الانقلاب جارٍ.. الزمن ليس في صالح إسرائيل لهذه الأسباب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

حرب إسرائيل على غزة وصور الدمار ومقتل آلاف الأطفال، نفرت الأمريكيين. فنصف الجمهوريين، دون الخمسين عاما، ينظرون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. لكن التحول الأبرز حدث داخل الحزب الديمقراطي.

بعد الإبادة الجماعية في غزة، يتداعى الإجماع الحزبي حول العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. ومع اتساع نطاق النقاش القانوني، دخلت الأسس السياسية للدعم العسكري الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أخطر أزماتها منذ عقود.

اقرأ أيضا: لين الحايك تلتقي جمهورها اللبناني في Beirut Theatre

هناك انقسام جيلي أمريكي بشأن إسرائيل. كان الانقسام أوضح في اليسار وتطور أيضا في اليمين. وتظهر استطلاعات الرأي العام تراجعا مستمرا في دعم إسرائيل حتى بين الإيفانجيليين الأكثر دعما لإسرائيل. فحرب إسرائيل على غزة وصور الدمار والإبادة المروعة ومقتل آلاف الأطفال، نفرت الأمريكيين. فنصف الجمهوريين، دون الخمسين عاما، ينظرون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. لكن التحول الأبرز حدث داخل الحزب الديمقراطي.

مؤخرا، صرح نائب الرئيس جيه دي فانس بأن إسرائيل “تخسر حاليا معركة الرأي العام الأمريكي”، وأنه يعلم “بما لا يدع مجالا للشك” أن شخصيات بالحكومة الإسرائيلية تدفع أموالا للمؤثرين للتلاعب بالرأي العام، وتوجه السياسة الأمريكية لمواصلة الحرب ضد إيران، وتهاجمه شخصيا وتشوه صورته وتتهمه بمعاداة السامية.

يلاحظ المفكر الأمريكي، دان ستاينبوك، أن الدعم الأمريكي لإسرائيل استند عقودا لأحد أقوى الافتراضات الحزبية بواشنطن: المساعدة العسكرية ضرورة إستراتيجية لا تقبل تغييرا. لكن غزة أضعفت هذا الإجماع كثيرا. يرى مراقبون الآن المساعدات العسكرية لإسرائيل إستراتيجية مضللة وهدفا مسيسا.

المبادرات القانونية التي تتهم مسؤولين أمريكيين بالتواطؤ والتقصير في منع الانتهاكات الإسرائيلية، نقلت النقاش من السياسة للمحاكم والمؤسسات الدولية والمساءلة التاريخية

انهيار الإجماع الحزبي حول إسرائيل
في سياق تغير الناخبين والتركيبة السكانية، والمخاوف الإنسانية بشأن غزة، والصراع غير المبرر مع إيران، أيد أكثر من 100 ديمقراطي بمجلس النواب تعديلا يمنع مساعدات لإسرائيل بمليارات الدولارات، في خروج غير مسبوق عن أنماط التصويت السابقة.

رسميا، دعت قيادة الحزب الديمقراطي بالمجلس (وأبرزهم حكيم جيفريز) لـ”إعادة ضبط شاملة” للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية. ولقيت جهود بمجلس الشيوخ لتقييد عمليات نقل الأسلحة دعما ديمقراطيا كبيرا، مما يعكس قلقا متزايدا بشأن الإضرار بالمدنيين، والقانون الدولي، ومسؤولية واشنطن.

أصبح الجمهوريون أيضا أقل وحدة. وبينما يبقى معظم المشرعين الجمهوريين داعمين لإسرائيل، فإن شخصيات منتمية لحركة “أمريكا عظيمة مجددا” (ماغا)، متأثرة بمناهضة التدخلات الخارجية، ومبدأ “أمريكا أولا”، ورفض المساعدات الخارجية، ازداد تشككها في الالتزامات المفتوحة.

وأظهرت معارضة متزايدة ضمن الحركة لنقل الأسلحة الأمريكية انقساما أيديولوجيا عميقا حول التدخلات الخارجية. واستقالت عضو الكونغرس السابقة عن جورجيا، مارجوري تايلور غرين، في يناير/كانون الثاني 2026، بعد خلاف حاد مع ترمب.

وبينما يدعم جزء من القاعدة الجمهورية سياسة ترمب الخارجية، يعارض فصيل متزايد -مدعوما بشخصيات بارزة كتاكر كارلسون، وكانديس أوينز، والنائب توماس ماسي- صراحة استمرار شحن الأسلحة غير المشروط.

