◄ المشاريع التنموية أصبحت صمام أمان قومياً وقت الأزمات
◄ تهالك المرافق قبل 2014 كان عائقًا رئيسيًا أمام جذب الاستثمار
الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة التى شهدتها منطقة الشرق الأوسط من اضطرابات الملاحة فى البحر الأحمر ومضيقى باب المندب وهرمز إلى الصراعات الإقليمية وتهديد سلاسل الإمداد أثبتت حقيقة حاسمة، وهى أن البنية التحتية المتطورة لم تعد مجرد رفاهية تنموية، بل أصبحت صمام أمان قوميًا وركيزة للمرونة الاقتصادية، ولو لم تكن هذه المشروعات قد نُفذت فى مصر منذ عام 2014 لكان تأثير هذه الأزمات الإقليمية مضاعفاً على الظروف الاقتصادية الداخليّة.
فقبل وقوع الأزمات الإقليمية الأخيرة بالمنطقة كان البعض ينتقد مشروعات البنية التحتية مثل الطرق والموانئ ومحطات الكهرباء وتحلية المياه وقناة السويس الجديدة وغيرها من المشروعات القومية التى نفذتها الدولة بداية من عام 2014، كما كان يُنظر لها على أنها مجرد مشروعات إنشائية مكلفة، بل وزعم أن المواطن البسيط لا يستفيد من هذه المشروعات، لكن الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ــ الإيرانية كشفت الدور الحقيقى الفعّال لهذه المشروعات، وأثبتت حكمة وبُعد نظر القيادة السياسية فى الإصرار على تنفيذ هذه المشروعات التنموية، فأصبحت واقعا ملموسا، محققة تطورا ملحوظا فى تحسين جودة الحياة للمواطنين.
منحت مشروعات البنية التحتية الدولة خيارات بديلة لوجستية وكذلك فيما يخص تأمين الطاقة، وخيارات سريعة التعامل عند حدوث أى اضطراب أو تهديد فى الممرات الملاحية أو أسواق الطاقة العالمية، وبالتالى الحفاظ على استمرار حركة التصنيع والتصدير والخدمات دون توقف، وهو أمر كان يستحيل تحقيقه حال استمرار ظروف البنية التحتية المتهالكة فى عام 2013.
فالفلسفة التنموية التى انتهجتها الدولة بدءا من عام 2014 تعتمد على أن البنية التحتية المتهالكة كانت تمثل عائقاً رئيسياً أمام الاستثمار والنمو؛ فتم إطلاق المشروعات القومية الكبرى لإعادة بناء شبكات المرافق والخدمات الأساسية.
فقد دفع استهداف السفن واضطراب الملاحة فى باب المندب شركات الشحن العالمية للبحث عن مسارات أطول أو إعادة توجيه شحناتها بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر النقل البرى والترانزيت، وهو ما أوضح أهمية وجود موانئ حديثة ومطوّرة على البحر المتوسط مثل الإسكندرية، ودمياط، وشرق بورسعيد وموانئ مؤهلة على البحر الأحمر مثل العين السخنة وسفاجا، ما مكّن مصر من التكيف سريعا.
كما أتاح وجود هذه الموانئ المربوطة بشبكات طرق سريعة تحويل مصر إلى جسر برى ولوجستى لنقل البضائع وتفريغها واستكمال شحنها بين الشرق والغرب “تجارة الترانزيت والجسور اللوجستية” بمرونة عالية، مما قلّل أثر ارتباك الملاحة التقليدية.
ونجحت الطرق والمحاور المرورية الجديدة فى امتصاص الصدمات وسرعة الإمداد الداخلى، وإذا كانت الأزمات الإقليمية سببا فى رفع أسعار الشحن والتأمين وتأخير الشحنات فإن تقليل أى تكلفة زمنية أو لوجستية داخلية يعوِّض الارتفاع الخارجى للأسعار، كما أن الربط السريع والسلس بين الموانئ والمناطق الصناعية والمحافظات منع حدوث اختناقات فى إمدادات السلع الأساسية والمواد الخام داخل البلاد، مما حافظ على استقرار السلاسل التموينية رغم الضغوط الخارجية.
لقد تسببت الأزمات الجيوسياسية فى الشرق الأوسط فى قفزات مفاجئة وتذبذبات حادة فى أسواق الطاقة والغاز عالمياً وإقليمياً، لكن ما قامت به مصر خلال ما يقرب من 12 عاما من بناء محطات كهرباء جديدة أتاح استيعاب ودخول طاقات متجددة ضخمة سواء كانت شمسية أو رياح قلّل درجة الاعتماد الكلى على الغاز والمازوت التقليدى، كما أن وجود شبكة كهرباء قومية حديثة وموحدة ومستقرة منع أى سيناريوهات لإظلام تام أو عجز هيكلى يهدد تشغيل المصانع والمرافق الخدمية وسط حالة عدم اليقين الإقليمية.
فمصر شهدت قبل 2014 عام أزمات انقطاع متكرر للكهرباء، ثم قامت الدولة بتنفيذ خطة عاجلة أضافت عشرات الكيلووات إلى الشبكة القومية، فقد تم إنشاء محطات سيمنس الثلاثة العملاقة فى بنى سويف، والبرلس، والعاصمة الإدارية بقدرة إجمالية 14.4 جيجاوات، وإنشاء مجمع بنبان للطاقة الشمسية فى أسوان الذى يعد من أكبر مجمعات الطاقة الشمسية فى العالم، ومحطات الرياح فى جبل الزيت والزعفرانة.
