من جبل إيغود إلى جيتكس إفريقيا .. الذكاء الاصطناعي على محكّ الطاقة والماء واليقظة والسيادة
الجزء الأول
تشكل هذه المساهمة المقال الخامس ضمن سلسلة منشورة باللغة العربية بجريدة هسبريس، مخصصة للذكاء الطاقي، باعتباره إطارا مفاهيميا ومنهجيا وعمليا، قمنا ببلورته وربطه بالذكاء الاصطناعي ووضعه في خدمة الذكاء الاقتصادي والتنمية المستدامة. وقد كان هذا الإطار، من جهة أخرى، موضوع نشر في مجلة علمية دولية. متخصصة في مجال البيئة والطاقة والابتكار والفيزياء والتكنولوجيا.
وبعد تحليل قدرة المغرب على الصمود في مواجهة مواطن الهشاشة الطاقية العالمية، والتفاعلات بين الطاقة والاقتصاد، والديناميات الترابية للطاقات المتجددة، ثم الرهانات الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، يواصل هذا المقال الجديد المسار الفكري المتدرج للسلسلة. ويستكشف – عبر ثلاثة أجزاء – الترابط بين الذكاء الطاقي والذكاء الاصطناعي من خلال خمسة أبعاد متكاملة: حضاري، وتقني-قراري، ومادي ومنظومي، وسيادي، واستشرافي وأمني. ولا يشكل تباين هذه الأبعاد الخمسة إخلالا بالانسجام، بل يعكس، جوهر وظيفة الذكاء الطاقي؛ إذ ينطلق من واقع مادي مشترك، ويحوّل المعطيات الناتجة عنه إلى معلومات مؤهلة، ثم يميز بينها بحسب مستويات المسؤولية والتخصص والتقنية واتخاذ القرار، مع الحفاظ -في الوقت نفسه- على قابليتها للتتبع ووحدة الحكامة.
اقرأ أيضا: مارّة يهرعون لمساعدة مسن تعرض لمحاولة سطو عليه.. وكاميرا ترصد ما حدث
ويتناول هذا المقال الوضع المزدوج للذكاء الاصطناعي. فمن جهة، يشكل هذا الذكاء رافعة للقياس والنمذجة والتوقع والمحاكاة والاستباق في خدمة الذكاء الطاقي. ومن جهة أخرى، يعتمد على بنيات تحتية مادية، تفرض استهلاكاتها من الطاقة والماء، واحتياجاتها إلى التبريد، ومتطلبات نشرها، ضغوطا على الشبكات والمجالات الترابية. ومع أن الذكاء الاصطناعي يُقدَّم في كثير من الأحيان باعتباره مستقلا، إلا أنه يظل بناء بشريا مندرجا ضمن تاريخ التقنيات، ولا ينفصل عن الشروط المادية التي تجعل تشغيله ممكنا.
ويتكون المقال من ثلاثة أجزاء متكاملة: يتناول الجزء الأول البعد الحضاري، ويجمع الجزء الثاني بين البعدين التقني-القراري والمادي والمنظومي، في حين يُخصَّص الجزء الثالث للبعدين السيادي والاستشرافي والأمني، إلى جانب الخلاصة. وفيما يلي الجزء الأول.
البعد الحضاري: من جبل إيغود إلى الذكاء الاصطناعي، الذكاء البشري في صميم تاريخ التقنيات
تُوَفر مراكش إطاراً بالغ الدلالة للتفكير في هذه الحقيقة المزدوجة. فقد احتضنت المدينة، في مطلع أبريل الماضي، الدورة الرابعة من جيتكس إفريقيا، وهو موعد قاري بارز مخصص للتكنولوجيات الرقمية والابتكار وريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي. وقد التقى فيه أكثر من 55 ألف مشارك قدموا من أكثر من 130 بلداً، بنحو 1500 عارض، يمثلون 58 دولة. وتعكس المشاركة المتزامنة لصناع القرار العموميين والمقاولات والباحثين والشركات الناشئة والمستثمرين، إرادة متنامية لدى الاقتصادات الإفريقية للمساهمة الفاعلة في سلاسل القيمة التكنولوجية التي يجري تشكيلها. وبعيداً عن بُعده التظاهري، يكشف جيتكس إفريقيا عن تحول أعمق. فلم يعد المجال الرقمي مجرد مجموعة من الأدوات الرامية إلى تسريع بعض العمليات، بل أصبح يتحول تدريجياً إلى بنية تحتية للإنتاج والإدارة والمعرفة والتواصل والقوة.