والنتيجة، بحسب ستاينبوك مشهد سياسي جديد: ديمقراطيون تقليديون مؤيدون لإسرائيل، ومحافظون إنجيليون، وديمقراطيون تقدميون، وجمهوريون ليبرتاريون، ومحافظون ضد التدخل خارجيا، يقاربون المسألة بمنطلقات مختلفة. فلم يعد النقاش مقتصرا على “مؤيد لإسرائيل ضد معارض”، بل يدور حول إمكانية التوفيق بين المصالح الإستراتيجية والقانون المحلي والالتزامات الدولية والاعتبارات الإنسانية تحت السياسة الراهنة.

من الجدل السياسي إلى الطعون القانونية

المبادرات القانونية التي تتهم مسؤولين أمريكيين بالتواطؤ والتقصير في منع الانتهاكات الإسرائيلية، نقلت النقاش من السياسة للمحاكم والمؤسسات الدولية والمساءلة التاريخية. وكانت أبرز القضايا الأمريكية قضية “الدفاع عن الأطفال-فلسطين ضد بايدن”، رفعتها منظمات فلسطينية وسكان غزة وفلسطينيون أمريكيون ضد الرئيس بايدن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن، بتهمة “التواطؤ والتقصير في منع الإبادة الجماعية الجارية ضد غزة”.

بجانب منظمات حقوق الإنسان، عزز جوش بول، المستقيل من وزارة الخارجية، ومنظمة “الصوت اليهودي لأجل السلام”، الدعوى؛ بسبب شحنات الأسلحة لإسرائيل. وقاد المحامي الدولي وليم شاباس مجموعة باحثين بمجال الإبادة الجماعية والمحرقة.

أكد المدعون وقوع إبادة جماعية، أو خطر إبادة جسيم، ضد الفلسطينيين بغزة. وجادلوا بأن أمريكا تنتهك التزاماتها بموجب القانون الدولي بمنع الإبادة الجماعية وعدم التواطؤ فيها. واعتبرت هذه الإخفاقات الأمريكية مساهمة في تقويض “معايير راسخة ممتدة بالقانون الدولي”، ومنها اتفاقية منع الإبادة وإعلان حقوق الإنسان العالمي.

رفضت المحكمة الأمريكية قضية فلسطين ضد بايدن وآخرين، وقضت بأنه “مع معقولية أن يرقى سلوك إسرائيل للإبادة الجماعية”، فإن السياسة الخارجية الأمريكية مسألة لا تختص بها المحاكم. وفي قرار مكتوب، استشهد القاضي جيفري وايت، مشيدا، بحكم تمهيدي لمحكمة العدل الدولية، إذ وجدت المحكمة سلوك إسرائيل بغزة قد يرقى للإبادة الجماعية، وأمرتها بوقف قتل وجرح الفلسطينيين.

ضمت مبادرات أخرى حملات قانونية ومناصرة أطلقتها منظمة “الديمقراطية للعالم العربي الآن” (DAWN)، محذرة المسؤولين الأمريكيين من أن استمرار المساعدة بعد العلم بالانتهاكات يثير تساؤلات تواطؤ ومساعدة. وطالبت المنظمة المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق مع بايدن وبلينكن وأوستن بتهمة انتهاك المادتين: 25(3) (c) و25(3) (d) من نظام روما الأساسي.

وتضمنت جرائم محددة بمذكرات توقيف بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق، يوآف غالانت، أصدرتها المحكمة. وقد وسّعت مذكرة المنظمة نطاق “المسؤولية بالتبعية” لتشمل مسؤولين أمريكيين.

مؤخرا، طعنت المنظمة وشريكاتها في إجراءات لإدارة ترمب تستهدف أنشطة المحكمة الجنائية الدولية. وأيد الباحث في الإبادة الجماعية، وليم شاباس، وخبراء قانونيون آخرون، حججا بأن الدول غير الأعضاء بنظام روما تتحمل مسؤولية إذا سهلت -بعلم- ارتكاب الفظائع. وتبقى التأويلات القانونية محل جدل إعلامي (وإن نمت شعبيتها). ورغم ذلك، توسع النقاش ليشمل، بجانب إسرائيل، دولا تزودها أمريكا بأسلحة أو حماية دبلوماسية وغطاء سياسي.

