مع طي صفحة نظام الأسد البائد، تواجه سوريا الجديدة استحقاقًا وطنيًا مستعجلًا يتمثّل في تفكيك إرثه الثقيل من الانتهاكات الممنهجة، والعبور بالبلاد من مرحلة الإفلات من العقاب إلى إرساء دولة القانون، ولأجل هذا، تُعد هندسة عدالة انتقالية حقيقية، تُنصف الضحايا، وتُعيد هيكلة مؤسسات نخرها الفساد والتسييس لعقود، أحد أكبر تحديات الحكومة السورية الجديدة.
وبين آلاف الأحكام الجائرة ومذكرات التوقيف التي لا تزال سارية، وأرشيف ضخم من الأدلة والوثائق التي تنتظر الحفظ والمراجعة، تقف مؤسسات العدالة السورية أمام اختبار مفصلي لإثبات شرعيتها، وتطهير صفوفها، وإعادة بناء عقيدة الأجهزة الأمنية والعسكرية لضمان عدم تكرار فظائع الماضي.
اقرأ أيضا: وضع رئيس المجلس الإقليمي لبنسليمان تحت الحراسة
في هذا الحوار الخاص مع فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، نفتح عددًا من أكثر ملفات المرحلة الانتقالية السورية حساسية، وفي مقدمتها استقلال القضاء، وشرعية محاكمات جرائم النظام السابق، ومستقبل العدالة والمساءلة، وآليات معالجة الأحكام الجائرة التي ما تزال آثارها قائمة بحق آلاف السوريين.
ونناقش معه التحول الجذري في دور المجتمع المدني السوري؛ كيف ينتقل من خندق “التوثيق والرصد” إلى فضاء “الشراكة في الإصلاح والرقابة على السلطة”؟ وما هي خارطة الطريق التشريعية والمؤسساتية القادرة على إسقاط إرث المحاكم الاستثنائية، وحماية السوريين من أي تشريعات جديدة قد تُعيد إنتاج الاستبداد بذرائع الاستقرار والأمن.
كما يتناول الحوار إدارة أرشيف الانتهاكات، وإعادة بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية، والمعايير التي ينبغي أن تحكم البيئة التشريعية، بما يضمن ترسيخ سيادة القانون، وصون حقوق الضحايا.
من هو فضل عبد الغني؟
حقوقي وباحث سوري بارز في القانون الدولي وقضايا حقوق الإنسان، وُلِد في مدينة حماة السورية عام 1978.
المدير التنفيذي لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” (SNHR) التي أسسها في يونيو/حزيران 2011. تحت إدارته، برزت الشبكة كواحدة من أهم المنظمات الحقوقية المستقلة المتخصصة في رصد وتوثيق الانتهاكات في سوريا، وباتت مصدراً رئيسياً وشريكاً معتمداً لعدد من هيئات الأمم المتحدة، ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، ومنظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى وزارات خارجية في دول مثل كندا، فرنسا، المملكة المتحدة، وهولندا، وغيرها.
- حاصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية (تخصص إدارة مشاريع) من جامعة دمشق.
- حاصل على درجة الماجستير في القانون الدولي (LLM) من جامعة دي مونتفورت (De Montfort) في المملكة المتحدة.
- تقديراً لجهوده الطويلة في مجال توثيق الانتهاكات والدفاع عن الضحايا، مُنح فضل عبد الغني الجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان لعام 2023.
يُركز في أبحاثه ومقالاته على قضايا العدالة الانتقالية، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وبناء المؤسسات وسيادة القانون لمنع الإفلات من العقاب، وهو متحدث في محافل دولية رفيعة المستوى، من أبرزها مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
كيف تعيد الشبكة السورية لحقوق الإنسان تعريف علاقتها بالدولة، اليوم بعد التحرير، وهي مطالبة بأن تكون شريكًا في الإصلاح، ورقيبًا على السلطة في آنٍ واحد؟
تقوم العلاقة السليمة مع الدولة على تعاون مؤسسي محدد، لا على شراكة سياسية أو اندماج تنفيذي، ويمكننا في الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن نسهم بخبرتنا في التوثيق، وتحليل التشريعات، ورصد مدى الامتثال، وتصميم ضمانات عدم التكرار. غير أنه لا ينبغي للشبكة أن تحل محل مؤسسات الدولة، أو أن تقبل بأي ترتيب يقيّد حقها في النقد العلني، أو النشر المستقل، أو التواصل المباشر مع الضحايا والآليات الدولية.
