مضت أشهر على اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في مؤسسات الدولة السورية ولا يزال التنفيذ متعثرا، في وقت يصر فيه الأكراد السوريون على حكم ذاتي لمناطقهم وترفض تركيا ذلك بما لها من نفوذ لدى دمشق.
ولا يتعلق الخلاف بمصير “قسد” وحدها، بل بشكل الدولة السورية المقبلة وبحدود النفوذ التركي فيها. فأنقرة، التي ترى في الإدارة الذاتية امتدادا سياسيا وأمنيا لحزب العمال الكردستاني، تسعى إلى منع أي صيغة دستورية تمنح الكرد وضعا خاصا، بينما تحاول دمشق استعادة سلطتها على شمال شرق البلاد من دون خسارة التفاهمات الدولية التي رعت الاتفاق مع “قسد”.
وأكدت مصادر لـ”الحرة”، بينها ناشطون وسياسيون سوريون مقربون من الحكومة السورية وآخرون من قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، أن أنقرة تواصل الضغط على الحكومة المؤقتة في سوريا لمنع تضمين الدستور المقبل أي بند يمنح الأكراد حكما ذاتيا أو إدارة لامركزية.
إلا أن الباحث السوري المقيم في دمشق والمختص في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو نفى أن تكون تركيا تضغط بشكل مباشر على دمشق، وقال إن الأمر هو تقاطع بين رؤية أنقرة ورؤية دمشق تجاه شكل الدولة السورية المقبلة.
وأضاف للحرة: “قد يكون هناك تأثير من أنقرة بحكم وزنها السياسي والأمني وعلاقتها القوية مع الحكومة السورية الحالية، لكن موقف دمشق من رفض نموذج الإدارة الذاتية بصيغته السابقة هو موقف مرتبط برؤيتها لشكل الدولة وليس مجرد استجابة لمطلب تركي.”
وأكد ذلك الباحث والخبير بالسياسة الخارجية التركية عمر أوزكيزيلجيك وقال إن موقف أنقرة يتوافق مع موقف دمشق، إذ ترفض اللامركزية السياسية، وترى فيها خطوة قد تهدد وحدة الأراضي السورية.
وقال أوزكيزيلجيك المقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا للحرة: “موقف تركيا من الأكراد السوريين يشبه موقفها من التركمان السوريين؛ فهي لا تؤيد منح الحكم الذاتي لأي مجموعة في سوريا، سواء كانوا تركمانًا أو أكرادًا.”
وتشمل المطالب الكردية الاعتراف الدستوري بالكرد كقومية في سوريا، واعتماد صيغة لامركزية للحكم، وإتاحة إدارة محلية أوسع في مناطقهم، إلى جانب ضمان مشاركة سياسية وثقافية فاعلة على مستوى البلاد.
وقد أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مراسيم رئاسية تعالج كافة الملفات المتعلقة بالهوية الكردية واللغة والحقوق الثقافية وقضايا المواطنة.
ويقول الباحث السوري قباقيبو إن الخلاف الوحيد، فيما يتعلق بالأكراد، هو عندما تتم مناقشة تثبيت نموذج حكم خاص أو إدارة ذات صلاحيات أمنية وعسكرية مستقلة عن دمشق.
عملية إعادة ترتيب إقليمية
لا يبدو المشهد في شمال شرق سوريا معزولا عن نقاش إقليمي أوسع حول دور دمشق في المرحلة المقبلة، بما في ذلك ما تردد خلال الأيام الأخيرة عن احتمال اضطلاع سوريا بدور عسكري في مواجهة حزب الله في لبنان، رغم النفي القاطع الذي صدر عن الحكومة السورية، سواء على لسان الشرع أو وزير الخارجية أسعد الشيباني.
ويرى مراقبون ومختصون بالشأن السوري أن أي دور سوري مستقبلي في ملف حزب الله، إذا حصل بتفاهم مع تركيا، قد يمنح أنقرة هامشا أوسع للضغط على الغرب في الملف الكردي، سواء لخفض دعمه لـ”قسد” أو للحد من أي خصوصية سياسية أو إدارية للمناطق الكردية في سوريا.
ويعتقد المحامي السوري مصطفى شيخ مسلم أن من الخطأ النظر إلى الملفين اللبناني والكردي باعتبارهما صفقة مباشرة، مرجحا أن يكونا جزءا من عملية إعادة ترتيب إقليمية أوسع.
ويقول شيخ مسلم لـ”الحرة” إن الأمر لا يقتصر على تركيا فحسب، بل حتى دمشق لو حصلت على هامش حركة أكبر إقليميا، قد يصبح لديها دافع أكبر لإعادة فرض سلطتها على كامل الجغرافيا السورية، بما فيها مناطق الإدارة الذاتية.
ويستدرك شيخ مسلم قائلا: “هذا لا يعني أن إنهاء المشروع الكردي أصبح مسألة وقت، لأن قدرة دمشق على فرض هذا السيناريو ما زالت مرتبطة بموقف الولايات المتحدة الأميركية، وبقدرة قسد على التفاوض، وبطبيعة التوازنات الدولية”.
ويعتبر أن مستقبل الحكم الذاتي الكردي لن يُحسم في لبنان، بل على طاولة التفاوض داخل سوريا وبين القوى الدولية الفاعلة.
ولم تنهِ التفاهمات السابقة بين دمشق و”قسد” التوتر العسكري والسياسي في شمال وشرق سوريا، ما دفع الجانبين إلى اتفاق جديد في يناير الماضي بدعم دولي.
وينص الاتفاق على عودة مؤسسات الدولة السورية إلى مناطق الإدارة الذاتية، ودمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ومناطق أخرى ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على خصوصية الإدارة المحلية وضمان بقاء الموظفين المدنيين.
كما يشمل استعادة دمشق السيطرة على حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية، والبدء بدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش والأجهزة الأمنية الجديدة.
لكن هذه البنود، بالنسبة إلى كثير من الكرد، تعالج مسائل الإدارة والأمن أكثر مما تقدم ضمانات سياسية. فدمج المؤسسات والقوات يمكن أن يمضي بقرارات تنفيذية، أما تثبيت اللغة والهوية وشكل الحكم المحلي فيحتاج، في نظرهم، إلى نص دستوري.
مستقبل القضية الكردية
يقول گيلو عيسى، القيادي في الحزب الديموقراطي الكردي السوري، أحد أبرز الأحزاب المنضوية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا لـ “الحرة” إن تركيا تسعى إلى استثمار أي تفاهمات دولية أو إقليمية لتعزيز ضغوطها السياسية والعسكرية على القوى الكردية، ودفعها نحو الاندماج في مؤسسات الدولة السورية وفق ترتيبات تحدّ من مستوى استقلاليتها.
ويلفت إلى أن دمشق تعمل هي الأخرى لاستعادة سيادتها على كامل الأراضي السورية، لكنها تدرك أن أي تسوية مستدامة تتطلب معالجة حقوق مختلف المكونات السورية، وفي مقدمتها المكون الكردي، ضمن إطار سياسي ودستوري يضمن وحدة البلاد ويحافظ على استقرارها.
ويشدد عيسى أن مستقبل القضية الكردية في سوريا سيظل مرتبطا بجملة من العوامل، أبرزها طبيعة العلاقة بين دمشق والقوى الكردية، بعد غياب الوجود الأميركي في شرق الفرات، إلى جانب التحولات في مواقف القوى الإقليمية والدولية.
قنوات اتصال بين “قسد” وأنقرة
وفي مقابلة مع “وكالة أنباء هاوار” المقربة من “قسد”، قال مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، في مايو الماضي، إن تركيا تملك تأثيرا مباشرا في سوريا، خصوصا في شمال البلاد، مضيفا أن إنجاز الاتفاق يتطلب أن تكون أنقرة طرفا فيه، أو على الأقل ألا تعرقل تنفيذه.
وأشار عبدي إلى وجود قنوات اتصال مفتوحة بين “قسد” وأنقرة، جرى خلالها بحث ملفات أمنية، معربا عن أمله في تكثيف هذه الاتصالات وأن تؤدي تركيا دورا إيجابيا في تطبيق الاتفاق بين دمشق و”قسد”.
من جهته، يستبعد شلال كدو، رئيس حزب الوسط الكردي في سوريا، وجود أي ارتباط مباشر بين أي تفاهمات أمنية أو سياسية قد تنشأ بين دمشق وأنقرة متعلقة بملف حزب الله اللبناني، وبين مسار اندماج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، أو بين تلك التفاهمات ومستقبل القضية الكردية في سوريا.
ويقول لـ “الحرة”: “مستقبل الحقوق القومية للكرد في سوريا، بما في ذلك أي شكل من أشكال اللامركزية أو الإدارة الذاتية قد يجري التوافق عليها، وحسمها عبر العملية السياسية السورية والحوار بين الدولة السورية والقوى السياسية الكردية، وليس من خلال الترتيبات الأمنية الإقليمية وحدها.


تعليقات