بعد الفظائع الجماعية، لم يقتصر التدقيق في المساءلة على دراسة الجهات الفاعلة بالمعركة فحسب، بل شمل قادة سياسيين وإداريين وممولين ومؤسسات تمكن الحملات العسكرية

مسؤولية حكومة بايدن 

يجادل معارضون لإدارة بايدن بأن المسؤولية غير محصورة بالرئيس. ويشيرون لدائرة صنع القرار، وتشمل التسليح وحماية دبلوماسية وتنسيقا استخباراتيا ورسائل سياسية. خلال حملتها الرئاسية الفاشلة، أبرزت نائبة الرئيس، كامالا هاريس، استعدادها لتحمل المسؤولية التنفيذية ودعمها استمرار تسليح إسرائيل. ورغم اعترافها بـ”كارثة إنسانية” بغزة، صرحت بأنها لن تغير سياسة بايدن، ولن توقف تسليح إسرائيل.

كان دور وزير الخارجية أنتوني بلينكن بالغ الأهمية، فكان ذراع بايدن اليمنى بالشرق الأوسط، وقاد جهودا دبلوماسية (فاشلة غالبا) بالمنطقة. فوزارته مكلفة بالعلاقات الدبلوماسية، وتصريحات الأسلحة، وتطبيق حقوق الإنسان بالمساعدات الخارجية.

يرصد ستاينبوك اعتماد الدعم العسكري الأمريكي على مرؤوسين لبايدن تقاعسوا عن التنبيه لشروط استخدام الأسلحة المقدمة لإسرائيل، متجاهلين معايير السياسة الخارجية والقانون الأمريكي والالتزامات الدولية، بمن فيهم بوني جنكنز، وكيلة الوزارة لشؤون التسلح والأمن الدولي، وستانلي براون، مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية، ويتولى التنسيق بين الخارجية والدفاع بشأن نقل الأسلحة، ويتابع مديرية مراقبة تجارة الدفاع.

واضطلع البنتاغون بدور حيوي، شارك فيه وزير الدفاع لويد أوستن وكبار المسؤولين؛ لأن الوزارة تدير المساعدات العسكرية والتعاون الأمني. اعتمد الدعم العسكري لإسرائيل على مسؤولين كبار مثل أماندا دوري، وكيلة الوزارة للسياسات، التي قدمت التوجيه الإستراتيجي لمبيعات الأسلحة الدولية؛ ومايك ميلر، مدير وكالة التعاون الأمني الدفاعي.

ومن المسؤولين أيضا، مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، الذي قدم المشورة للرئيس بشأن تداعيات نقل الأسلحة إستراتيجيا، وضمن التنسيق بين الدفاع والدبلوماسية والاستخبارات. وأدت سفيرة أمريكا بالأمم المتحدة، ليندا توماس-غرينفيلد، دورا بارزا بمجلس الأمن الدولي، فاستخدمت حق النقض ضد سبعة قرارات تدعو لوقف إطلاق النار فورا، وتقديم مساعدات إنسانية، وفرض قيود على هجمات إسرائيل ضد المدنيين. وكانت الوجه الإعلامي لحكومة أكثر استعدادا لإرسال أسلحة الإبادة الجماعية من إنهاء الفظائع.

أما وزيرة الخزانة، جانيت يلين، فرغم مظهرها الهادئ، تعهدت بأن أمريكا تستطيع تقديم مساعدات عسكرية ضخمة لأوكرانيا وإسرائيل معا، مما يتيح استمرار تدفق الأسلحة في الحربين. وحذرت إيران من فرض عقوبات إذا ثبت تورطها في هجوم حماس على إسرائيل.

وأشرفت وزيرة التجارة، جينا ريموندو، على صادرات التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام. وكان مدير وكالة المخابرات المركزية، وليم بيرنز، ومديرة المخابرات الوطنية أفريل هاينز على صلة وثيقة بإجراءات حكومة بايدن بشأن غزة.

لذا، فبالإضافة للثلاثة الكبار و6 أعضاء داعمين لهم بحكومة بايدن، تشمل شبكة المسؤولين بالتبعية نحو 6 رؤساء إدارات تنفيذية وعشرة بدرجة وزير.

ليس السؤال القانوني إذا كان كل مسؤول أيد قرارات سياسية يتحمل نفس المسؤولية، بل إذا كان الأفراد الذين استمروا -بعلم- في سياسات يزعم مساهمتها بأعمال غير قانونية وفظائع جماعية، أو سهلوها، أو ناصروها، ينبغي أن يواجهوا عواقب سياسية وقانونية تشوه سمعتهم.

تاريخيا، بعد الفظائع الجماعية، لم يقتصر التدقيق في المساءلة على دراسة الجهات الفاعلة بالمعركة فحسب، بل شمل قادة سياسيين وإداريين وممولين ومؤسسات تمكن الحملات العسكرية.