ويتمثل الإطار الحاكم لهذه العلاقة في حرية تكوين الجمعيات، وحرية التعبير، والمشاركة في الشأن العام، والحق في الانتصاف الفعّال، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المواد 19 و22 و25 و 2(3).
ونرى أن الصيغة السليمة تتمثل في تعاون وظيفي في مجال الإصلاح، يقابله استقلال كامل في مجال الرقابة. ويتطلب ذلك تحديد الولايات كتابة، والإفصاح عن حالات تضارب المصالح، وضمان الاستقلال المالي واستقلال القرار، وصون الحق في نشر الآراء المخالفة.
ولا يكمن الخطر في التعاون ذاته، بل في تحوله إلى استيعاب سياسي أو احتكار لتمثيل المجتمع المدني، كما تظل مسؤولية الشبكة قائمة في رصد أي انتهاكات جديدة أو استمرار للممارسات القديمة، وفق معيار ثابت هو احترام الحقوق وسيادة القانون.
ما الذي كشفته مناقشات مدونة السلوك القضائي عن واقع القضاء السوري، وما الإصلاح الذي ترونه أكثر إلحاحًا قبل أي تعديل تشريعي؟
تؤكد المناقشات المتعلقة بمدونة السلوك القضائي أن أزمة القضاء السوري ليست أزمة سلوك فردي يمكن معالجتها بمدونة أخلاقية، بل هي أزمة استقلال مؤسسي ووظيفي. وتكتسب المدونة أهمية في تحديد قواعد النزاهة والحياد، والإفصاح عن المصالح، ومنع الاتصال غير المشروع بأطراف الدعاوى، لكنها تصبح شكلية إذا ظلت التعيينات والترقيات والنقل والتفتيش والتأديب خاضعة لتأثير السلطة التنفيذية أو الأجهزة الأمنية.
وتشترط المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن تنظر القضايا محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة. كما توجب مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية أن يفصل القضاة في القضايا من دون ضغط أو تهديد أو تدخل، سواء أكان مباشرًا أم غير مباشر، وأن تكفل الدولة استقلال القضاء قانونًا وممارسةً.
ويتمثل الإصلاح الأكثر إلحاحًا في إنهاء التبعية الفعلية للقضاء للسلطتين التنفيذية والأمنية، من خلال إعادة تشكيل مجلس أعلى للقضاء يتمتع بالاستقلال، وضمان استقلال النيابة العامة في قرارات الملاحقة، ووضع معايير شفافة للتعيين والترقية، وحماية القاضي من النقل أو العزل أو التأديب التعسفي.
كيف يمكن للقضاء السوري أن يبني شرعيته في محاكمات جرائم النظام البائد وهو يعمل ضمن إرث قانوني ومؤسساتي تشكل في ظل النظام نفسه؟
لن تستمد محاكمات الجرائم المرتكبة في عهد النظام السابق شرعيتها من جسامة الجرائم المرتكبة، بل من التزامها الصارم بمقتضيات الشرعية الموضوعية والإجرائية، وفي مقدمتها استقلال القضاء وحياده، وإقرار المسؤولية الفردية، وافتراض البراءة، وضمان حق الدفاع، وعلنية المحاكمات على نحو منضبط، وتسبيب الأحكام، وإتاحة حق فعلي في الطعن.
ويطرح الإرث السابق ثلاث مشكلات رئيسية:
- احتمال تورط بعض القضاة والموظفين في الانتهاكات أو خضوعهم للبنية القمعية
- قصور التشريعات الوطنية عن استيعاب الجرائم الدولية وأنماط المسؤولية القيادية
- ضعف حماية الشهود والضحايا والمحامين.
غير أن التطهير الجماعي للقضاء، أو افتراض المسؤولية لمجرد الخدمة السابقة، من شأنه أن يعيد إنتاج التعسف ويقوّض استمرارية العدالة.
وينبغي اعتماد تدقيق فردي يستند إلى الأدلة ومعايير النزاهة، مع ضمان الإخطار وحق الدفاع والمراجعة. ويُستبعد من يثبت تورطه في انتهاكات جسيمة أو افتقاره إلى النزاهة اللازمة، مع الإبقاء على من لم تثبت مسؤوليته، وتأهيله في مجالي القانون الجنائي الدولي وضمانات المحاكمة العادلة.
