أعادت التطورات الأخيرة الخاصة بشركة البدر للاستثمار والتنمية تسليط الضوء على التحديات التي تواجه سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة “بورصة النيل”، بعدما تحول سهم الشركة خلال أقل من عام من استئناف التداول إلى الإيقاف مجددًا، في ظل استمرار الخلافات بين المساهمين، وتأخر استكمال متطلبات الإفصاح، وتعثر إجراءات توفيق الأوضاع.
وأثارت الأزمة تساؤلات داخل سوق المال بشأن مدى كفاية الضوابط الحالية المنظمة للقيد واستمرار القيد في بورصة النيل، وما إذا كانت الأزمة تمثل حالة استثنائية مرتبطة بشركة بعينها، أم أنها تعكس تحديات أوسع تتطلب مراجعة بعض الممارسات المرتبطة بالحوكمة والإفصاح واستمرارية الشركات المقيدة.
وتُعد شركة البدر للاستثمار من بين الشركات التي واجهت خلال السنوات الأخيرة تحديات متعلقة باستمرار القيد، قبل أن تنجح الإدارة السابقة ـ بحسب مسؤولين بالشركة ـ في معالجة جانب كبير من المخالفات التنظيمية، وإعداد القوائم المالية المتأخرة، ووضع خطة لاستئناف النشاط، الأمر الذي مهد لعودة التداول على السهم.
لكن الشركة عادت مجددًا إلى دائرة الإيقاف بعد إفصاحها عن توقيع حجز ضريبي على المقر الإداري والمصنع، ما دفع البورصة إلى تعليق التعاملات لحين استيضاح الموقف أمام المستثمرين، لتعود التساؤلات مجددًا بشأن معايير إعادة التداول ومدى ارتباطها فقط باستيفاء متطلبات الإفصاح، أم بمدى استقرار الأوضاع التشغيلية والمالية والإدارية للشركة.
من جانبه، قال عاطف الشرقاوي، رئيس مجلس إدارة شركة البدر للاستثمار والتنمية، إن الشركة تعمل بصورة يومية مع إدارة البورصة لاستيفاء جميع المتطلبات والمستندات اللازمة تمهيدًا لإعادة التداول على السهم.
وأضاف أن الإدارة تعتزم عقد اجتماع مع المساهمين الرئيسيين خلال الأسبوع المقبل لمناقشة خطوات المرحلة المقبلة، يعقبه اجتماع لمجلس الإدارة لتحديد خطة العمل والإفصاح عن القرارات التي سيتم التوصل إليها فور اعتمادها.
وأشار إلى أن الشركة تواصل العمل على استكمال القوائم المالية المتأخرة، بالتوازي مع دراسة عروض مقدمة من عدد من مراقبي الحسابات لاختيار أحدهم وتعيينه بما يتيح استيفاء متطلبات استمرار القيد.
سامي: تطوير آليات التداول يستحق الدراسة دون المساس بحقوق المستثمرين
وقال شريف سامي، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية الأسبق، إن بورصة النيل ما زالت تؤدي الدور الذي أُنشأت من أجله باعتباره منصة تمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة وممرًا للانتقال إلى السوق الرئيسي، مشيرًا إلى أن طبيعة هذه الشركات تجعل مستويات السيولة فيها أقل من السوق الرئيسي بشكل طبيعي.
وأضاف أن محدودية التداولات لا تعني وجود خلل في هيكل السوق أو قواعده، موضحًا أن الإطار التنظيمي الحالي لا يعاني قصورًا تشريعيًا يستدعي تعديلات جوهرية.
وأكد أن رفع مستويات الالتزام بالإفصاح والحوكمة لا يتحقق من خلال تشديد العقوبات فقط، وإنما عبر اقتناع الشركات بأن الالتزام ينعكس مباشرة على تقييماتها السوقية وثقة المستثمرين فيها.
وأشار سامي إلى أن الخلافات بين المساهمين أو مجالس الإدارات ليست ظاهرة استثنائية وتحدث في العديد من الشركات، لكنها لا تمثل مبررًا بحد ذاتها لتعديل القواعد المنظمة للسوق، موضحًا أن البورصة تتعامل مع نتائج المخالفة بغض النظر عن أسبابها.
وأضاف أن أي مراجعة للقواعد ينبغي أن تستند إلى وجود فجوات تنظيمية حقيقية، وليس إلى حالات فردية، مؤكدًا أن مسؤولية استقرار الشركات المقيدة تقع بالأساس على عاتق المساهمين الرئيسيين ومجالس الإدارات.
وفيما يتعلق بتطوير السوق، أبدى سامي تأييده لدراسة بعض التعديلات الفنية المرتبطة بآليات التداول بما يتناسب مع مستويات السيولة المتاحة، مثل إعادة النظر في تنظيم ساعات التداول إذا أثبتت الدراسات جدواها، مع رفض تقليص عدد أيام التداول لما قد يفرضه من قيود إضافية على المستثمرين.
عمران: نجاح سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة يقاس بقدرته على تخريج شركات للسوق الرئيسي
في المقابل، قال محمد عمران، العضو المنتدب لشركة توسع للاستشارات المالية، إن تطوير سوق النيل لا يرتبط فقط بقواعد القيد، وإنما يتطلب تعزيز الحوكمة ورفع جاهزية الشركات للاستمرار داخل السوق وتحقيق الهدف الرئيسي من القيد به.
وأوضح أن وقف التداول لا يمثل عقوبة في حد ذاته، وإنما إجراء تنظيمي يهدف إلى حماية المستثمرين وضمان توافر المعلومات الجوهرية بصورة عادلة ومتزامنة لجميع المتعاملين.
وأضاف أن البورصة تمنح الشركات في كثير من الحالات فرصًا ومهلًا إضافية لتوفيق أوضاعها قبل اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، رغم أن قواعد القيد تمنحها صلاحيات أوسع للتحرك حال استمرار المخالفات.
وأشار إلى أن أسباب وقف التداول ترتبط غالبًا بعدم الالتزام بمتطلبات الإفصاح أو استمرار القيد، مثل التأخر في إصدار القوائم المالية أو عدم الإفصاح عن الأحداث الجوهرية، لافتًا إلى أن بعض الشركات تتأخر لأسباب تشغيلية أو إدارية بينما تتقاعس شركات أخرى عن الاستجابة رغم حصولها على فرص متكررة.
وأكد عمران أن تطوير السوق يتطلب رفع كفاءة الحوكمة داخل الشركات المقيدة، وتأهيل المساهمين الرئيسيين ومجالس الإدارات للتعامل مع متطلبات الشركات المدرجة، ضإلى جانب تعزيز حماية حقوق مساهمي الأقلية في القرارات الجوهرية.
واقترح وضع إطار زمني استرشادي لانتقال الشركات المقيدة ببورصة النيل إلى السوق الرئيسي، بحيث يصبح القيد في السوق محطة انتقالية للنمو والتوسع، وليس وضعًا دائمًا.
وأضاف أن نجاح سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة يجب ألا يُقاس بعدد الشركات المقيدة فقط، وإنما بعدد الشركات التي استطاعت تحقيق النمو والالتزام بقواعد الإفصاح والحوكمة والانتقال إلى السوق الرئيسي، مشيرًا إلى أن السوق نجح بالفعل في تخريج نماذج بارزة خلال السنوات الماضية، في حين لم تتمكن شركات أخرى من استكمال المسار نفسه.

