوقشت، لكن نتنياهو لم يضغط صراحة باتجاه الخيار العسكري.
خلال تلك المناقشات، حاولت إيران تنفيذ هجوم صاروخي، إلا أن جميع الصواريخ جرى اعتراضها، وهو ما أبرز مدى إلحاح التهديد، لكنه لم يحسم الانقسام داخل الإدارة الأميركية.
ولم يكن الجدل بشأن المخزونات مجرد نقاش نظري. إذ قدر محللون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن المخزون العالمي من صواريخ باتريوت انخفض إلى أقل من ألف صاروخ، فيما بلغ عدد صواريخ منظومة “ثاد” نحو 250 صاروخاً فقط. وكان صاروخ إيراني قد اخترق الدفاعات قبل أيام، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين في الأردن.
ورفض ترامب علناً هذه المخاوف، مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك ذخائر أكثر من كافية. لكن خلال أقل من 48 ساعة، تحركت وزارة الدفاع الأميركية لتوسيع إنتاج الصواريخ الاعتراضية عبر عقود طويلة الأجل مع شركتي لوكهيد مارتن وL3Harris، في إشارة إلى وجود ضغوط على المخزون.
تحذير إقليمي ومخاطر اقتصادية
والسبت، وجه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تحذيراً مباشراً إلى ترامب، بحسب موقع أكسيوس. وقال إن أي ضربة أميركية واسعة النطاق ستدفع إيران على الأرجح إلى استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، بما يهدد باضطرابات حادة في الأسواق العالمية وأضرار واسعة النطاق للمدنيين.
وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية لـ “الحرة” إن العمليات البحرية ليست إجراءً مؤقتاً”.
وأضاف: “في الوقت الذي يواصل فيه الجيش الأميركي تقويض قدرة إيران على عرقلة التدفق الحر للطاقة، يتعرض النظام الإيراني لضغوط اقتصادية متزايدة بفعل الحصار البحري والعقوبات وإجراءات اقتصادية أخرى. لدى الرئيس العديد من أدوات الضغط التي يمكنه تشديدها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة إذا اختارت إيران هذا المسار. لقد أثبتنا أننا قادرون على مواصلة هذا الضغط طالما اقتضت الضرورة”.
واعتبر المسؤول أن “الحصار ليس إجراءً مؤقتاً، بل أداة ضغط ستبقى قائمة إلى أن تُظهر إيران التزاماً حقيقياً باتفاق يمكن التحقق منه ويعالج مخاوفنا الأساسية. وينبغي لطهران ألا تخلط بين استعدادنا للتفاوض واستعدادنا للتراجع.”
القرار
أعلن ترامب عبر منصة “تروث سوشال” إلغاء الهجوم، مشيراً إلى طلب مرتبط بملامح اتفاق محتمل يجري بلورته مع إيران وأطراف إقليمية.
وفاجأ الإعلان عدداً من الأطراف الرئيسية. فبحسب القناة 12 الإسرائيلية، علم المسؤولون الإسرائيليون بالقرار من خلال منشور ترامب نفسه. كما وصف بعض المسؤولين الأميركيين، في أحاديث خاصة، العمليات بأنها “معلقة”، من دون وجود توافق واضح بشأن العامل الذي حسم القرار في نهاية المطاف.
وجاء الخطاب العلني للإدارة متسقاً في التأكيد على الجمع بين القوة والمرونة. وشدد المسؤولون على أن الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة، وأن المسار الدبلوماسي يُدار انطلاقاً من موقع قوة.
توقف مؤقت لا تغيير في المسار
قدم وزير الخارجية ماركو روبيو توصيفا دقيقا لقرار التوقف، معتبراً أنه يعكس مسألة ترتيب الأولويات. وفي مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” يوم الأحد، قال إن الإدارة تتفاوض “من موقع قوة”.
كما تناول، في سياق منفصل، الحسابات الأوسع المتعلقة بالموارد، مقدماً أوضح تفسير علني لما يعنيه هذا التوقف بقوله: “لقد حددنا سياستنا على أننا نؤيد سياسات خارجية تجعل أميركا أكثر أمناً أو أكثر قوة أو أكثر ازدهاراً، ويفضل أن تحقق الأهداف الثلاثة معاً، لكن على الأقل واحداً منها.”
وأضاف أن الموارد والوقت والتركيز الاستراتيجي، حتى بالنسبة للولايات المتحدة، تبقى أمور محدودة. وهذا هو الاعتبار الذي يحكم المرحلة الحالية. فالحشد العسكري لا يزال قائماً، والحصار مستمر، وقنوات التفاوض مفتوحة، لكنها لم تثبت جدواها بعد.
لم تُلغَ الضربة، بل أُوقفت مؤقتاً. وما كشفته الساعات الثماني والسبعون الماضية في نهاية المطاف ليس وجود عامل واحد حاسم، بل تلاقي مجموعة من الضغوط: تباين التقديرات العسكرية، ومحدودية الذخائر، وحسابات المخاطر لدى الحلفاء، ونافذة دبلوماسية ضيقة. وهكذا كانت النتيجة توقفاً مؤقتاً يحافظ على جميع الخيارات.
أما الخطوة التالية، سواء جاءت عبر التفاوض أو العمل العسكري، فستحدد ما إذا كان ما حدث يمثل نقطة تحول، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة.