لا تزال آلاف الأحكام ومذكرات التوقيف والملفات القضائية الصادرة في عهد نظام الأسد قائمة بحق سوريين حتى اليوم.. كيف ينبغي للدولة الجديدة أن تعالج هذا الإرث القضائي، بما يضمن إنصاف المتضررين واستعادة الثقة بمنظومة العدالة؟
إن الأحكام ومذكرات التوقيف والملفات الصادرة عن محاكم استثنائية، أو المبنية على التعذيب، أو الحرمان الجسيم من حق الدفاع، أو تجريم النشاط السلمي، لا تمثل إرثًا إداريًا محايدًا
وينص الإعلان الدستوري صراحةً على إلغاء آثار الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة الإرهاب، ورد الممتلكات المصادرة، وإلغاء الإجراءات الأمنية الاستثنائية المرتبطة بالسجلات المدنية والعقارية.
ولا ينبغي أن تقتصر المعالجة على قرارات فردية متفرقة، بل تتطلب مسارًا وطنيًا منظمًا يتضمن:
اقرأ أيضا: موقف أميركي يثير التوتر مع مدريد: تقرير للنواب يعتبر سبتة ومليلية أراضي مغربية
- الإبطال التلقائي أو المراجعة المعجّلة للأحكام الصادرة عن المحاكم الاستثنائية أو القائمة على عيب جوهري.
- وقف تنفيذ مذكرات التوقيف وإجراءات الحجز وقيود السفر ذات الصلة إلى حين استكمال المراجع.
- إنشاء هيئة مستقلة للمراجعة القضائية، ذات ولاية واضحة، تصدر قرارات معللة قابلة للطعن.
- رد الاعتبار، وتصحيح السجلات المدنية والأمنية والعقارية، ورد الحقوق أو منح تعويض عادل.
- إحالة الأدلة المتعلقة بالتعذيب أو تلفيق الاتهامات أو الفساد القضائي إلى تحقيق جنائي مستقل.
كيف ينبغي إدارة ملف الأدلة والوثائق المتعلقة بالانتهاكات، بما يحفظ قيمتها القضائية ويمنع توظيفها سياسيًا أو احتكارها من أي جهة؟
ليست الوثائق والأدلة المتعلقة بالانتهاكات ملكًا للسلطة، ولا للمنظمات التي حصلت عليها، ولا للأجهزة التي أنشأتها. فهي جزء من حق الضحايا في الحقيقة والعدالة والجبر، ومن واجب الدولة في حفظ الذاكرة ومنع الإفلات من العقاب.
وينبغي إنشاء منظومة مستقلة لإدارة الأرشيف والأدلة، لا مجرد مستودع مركزي تابع لجهة تنفيذية. وتقوم هذه المنظومة على الفصل بين وظائف الحفظ والتحقيق والادعاء، وعلى هيكل حوكمة يضم قضاءً مستقلًا، وخبراء في الأرشفة والأدلة الرقمية، وممثلين حقيقيين للضحايا، مع إخضاعها لرقابة قضائية وقواعد منشورة تنظم الوصول إلى المواد والإفراج التدريجي عنها.
وتتمثل المتطلبات الأساسية في توثيق سلسلة الحيازة، وحفظ الأصول والبيانات الوصفية والنسخ الرقمية، وحماية المواقع والمقابر الجماعية من العبث، والتحقق من الأصالة والسياق، ووضع ضوابط دقيقة لحماية بيانات الضحايا والشهود. كما يجب أن يحصل الادعاء والدفاع، عند إقامة دعوى قضائية، على المواد ذات الصلة واللازمة لها، وفق إجراءات عادلة يحددها القضاء، من دون كشف غير مبرر للبيانات الحساسة.
وتنسجم هذه المقاربة مع ولاية الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، المنشأة بقرار الجمعية العامة 71/248، والمكلفة بجمع الأدلة وحفظها وتحليلها دعمًا للتحقيقات والملاحقات القضائية.
كما تتفق مع مبادئ الأمم المتحدة المحدثة لمكافحة الإفلات من العقاب، المتعلقة بحفظ الأرشيف وإتاحته ضمن ضوابط تكفل حماية الأشخاص وسلامة العمليات القضائية. وقد تحدثت عن ذلك في مقال مخصص لهذا الموضوع أتمنى الرجوع إليه.