وبالنسبة إلى المقاولة، يوسع المجال الرقمي قدراتها على التنظيم والابتكار والتنافسية. أما بالنسبة إلى المستثمر، فإنه يفتح أسواقاً جديدة ويغير معايير تقييم المخاطر. وبالنسبة إلى الدولة، يجدد أدوات العمل العمومي. وأما بالنسبة إلى المجالات الترابية، فيُعيد تحديد شروط الجاذبية والربط والتخصص والولوج إلى الموارد الاستراتيجية.
غير أن هذا المشهد المعاصر يندرج ضمن تاريخ أطول بكثير. فمنذ الأشكال الأولى للتنظيم التقني، وسّع الإنسان مجال فعله من خلال نقل بعض قدراته إلى الأشياء والعلامات والآلات والأنظمة. وتتجسد المعارف في أدوات، وتتجمع الأدوات في منظومات، ثم تعيد هذه المنظومات، بدورها، تشكيل طرائق الإنتاج والتعلُّم والتعاون واتخاذ القرار والعيش في العالم.
وتواصل الأنظمة الرقمية اليوم هذه الدينامية؛ إذ تُؤَتْمِتُ (automatise) وتُضخِّم (amplifie)عمليات ارتبطت تقليدياً بالنشاط المعرفي البشري، مثل الحساب والتصنيف والكشف والمقارنة والنمذجة والتوقع والمحاكاة، أو تنظيم كميات كبيرة من المعلومات. وهكذا توسع قوتها نطاق القرارات الممكنة، في الوقت الذي تعيد فيه تشكيل العلاقات بين الخبرة والمسؤولية والسلطة. غير أن هذا الامتداد اللافت للقدرات التحليلية يغذي صورة مضللة لذكاءٍ سلس ومجرد ويكاد يكون غير مادي. فخلف كل نموذج تعمل مُعالِجات وخوادم وشبكات اتصال ومراكز بيانات ومعدات تخزين ومنشآت كهربائية وأنظمة تبريد.
ومن ثم، يعبئ الذكاء الاصطناعي الطاقة والماء والمواد والكفاءات المتخصصة والمجالات الترابية المهيأة. ولذلك يرتبط تطوره، في الآن نفسه، بالمعلوميات والصناعة والاقتصاد والتهيئة والبيئة والجيوسياسية. كما تقوم شروط وجوده على سلاسل قيمة معقدة ومتمركزة وذات طابع دولي واسع.
وتدعو هذه المادية إلى إعادة وضع الذكاء الاصطناعي ضمن التاريخ الطويل للأدوات التي يجسد الإنسان من خلالها قدراته خارج ذاته، ويعمل على تضخيمها. وتضفي مراكش على هذا التفكير عمقاً تاريخياً خاصاً، بالنظر إلى قربها من جبل إيغود، وهو موقع بارز في علم الإنسان القديم (paléoanthropologie)، حيث اكتُشفت، ضمن السياق الأثري نفسه الذي يعود تاريخه إلى نحو 315 ألف سنة، أقدم مستحاثات (fossiles) الإنسان العاقل المعروفة إلى اليوم، إلى جانب أدواته الحجرية.
وتشكّل هذه الاكتشافات محطة أساسية في فهم قِدم الأشكال الأولى من جنسنا البشري وتنوّعها وانتشارها. ومن زاوية مغايرة، تدعو أيضاً إلى مساءلة العمق التاريخي للفعل الذي يُطَوِّعُ الإنسانُ من خلاله المادةَ، وينظّم نشاطه، وينقل معارفه، ويحوّل بيئته تدريجياً. كما يكتسي الربط بين جبل إيغود وجيتكس إفريقيا، بناءً على ذلك، دلالة رمزية وتأويلية. فهو يضع في مواجهة تحليلية للحظتين متباعدتين للغاية من تاريخ التقنيات، من دون أن يلغي اختلافهما من حيث الطبيعة والمقياس والسياق.
اقرأ أيضا: مصر: تراجع أسعار السكر مع مخزون استراتيجي يكفي لعام
وبين الحجر الذي نحته الإنسان في جبل إيغود والأنظمة الخوارزمية المعروضة في جيتكس إفريقيا، يمتد مسار معقد تشكّل من قطائع وتفرعات وعمليات نقل وتراكم وإعادة تركيب متعاقبة. فتاريخ التقنية لا يتقدم وفق خط واحد محدد سلفاً، يقود بصورة آلية، إلى شكل أعلى من التقدم، بل يتطور من خلال استمراريات جزئية وتحولات متباينة وإعادة تنظيم للعلاقات بين الإنسان وأدواته ووسطه.
