في خطوة وصفها مختصون بـ”النقلة النوعية”، أطلقت شركة هدهد للخرائط الرقمية البارحة، تطبيقها “Hudhud Maps” رسمياً في العاصمة الرياض، ليكون أول تطبيق خرائط وملاحة سعودي 100% ينافس التطبيقات العالمية.
ويرى خبراء وتقنيوون خلال حديثهم لـ”الاقتصادية” أن امتلاك منصة خرائط وطنية يعزز السيادة الرقمية ويوفر بيانات دقيقة للجهات الحكومية والخاصة، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءة التخطيط الحضري وخدمات الطوارئ، إضافة إلى أنه دعم للاقتصاد الرقمي.
جاء الإطلاق أمس تتويجاً لاتفاقية وقعتها الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية مع البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات وشركة هدهد خلال مؤتمر “ليب 24”.
وتهدف الشراكة إلى بناء بنية تحتية جيومكانية وطنية، ودعم الشركات الناشئة، وتسهيل التنقل للمواطن والمقيم بكفاءة أعلى.
منتج تقني محلي يعزز السيادة الرقمية السعودية
يرى المهندس خالد الحبردي مختص أنظمة جيومكانية، أن التطبيق ليس منتجا تقنيا، بل هو قرار سيادي، فبيانات الموقع تسهم في التخطيط الحضري، واللوجستيات، والطوارئ، مؤكدا أن “امتلاك منصة وطنية يعني أن القرار لدينا”.
ويشاركه الرأي الدكتور أحمد المعارك خبير تقني، الذي أكد أن إطلاق خرائط هدهد يمثل خطوة إستراتيجية لتعزيز السيادة الرقمية للسعودية وتوطين التقنيات الجيومكانية بكفاءة وطنية عبر بناء قاعدة بيانات خرائطية فائقة الدقة، تشمل التفاصيل الهندسية والداخلية للمنشآت والمناطق الحضرية السعودية التي تفتقر إليها الخوارزميات العالمية.
إلى الجانب التقني، يرأى أحمد العليوي خبير في الأمن السيبراني، أن إطلاق تطبيق هدهد يكتسب أهمية إستراتيجية من منظور الأمن السيبراني والسيادة الرقمية.
وقال “يأتي استضافة خوادم التطبيق وقواعد بياناته الجيومكانية داخل السعودية خطوة أساسية لضمان عدم خروج بيانات الموقع الحساسة خارج الحدود”.
تطبيق لديه بعد اقتصادي واستثماري
يشدد إبراهيم الطريف مختص في الاقتصاد الرقمي، أن التطبيق لديه بعد اقتصادي فإطلاق “هدهد” يتجاوز كونه تطبيق، فهو استثمار في دعم الاقتصاد الرقمي عبر تمكين شركات التوصيل واللوجستيات ببيانات وطنية، وإيجاد وظائف في المسح الميداني وتطوير الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
وجاء إطلاق تطبيق «هدهد» السعودي للخرائط والملاحة، بعد عامين من التجربة والتطوير، وذلك خلال حفل أُقيم في «الكراج» بمدينة الرياض.
ويقدم التطبيق تجربة تنقّل مبنية على فهم تفاصيل الطرق والمواقع في السعودية، اعتمادًا على قدرات محلية متكاملة تبدأ بجمع البيانات ومعالجتها، وصولًا إلى إنشاء الخرائط وتحديثها داخل المملكة.
تطوير “هدهد” على يد نخبة من المهندسين والمبتكرين السعوديين
طوّر التطبيق فريق يضم نخبة من المهندسين والمبتكرين السعوديين، ليقدم للمستخدم تحديثات مباشرة لحركة المرور، وتنبيهات بالطرق المزدحمة، واقتراح مسارات بديلة، إلى جانب عرض دقيق للتقاطعات وحدود السرعة والتنبيهات المرورية. كما يوفر توجيهًا صوتيًا باللغة العربية بصوت سعودي قريب من المستخدم، مع دعم اللغة الإنجليزية.