ما الضمانات التي ينبغي أن تحكم إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية حتى لا تنتقل إليها أنماط الانتهاك التي عرفها السوريون خلال العقود الماضية؟
تمثل إعادة بناء مؤسستي الأمن والجيش جزءًا من ضمانات عدم التكرار، وليست برنامجًا إداريًا منفصلًا عن العدالة الانتقالية. ويضع الإعلان الدستوري أساسًا مهمًا حين ينص على أن الجيش مؤسسة وطنية محترفة تعمل وفق سيادة القانون وتحمي حقوق الإنسان، ويحظر إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية خارج إطار الدولة.
وتتمثل الضمانات الأساسية في:
- حصر استخدام القوة القسرية وسلطة الاحتجاز في مؤسسات منشأة بموجب القانون.
- الفصل الواضح بين مهام الدفاع الوطني وإنفاذ القانون والأمن الداخلي.
- إقرار رقابة مدنية فعالة خاضعة للقانون، ورقابة تشريعية وقضائية على الموازنة والاحتجاز واستخدام القوة.
- إنشاء سجل موحد وفوري لجميع المحتجزين، مع مراجعة قضائية سريعة ومستمرة.
- إجراء تدقيق فردي للمنتسبين والقيادات استنادًا إلى معلومات موثوقة، مع ضمان حق الدفاع والطعن.
- مساءلة الفاعل والآمر والمتستر، ومنع أي حصانة عن جرائم التعذيب أو الإخفاء القسري أو القتل خارج نطاق القانون.
- قصر اختصاص القضاء العسكري على الجرائم العسكرية البحتة، وعدم استخدامه لمحاكمة المدنيين أو لحجب انتهاكات الأجهزة الأمنية عن القضاء العادي.
كما يجب تجنب الدمج المتسرع للتشكيلات المسلحة؛ فالدمج الذي لا يسبقه تدقيق فردي، ولا يستند إلى عقيدة مهنية موحدة، وسلسلة قيادة واضحة، وضبط فعلي للسلاح، قد ينقل أنماط العنف والانتهاكات إلى المؤسسة الجديدة بدلًا من تفكيكها.
كيف تقيّمون الاتجاه الذي تسلكه البيئة التشريعية في سوريا اليوم، وما المعايير التي تجعل التشريع ضمانة للحقوق لا أداة لتقييدها؟
تُقاس سلامة البيئة التشريعية بمدى قدرتها على تقييد السلطة وحماية الفرد، وتظل التشريعات السابقة نافذة ما لم تُعدّل أو تُلغَ، بموجب المادة 51 من الإعلان الدستوري؛ ولذلك تمثل المراجعة التشريعية المنهجية ضرورة انتقالية، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل.
ويتمثل الخطر القائم في إعادة إنتاج التشريعات التقييدية باسم الاستقرار أو الأمن أو ضرورات المرحلة الانتقالية، ولا سيما مع تركز سلطات اقتراح القوانين وإصدارها والاعتراض عليها في يد السلطة التنفيذية. لذلك ينبغي إخضاع أي تشريع، ولا سيما في مجالات الأمن والإعلام والتجمع والتنظيم والملكية، لاختبارات واضحة تشمل:
- أن يستند إلى نص قانوني متاح ودقيق، وألا يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات تقديرية مفتوحة.
- أن يهدف إلى غاية مشروعة، وأن يكون ضروريًا بالفعل، ومتناسبًا مع الحق المتأثر.
- أن يحترم مبادئ المساواة وعدم التمييز وعدم رجعية القوانين الجزائية، إلا إذا كان القانون أصلح للمتهم.
- أن يُنشر مشروع القانون وأسبابه، وأن يُتاح وقت واقعي للتشاور بشأنه مع القضاة والمحامين والضحايا والمنظمات الحقوقية.
- أن يُرفق كل مشروع بمذكرة تفسيرية وتقييم لأثره في حقوق الإنسان.
- أن يُكفل حق فعلي في الطعن القضائي، ورقابة دستورية مستقلة وفعالة.
- أن تُحظر أي حصانة تشريعية أو فعلية عن الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة.
ويصبح التشريع ضمانة للحقوق حين يضبط ممارسة السلطة ويجعل قراراتها قابلة للمراجعة، لا حين يوسع قدرتها على فرض القيود استنادًا إلى عبارات فضفاضة.
اقرأ أيضا: الكويت تقرر إغلاق المدرسة الإيرانية