هذه الجهود الحثيثة فى إنشاء محطات الطاقة حولت مصر من دولة تعانى نقصاً فى الطاقة إلى دولة لديها فائض يتيح التصدير والربط الكهربائى مع دول الجوار مثل السعودية، واليونان، وقبرص، وليبيا، وتأمين احتياجات المصانع والمدن الجديدة.
لقد أصبحت قضيتا المياه والطاقة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال السنوات الأخيرة الملف الأكثر حساسية للأمن القومى والأمن الغذائى، خاصة فى ظل أزمات سد النهضة والتقلبات المناخية، ولذلك أنشأت مصر محطات تحلية مياه جديدة، أسهمت فى تأمين احتياجات المحافظات الحدودية والساحلية والمجتمعات العمرانية الجديدة تماماً، وفصلت نموها العمرانى والسياحى عن الاعتماد المباشر على مياه النيل.
فمحطات المعالجة العملاقة مثل بحر البقر والدلتا الجديدة سمحت بتوفير مياه لاستصلاح ملايين الأفدنة، مما عزز الأمن الغذائى الداخلى للحبوب والخضراوات، وزاد قدرة الاقتصاد على الصمود أمام ارتفاع أسعار الأغذية العالمية الشديد جراء الحروب والأزمات، كما أدى التوسع فى محطات تحلية مياه البحر بالمحافظات الساحلية لتقليل الاعتماد على مياه النيل فى تلك المناطق وتوفيرها للداخل، حيث تم إنشاء محطات تحلية فى الجلالة، وشرق بورسعيد، ومطروح، وشبه جزيرة سيناء.
وأدى ذلك إلى تأمين الإمداد المائى التنموى للمدن الجديدة والأنشطة السياحية والصناعية الساحلية، ودعم مشروعات الاستصلاح الزراعى القومى.
كما نجحت شبكة الطرق والمحاور المرورية الجديدة فى اختصار المسافات والوقت، وسهّلت نقل المواطنين والسلع بين أنحاء مصر، فمن خلال المشروع القومى للطرق تم إضافة أكثر من 7 آلاف كيلومتر من الطرق الجديدة والتوسع فى صيانة وتطوير آلاف الكيلومترات القائمة.
كما تم إنشاء أكثر من 20 محورا وبديل كوبرى على النيل لربط شرق النيل بغربه، وتسهيل نقل البضائع والركاب بين الصعيد والدلتا والمدن الساحلية.
وأدى ذلك إلى طفرة فى تصنيف مصر فى مؤشر جودة الطرق العالمى، لتقفز من المركز 118 عام 2015 إلى مراتب متقدمة جداً عالمياً.
كما تم وضع خطة شاملة لتطوير الموانئ البحرية على البحرين الأحمر والمتوسط مثل السخنة، وشرق بورسعيد، ودمياط، والإسكندرية، وسفاجا من خلال تعميق الممرات الملاحية، وإنشاء
أرصفة جديدة بإنشاء عشرات الكيلومترات من الأرصفة الحديثة، مع ربط الموانئ بالمناطق الصناعية والاستثمارية حول قناة السويس، لتتحول منطقة قناة السويس إلى مركز لوجستى عالمى يستهدف خدمة حركة التجارة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
وتزامن مع ذلك إنشاء شبكة من الموانئ الجافة والمراكز اللوجستية مثل ميناء السادس من أكتوبر الجاف، لتخفيف الإجراءات والتكدس فى الموانئ البحرية.
وعلى الجانب الاقتصادى كانت مشروعات البنية التحتية شرطاً ضرورياً ولكنه غير كافٍ بمفرده؛ حيث نجحت فى وضع مصر على خريطة الاستثمار العالمى لا كمركز لوجستى وصناعى، وعززت تصنيفها كأحد أكبر مستقبلى الاستثمار الأجنبى المباشر فى إفريقيا، ومع استكمال الإصلاحات الهيكلية واستقرار سوق الصرف ستتضاعف قدرة هذه المشروعات على توليد عائد استثمارى مستدام للبلاد.
فالعلاقة بين مشروعات البنية التحتية والاستثمار الأجنبى المباشر علاقة سببية مباشرة؛ فالبنية التحتية ليست سوى الشبكة والمنصة التى يتأسس عليها أى استثمار، والمستثمر الأجنبى لا ينظر فقط إلى الحوافز الضريبية، بل يبحث بالأساس عن مدى توفر طاقة للمصنع؟ وهل يمكن نقل المواد الخام والبضائع بسلاسة؟ وهل الموانئ جاهزة لتصدير المنتج؟
فقبل عام 2014 كان انقطاع الكهرباء وتكدس الموانئ وسوء حالة الطرق تمثل أكبر مخاطر تشغيلية للمستثمر، لكن ما نُفذ من إنشاء محطات الكهرباء الشاملة ومجمعات الطاقة المتجددة قضى على مخاوف توقف الإنتاج، واستقطب شركات عالمية فى مجالات الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء والسيارات الكهربائية.
كما أن تطوير الموانئ مثل السخنة وشرق بورسعيد وتقليل زمن الإفراج الجمركى يجذب الشركات التى تبحث عن مراكز تصنيع وتجميع قريبة من أوروبا وإفريقيا..
البنية التحتية الحديثة لمصر ساعدت فى إبرام صفقات استثمارية وتنموية غير مسبوقة، فالمستثمر يرغب فى الاستفادة من هذه المرافق لإنشاء مجتمعات عمرانية واقتصادية متكاملة، مثل صفقة تنمية مدينة رأس الحكمة، بالإضافة إلى مشروع علم الروم والاستثمارات الساحلية واللوجستية الجديدة، فمثل هذه المشاريع لم تكن لتقام لولا وجود شبكة طرق ومطارات ومحطات تحلية مياه فى المنطقة الساحلية.