حولت إدارة ترمب الثانية النقاش حول غزة من مسألة الدعم العسكري لمواجهة أوسع حول حدود السلطة التنفيذية، والقانون الدولي، ومسؤولية أمريكا عن سلوك حلفائه

الفظائع الجماعية.. جرائم بلا عقاب!

يرصد ستاينبوك انخراط كبار مسؤولي إدارة بايدن، بعد انتهاء ولايتهم، في أوساط أكاديمية ومجالس استشارية ومؤسسات سياسية، متباهين بإنجازاتهم العظيمة بحكومة بايدن.

بانتهاء رئاسته في 20 يناير/كانون الثاني 2025، انكب بايدن على كتابة مذكراته عن البيت الأبيض. وبفضل اتفاقية مع “وكالة الفنانين المبدعين”، إحدى عمالقة هوليود، يأمل باستغلال فرص مستقبلية. وظهر علنيا بضع مرات، مع استمرار علاجه من سرطان البروستاتا.

بعد أن كانت نائبة الرئيس كامالا هاريس صدى لبايدن بشأن غزة، انتقلت بعائلتها للوس أنجلوس. ووقعت أيضا عقدا مع وكالة الفنانين المبدعين للتركيز على الخطابة والنشر.

انضم وزير الخارجية السابق بلينكن للأوساط السياسية والأكاديمية. وقد وقع عقدا لنشر مذكراته مع دار كراون، وتقديم ومضات “صريحة” و”نادرة” عن غزو روسيا لأوكرانيا والحرب بغزة. ويرجح أن بلينكن يأمل بالحصول على منصب جديد بإدارة ديمقراطية مستقبلا، أو العودة للاستشارات المربحة بالقطاع الخاص.

وعاد وزير الدفاع السابق أوستن لدوائر السياسة الدفاعية والاستشارات. قبل انضمامه لإدارة بايدن، تقاضى ملايين من شركات الدفاع، وعمل مع بلينكن بـ”باين آيلاند كابيتال بارتنرز”، شركة استثمارية خاصة، تستثمر بشركات الدفاع. وعاد لمؤسسة كارنيغي، صيف 2025، بالتزامن مع تأسيسه شركة استشارية، “كلاريون ستراتيجيز”، مع مسؤولين سابقين بالناتو. وكرئيس تنفيذي ومؤسس مشارك، أصبح مستفيدا من صناعة الدفاع العالمية.

اقرأ أيضا: ترك الأدوية داخل السيارات صيفاً قد يهدد سلامة العلاج

انضم جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي السابق، لكلية كينيدي بهارفارد كأول أستاذ لكرسي كيسنجر لممارسة فن الحكم والنظام العالمي. بعد الإبادة الجماعية بغزة، يدرس سوليفان الشؤون الدولية والإستراتيجية العالمية.

تعمل ليندا توماس-غرينفيلد مستشارة أولى بـ”أبكو العالمية للاستشارات”. خلال عقود، شملت خلافات أثيرت حول “أبكو”: حملات دعاية لشركات التبغ، والضغط لصالح حكومات أجنبية سجلاتها سيئة بحقوق الإنسان، وعلاقات بشركات عسكرية إسرائيلية، وتحقيقات تجسس على صحفيين.

وانضمت جينا ريموندو، وزيرة التجارة السابقة، لـ”مجلس العلاقات الخارجية” زميلة متميزة، وشاركت برئاسة فريق عمل الأمن الاقتصادي.

وبعد دورها في عمليات نقل الأسلحة لإسرائيل والإبادة بغزة، تعمل بوني جنكنز أستاذة زائرة للشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن. ويواصل ستانلي براون، خبير المساعدة الأمنية وتدمير الأسلحة والعمليات الأمنية الدولية، ما بدأه خلال إبادة غزة. وانتقلت جانيت يلين ووليم بيرنز ومسؤولين سابقين لمناصب استشارية ومؤسسية أو بالقطاع الخاص.

يرى المؤيدون هذه التنقلات تداولا ديمقراطيا طبيعيا بين الحكومة والأكاديميات والمؤسسات السياسية. بينما يراها المنتقدون مشكلة بنيوية، حيث لا يواجه مسؤولون متورطون بقرارات السياسة الخارجية المثيرة للجدل عواقب، ويستمرون بالعمل ضمن شبكات النخب. انتقال المناصب بين البيت الأبيض والقطاع الخاص يفاقم المشكلة.

بحسب ستاينبوك، الإشكال الأوسع ليس شخصيا بل مؤسسيا. فإذا لم يخضع مسؤولون يصممون أو ينفذون سياسات إشكالية لمراجعة جادة، فغالبا سترى إدارات لاحقة أن التكاليف المتعلقة بالسمعة يمكن تجاوزها وأن المخاطر القانونية ضئيلة.