ووفق التصور الفلسفي الذي بلوره هايدغر Heidegger))، لا تكتسب الأداة معناها إلا من خلال شبكة الممارسات والغايات والعلاقات التي تندرج ضمنها. وفي ضوء هذه القراءة، تبدو التقنية أقل شبهاً بمجموعة من الأشياء المستقلة، وأكثر اقتراباً من منظومة للوساطة وتنظيم القدرات البشرية.
وعند تطبيق هذه القراءة على الذكاء الاصطناعي، فإنها تقود إلى تأويله بوصفه شكلاً جديداً من إسناد بعض العمليات المرتبطة بالاستدلال والذاكرة والحساب والاستشراف إلى منظومة خارجية. وعليه، فالذكاء الاصطناعي لا يشكّل ذكاءً منعزلاً، ولا كياناً مكتفياً بذاته، بل ينتمي إلى منظومة سوسيوتقنية، تجمع بين النماذج الرياضية، والبيانات، والبنيات التحتية، والموارد، والكفاءات، والمؤسسات، والمعايير، والتوجهات السياسية. كما تتوقف أهميته (الذكاء الاصطناعي) على الغايات المحددة لتصميمه، وجودة الأوساط التقنية والاجتماعية التي تدعم اشتغاله، فضلاً عن المسؤوليات البشرية والمؤسساتية التي تحكم نشره. ومن ثم، لا يمكن فهم الذكاء الاصطناعي بمعزل عن الإنسان الذي يصممه، والبنيات التحتية التي تمنحه وجوده المادي، والمشروع الجماعي الذي يحدد استخداماته.
يستدعي هذا التأطير كذلك يقظةً إبستيمولوجية. ذلك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُجري الحسابات، وتنجز عمليات التصنيف، وتقيم الارتباطات، وتولّد التوقعات والسيناريوهات. غير أن نتائجها لا تكتسب قيمةً فعليةً في اتخاذ القرار إلا إذا استندت إلى بيانات عالية الجودة، ومناهج سليمة، ومعرفة كافية بالسياق، وقدرة بشرية على التأويل والتبصّر والتحكيم. وبناءً على ذلك، وعلى غرار أي أداة قياس، أو أي نموذج رياضي مُعبِّر عن سلوك نظام فيزيائي، لا يمكن اعتبار أداء نظام الذكاء الاصطناعي، ومتانته، وموثوقيته خصائص مطلقة. بل ينبغي، على العكس من ذلك، تقييمها ضمن شروط استخدام محددة بوضوح، بالنظر إلى نطاق التطبيق، والفرضيات المعتمدة، والبيانات الموظفة، فضلاً عن طبيعة العواقب التي قد تترتب على أي خطأ، واحتمال وقوعها، ومدى جسامتها.
وإلى جانب هذا المقتضى الإبستيمولوجي، يحتل الذكاء الاصطناعي موقعاً مزدوجاً في علاقته بالذكاء الطاقي. فمن حيث اعتباره أداةً للتحليل، يعزز قدرات قراءة أنظمة الطاقة، والكربون، ونمذجتها، واستباق تطوراتها، ويدعم بذلك مقارنة الخيارات والإعداد لعمليات التحكيم. أما من حيث النظر إليه في ماديته التقنية، فإنه يقوم على بُنى تحتية، ويعبّئ الطاقة والموارد، وينشئ تبعيات، ويُحدث آثاراً ترابية تستدعي تقييماً خاصاً وحكامة مسؤولة.
ويتمثل الرهان، تبعاً لذلك، في تعبئة القوة التحليلية للذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على التحكم البشري والمؤسساتي في الغايات والفرضيات والمعايير والقرارات. ويوفر الذكاء الطاقي، على وجه التحديد، الإطار الكفيل بتنظيم هذا الترابط: توظيف الذكاء الاصطناعي من أجل فهم تدفقات الطاقة والكربون ومقارنتها وقيادتها على نحو أفضل، ثم إخضاع آلية اشتغاله لمتطلبات القياس والتتبع وقابلية التدقيق والاستدامة والانسجام الترابي. وضِمن هذه الحكامة، التي تُمارس في الآن ذاته بالذكاء الاصطناعي وعلى الذكاء الاصطناعي، قد يتبلور أفق جديد لليقظة الاستراتيجية وللسيادة الطاقية والرقمية والصناعية والاقتصادية.
-أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء؛ خبير قضائي محلف – شعبة الطاقات المتجددة؛ مدقق رئيسي لنظم القيادة الاستراتيجية للطاقة – 50001 ISO، وللبيئة – 14001 ISO؛ خبير في الانتقال الطاقي، وآليات تعديل الكربون على حدود الاتحاد الأوروبي (CBAM).
اقرأ أيضا: واشنطن تعلن عن مكافآت بقيمة 102 مليون دولار لملاحقة قادة كارتل CJNG