ويتميز «هدهد» بتوجيه المستخدم بدقة إلى وجهته، وعرض صورة المكان قبل الوصول، وإتاحة استكشاف المواقع وتفاصيلها ومرافقها، إلى جانب الصور البانورامية بزاوية 360 درجة والخرائط ثلاثية الأبعاد؛ بما يقدم تجربة متكاملة تراعي تفاصيل المكان وترافق المستخدم في رحلاته اليومية.
وأكد متعب القني الشريك المؤسس لتطبيق خرائط هدهد «يمثل إطلاق هدهد ثمرة أعوام من العمل والتجربة والتطوير، عملنا خلالهما على بناء تطبيق سعودي يعرف تفاصيل المكان، ويقدم للمستخدم خدمة دقيقة وقريبة من احتياجاته اليومية. كما يؤكد التطبيق قدرة الكفاءات السعودية على تطوير حلول تقنية متقدمة، وبناء الخرائط والبيانات المكانية وتحديثها محليًا؛ لتقديم تجربة موثوقة يمكن الاعتماد عليها».
فيما قال الدكتور فارس المالكي بروفيسور في هندسة نظم الاتصالات الفضائية والمدن الذكية، إن السيادة الرقمية وأبعاد المواطنة في تطبيق “خرائط هدهد” السعودي تتكامل بنسبة 100%، لتأسيس منظومة اقتصادية مستقلة تفرز قيمة مضافة عالية عبر توطين الإنفاق التقني المليوني وخفض تكاليف واجهات (APIs) الخرائط العالمية.
أشار إلى أن التطبيق يسهم في رفع كفاءة قطاع اللوجستيات وسلاسل الإمداد، وتجويد خدمات ضيوف الرحمن بإتاحة تفاصيل هندسية دقيقة للمنشآت والمناطق الحضرية، تفتقر إليها الخوارزميات الأجنبية بالكامل.
وتستند هذه البنية الجيومكانية فائقة الدقة (Localized Geospatial Data) إلى تكاملٍ فني وثيق مع منظومة الأقمار الاصطناعية؛ حيث يعتمد التطبيق على أنظمة الملاحة الفضائية العالمية (GNSS) لتحديد المواقع اللحظية، بجانب تقنيات الاستشعار عن بُعد ومعالجة الصور الفضائية عالية الدقة لرصد التغيرات الحضرية، وتحديث شبكات الطرق آلياً بالاعتماد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي للتنبؤ بالمسارات والازدحامات.
تطبيقات الخرائط تعد بنية تحتية معلوماتية
أوضح أحمد الشهري المتخصص في السياسات الاقتصادية، أنه من المنظور الاقتصادي تشكل تطبيقات الخرائط أكثر من مجرد تقنيات للملاحة، فهي بنية تحتية معلوماتية ويمكن قراءة آثارها الاقتصادية من خلال خفض تكاليف عبر تقليل تكاليف الاحتكاك المكاني والتي تقاس من خلال الوقت والجهد والوقود، حيث تحسن حركة الأفراد اللحظية عبر الطرقات، إلى جانب الشركات في النقل اللوجستي.
وأشار إلى أن هذا الانخفاض بلا شك يرفع من الإنتاجية الكلية الفردية وعلى الاقتصاد، بما في ذلك تعزيز الثقة في الوصول في الأوقات المناسبة والأسرع، وتطبيق هدهد يمثل تجربة سعودية ستوفر قيمة عالية في اقتصاد البيانات فكل حركة أو مسار أو ازدحام أو توقف، لم تعد بلا قيمة بل أصبح لها تكلفة اقتصادية، لأن مستخدم الطريق لم يعد مستهلك لخدمة الطريق منفردة، بل أصبحت البيانات التي تولدها أثناء السير تمثل بيانات جغرافية عالية القيمة، حيث يعاد توجيهها في التعاملات التجارية والتسويقية والتوجيه المكاني المناسب وبدقة مذهلة.