يبقى السؤال المحوري: هل ستصبح سياسات الحرب الراهنة استثناءات مؤقتة أم سوابق دائمة؟ وإذا أصبح إلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين، والتسليح المنفلت، والعقاب الجماعي، وترذيل مساءلة المؤسسات مقبولة سياسيا، فالعواقب ستتجاوز غزة

تصعيد ترمب.. غزة والجنائية الدولية والتواطؤ

حولت إدارة ترمب الثانية النقاش حول غزة من مسألة الدعم العسكري لمواجهة أوسع حول حدود السلطة التنفيذية، والقانون الدولي، ومسؤولية أمريكا عن سلوك حلفائها. يرى معارضون أن الرئيس دونالد ترمب، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والسفير بالأمم المتحدة مايك والتز، ووزير الخزانة سكوت بِسِنت، تجاوزوا سياسات بايدن برفضهم القيود القانونية على تحركات أمريكا وإسرائيل. ودعمت إدارة ترمب مواقف يعتبرها المعارضون تسهل ارتكاب جرائم حرب محتملة بغزة، وجرائم ضد الإنسانية، أو تهجير قسري.

كان الأمر المثير اقتراح ترمب سيطرة أمريكية على غزة وإعادة توطين سكانها الفلسطينيين، وهي خطة تؤدي لانتهاكات جدية للقانون الدولي الإنساني، بينما قدمها أنصاره كمبادرة لإعادة الإعمار والأمن.

وبينما انتهجت إدارة ترمب سياسات معادية لآليات المساءلة الدولية، أصبحت المواجهة مع المحكمة الجنائية الدولية قضية محورية. أصدر ترمب أمرا تنفيذيا (رقم 14203) يفرض عقوبات وقيودا على مسؤولين بالمحكمة يجرون تحقيقات تمس بأفراد أمريكيين ومسؤولين إسرائيليين، بحجة أن المحكمة تصرفت بغير شرعية ضد سيادة أمريكا وحلفائها.

ويرى كثيرون أن مهاجمة الجنائية الدولية مع حماية مسؤولين إسرائيليين متهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تهدد بشدة بتقويض آليات المساءلة الدولية.

في إيران والشرق الأوسط، تبنت إدارة ترمب إستراتيجية “الضغوط القصوى”، فأعادت فرض العقوبات وشنت مع إسرائيل حربين في 2025 و2026 لم تضعا أوزارهما بعد. ويحذر المعارضون من مغبة سياسات التصعيد والتهديد برد ساحق، وتوسع الحرب الإقليمية، وإلحاق ضرر بالغ بالمدنيين، والمشاركة بجرائم حرب وفظائع جماعية.

يقول ستاينبوك إن الحجة القانونية الأساس ضد الإدارة ليست محاسبة كل مسؤول ارتكب جرائم شخصيا، بل إن كبار صناع القرار قد يتعرضون لمساءلة سياسية وقانونية إذا أذِنوا أو سهلوا أو حموا -بعلم- انتهاكات القانون الدولي الإنساني.

السؤال التاريخي: هل ستذكر هذه السياسات كممارسات ضرورية لسلطة الدولة، أم كسابقة إعفاء قوة عظمى نفسها وحلفاءها باطراد من قواعد تزعم الدفاع عنها؟

انهيار المصداقية

يبقى السؤال المحوري: هل ستصبح سياسات الحرب الراهنة استثناءات مؤقتة أم سوابق دائمة؟ وإذا أصبح إلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين، والتسليح المنفلت، والعقاب الجماعي، وترذيل مساءلة المؤسسات مقبولة سياسيا، فالعواقب ستتجاوز غزة.

تاريخيا، روجت أمريكا للمعايير القانونية الدولية مع استثناءات “إستراتيجية”. يكشف نقاش غزة هذا التناقض بصورة أوضح من الصراعات السابقة؛ لأن واشنطن في الوقت ذاته موَرد عسكري، وحامٍ دبلوماسي مفترض، ومناصر عالمي لـ”نظام قائم على القواعد”!

لذا، يخلص ستاينبوك، إلى أن القضية الأساسية انهيار المصداقية المؤسسية الأمريكية، نتيجة الفجوة القاتلة بين قيم واشنطن المعلنة والأحداث القائمة. ولا عودة إلى الوضع السابق قبل غزة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: خلية الإعلام الأمني العراقي: الحكومة ماضية في حصر السلاح بيد الدولة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً