تخطَّ إلى المحتوى
إقتصاد

لمحة مقلقة عن عالم الذكاء الاصطناعي كما يراه ماسك

Ahmed Shokre7 دقائق قراءة0 مشاهدة

نجاحات إيلون ماسك عززت ثقته المطلقة بنفسه ووسّعت نفوذه من إدارة الشركات إلى التأثير في قضايا تمس المجتمع بأسره

يطرح ماسك تنظيم الذكاء الاصطناعي عبر رقابة متبادلة بين الشركات الكبرى بدلاً من الاعتماد على الحكومات

وعود “عصر الوفرة” تقوّضها مخاوف من تركز الثروة والسلطة في أيدي عدد محدود من شركات التكنولوجيا

 الخلاصة

من يدير مستقبل الذكاء الاصطناعي؟ نفوذ إيلون ماسك وشركات التكنولوجيا الكبرى يثير مخاوف من ترك مصير هذه التقنية في أيدي قلة محدودة

يبدو أن تبنّي إيلون ماسك لقب “ملك التكنولوجيا” في شركة “تسلا” لم يكن مجرد دعابة، عند النظر إليه بأثر رجعي، بل أقرب إلى إعلان عن فلسفته.

تناولت مقابلته الأخيرة مع مجلة “ذي إيكونوميست” موضوعات شتى، من مستقبل الذكاء الاصطناعي، إلى تجربته سيئة الصيت على رأس “وزارة الكفاءة الحكومية”، وصولاً إلى توقعاته باندلاع حرب أهلية في المملكة المتحدة. غير أن الخيط الذي يربط بين إمبراطوريته التجارية الشاسعة واهتماماته السياسية كان لا شك إيمانه الراسخ بمهاراته في التنبؤ، إذ قال لرئيسة تحرير المجلة، زاني مينتون بيدوز: “معدل دقة توقعاتي مرتفع جداً بالنسبة لإنسان”.

هالة العبقرية.. ومخاطر النفوذ المطلق

تعززت قناعة ماسك هذه بفعل سلسلة النجاحات التي حققها في عالم الأعمال، وما أفرزته من هالة تحيط بشخصه في أسواق المال. وتنعكس هذه القناعة أيضاً في قبضته المحكمة على الشركات التي يقودها، وفي مقدمتها “سبيس إكس” (Space Exploration Technologies)، لكن أيضاً “تسلا”.

 وفي حين أن مخاطر تركّز السلطة داخل الشركات أمر معروف منذ زمن، فإن المقلق، ولا سيما بعد متابعة هذه المقابلة، هو ما قد يحدث عندما يتجاوز “ملك التكنولوجيا” حدود الإدارة التنفيذية، ليبسط نفوذه على المجتمع بأسره.

المضحك في المقابلة أن ماسك اتهم مينتون بيدوز بأنها تعيش في “عزلة عن الواقع”. والمفارقة أن هذا الاتهام جاء من أول شخص في العالم تتجاوز ثروته تريليون دولار، وهو شخص ليس بغريب عن السفر على متن طائرات “جلف ستريم” (Gulfstream).

هجومه الشخصي هذا جاء رداً على أسئلتها المنطقية التي شككت في وصفه القاتم للمملكة المتحدة، البلد الذي تعيش فيه، والذي لم يزره هو منذ سنوات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ لجأ خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى منصته “إكس”، ليصف مينتون بيدوز بأنها “خائنة للغرب”.

يُعرف عن ماسك انزعاجه من أي تشكيك أو مساءلة. فقبل 8 سنوات، وخلال مكالمة إعلان نتائج “تسلا” مع المستثمرين، وهي مناسبة يوجّه فيها محللو “وول ستريت” أسئلتهم إلى الإدارة التنفيذية، ضاق ذرعاً ببعض الأسئلة التقليدية، وإن كانت صعبة، فقاطع طارحيها واصفاً الأسئلة بأنها “غبية”. وبعد تلك الواقعة، عدّلت “تسلا” آلية إدارة هذه المكالمات، لتمنح الأولوية لأسئلة المستثمرين الأفراد الذين يميلون عادةً إلى التساهل أكثر مع “ملك التكنولوجيا”.

سلطة ماسك تتجاوز حدود شركاته

لا غنى للمؤسسين، ولا سيما أصحاب الرؤى الطموحة، عن الثقة بالنفس. لكن النقد يؤدي وظيفة لا تقل أهمية، إذ يتيح تصحيح المسار عندما تستدعي الأوضاع ذلك. لكن ماسك محصّن إلى حد كبير ضد ذلك. فنجاحاته في السيارات الكهربائية والصواريخ منحته هالة من العبقرية، انعكست في التقييمات الفلكية لشركاته، وفي استعداد المستثمرين لتقبّل إخفاقات وتصرفات كان من شأنها أن تطيح بأي مدير تنفيذي آخر.

تشمل الأمثلة الحديثة في “تسلا”، أبرزها تعثر شاحنة “سايبرتراك” (Cybertruck) التي أصر ماسك على أنها “تبدو كأنها المستقبل”، رغم أن هذا المستقبل لم يُقبل عليه سوى عدد محدود من المشترين. كما ألحق دعمه محرضين من اليمين المتطرف ضرراً بمبيعات الشركة من السيارات الكهربائية. ومن الأمثلة الأخرى الأسبق محاولته الغريبة المزعومة للاستحواذ على “تسلا” في 2018، مع أن “التمويل المؤمّن” لم يكن مؤمّناً في الواقع. يُضاف إلى ذلك استحواذ “تسلا” على شركة “سولار سيتي” (SolarCity) عام 2016 إذ اعتبره كثيرون أقرب إلى عملية إنقاذ للشركة منه إلى صفقة استحواذ.

لكن مصالح ماسك باتت تمتد إلى قطاعات متعددة بالغة الأهمية، من الصواريخ التي تعتمد عليها “ناسا”، إلى منصة تواصل اجتماعي تؤثر في تشكيل الرأي العام، وصولاً إلى شبكة الأقمار الاصطناعية “ستارلينك” التي باتت تمتلك قدرة على التأثير في مجريات العمليات العسكرية في الحرب الأوكرانية. ومن ثم، فإن الزلات من الآن فصاعداً لا تهدد ثروات المساهمين فحسب، بل يطول مصالح المجتمع بأسره، والذكاء الاصطناعي هو بؤرة هذا الخطر.

احتل الذكاء الاصطناعي حيزاً كبيراً من مقابلة “ذي إيكونوميست”، إذ توسّع ماسك على عادته في الحديث عن الموضوع. فهو يرى أن الذكاء الاصطناعي سيتفوق على القدرات الفكرية للبشر خلال عقد، وأن جيوشاً من الروبوتات القادرة على التفكير ستنجز مختلف المهام بكفاءة ومن دون كلل. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن العالم مقبل على عصر من “الوفرة المذهلة”، وهو التعبير الذي بدأ يتكرر أيضاً في الآونة الأخيرة ضمن رسائل “تسلا” التي تواصل تطوير روبوتات بشرية الشكل.

من يحكم الذكاء الاصطناعي؟

إنه تفسير مفعم بالأمل، تفترض أن البشرية ستصبح، فيما يبدو، طبقة عالمية متفرغة للراحة، مع تلبية أجهزة وبرمجيات ذكية على نحو يفوق التصور احتياجاتها المادية. لكن ماسك لا يتبنى هذا التصور إلا جزئياً، إذ يتساءل في الوقت نفسه: لماذا يمكن لذكاء اصطناعي فائق الذكاء أن يمتثل لأوامر بشر أقل منه ذكاء؟ ولا يزال يرى احتمال أن يقضي علينا ببساطة بدلاً من ذلك.

غير أن الجانب اللافت هنا ليس في احتمال إبادة على غرار أفلام “المدمر” (Terminator)، بل في الكيفية التي يتصور فيها ماسك تجنب هذا المصير. فهو يرى أن على كبرى شركات الذكاء الاصطناعي أن تتولى مراقبة بعضها بعضاً، من خلال اختبار نماذج بعضها بعضاً لرصد أي “آثار ضارة”.

وبرأيه، وفي عالم يعاني فيه المسؤولون الحكوميون غالباً صعوبة فهم التقنيات الجديدة وتنظيمها، وربما هذه التقنية أكثر من غيرها، فإن عدداً محدوداً من الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي قادر على “إلزام بعضها بعضاً بالحفاظ على النزاهة”.

الاطمئنان إلى فكرة أن ماسك، الذي يضيق بتحديه أو الاعتراض عليه، يعد سياسات اليمين المتطرف وسطية، ومعه عدد من رموز وادي السيليكون، سيحافظون على النزاهة، قد يتطلب إيماناً شديداً على نحو مصطنع، أو بالاستقامة الإنسانية عموماً، ولا يملك المجتمع ترف أي منهما.

تكنولوجيا يُفترض أن لديها القدرة على جعل الآلات تخدمنا، فيما نخضع في الوقت نفسه لكرمها، تنذر عملياً بتآكل قدرة الإنسان على التحكم في مصيره. وسيبدأ هذا التحول عندما تُترك سلطة توجيه هذه التكنولوجيا في أيدي نخبة محدودة من قادة شركات الذكاء الاصطناعي الذين اعتادوا إدارة شركاتهم بصلاحيات شبه مطلقة، وجني معظم المكافآت.

الوجه الآخر لعصر الوفرة

صحيح أن ماسك يتوقع توفير دخل أساسي شامل وسخي لمن يفقدون وظائفهم بسبب الروبوتات، على أن تموله “الوفرة” التي ستدفع أسعار السلع إلى الانخفاض. لكن كيفية شق طريقنا نحو ذلك العالم تصبح فيه البطالة والانكماش السعري أمرين إيجابيين بطريقة ما، لا تزال غامضة في هذا الطرح، وبالتأكيد أقل وضوحاً من الثروات الهائلة التي تتراكم اليوم في أيدي قلة محدودة نسبياً.

وكما يرى كوين سلوبوديان وبن تارنوف في كتابهما (Muskism)، وعلى خلاف النموذج الصناعي الذي أرساه هنري فورد، حيث أسهم الإنتاج الضخم عالي الكفاءة في دعم الاستهلاك الجماهيري، فإن نموذج القرن الحادي والعشرين الذي يجسده أمثال ماسك، يقوم على تركيز الثروة والنفوذ.

وما تصاعد الرفض الشعبي لمراكز البيانات إلا انعكاساً لهذا التوتر. فالمعارضة لا تقتصر على المخاوف بشأن تأثيرها في الموارد، بل تنبع أيضاً من الشعور بفرض تكاليف على المجتمعات المحلية، من دون أن تحصل في المقابل على حصة واضحة من المكاسب.

لا مكان لـ”ملوك التكنولوجيا”

لا شكّ أن ثمة احتمال بأن تخيب توقعات ماسك. فبرغم إنجازاته، فإن تفاخره بارتفاع “معدل إصابته” يتجاهل إخفاقاته الكبيرة، لعل أبرزها وعوده المتكررة منذ أكثر من عقد بأن السيارات ذاتية القيادة بالكامل باتت وشيكة.

خسرت “تسلا” 168 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال آخر جلستي تداول، بعدما بدا ماسك، كما حدث في بعض محطات مقابلته مع زاني مينتون بيدوز، عاجزاً، أو غير راغب، في تقديم تفاصيل كافية تدعم ادعاءاته خلال مكالمة إعلان النتائج الأخيرة.

 والأهم أن جهوده في مجال الذكاء الاصطناعي لا تزال لا تضاهي شركات رائدة مثل “أنثروبيك” (Anthropic PBC)، ما يجعل من الصعب اعتبار آرائه المرجع الأهم في هذا المجال.

مع ذلك، من الجيد أن ماسك طرح هذه الأفكار بوضوح. فالذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل يعيد تشكيل طريقة عيشنا وعملنا، ويحمل إمكانات هائلة لإحداث تحولات عميقة، إيجاباً وسلباً. ومن هذه الزاوية، لا يختلف عن الثورات التكنولوجية السابقة في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات وغيرها، وإن كان تأثيره المحتمل ربما يكون أوسع نطاقاً وأكثر عمقاً.

وكما كان الحال مع تلك الثورات، فإن التحدي ليس في تطوير الذكاء الاصطناعي فحسب، بل في دمجه ضمن المجتمع بطريقة تحافظ على جوهر المجتمع، بما يبقي الإنسان صاحب القرار والفاعل الرئيس في رسم مستقبله. باختصار إذاً: لا مكان لـ”ملوك التكنولوجيا”.

كاتب عمود في بلومبرغ يغطي مواضيع الطاقة والتعدين والسلع. محررًا لعمود Heard on the Street بصحيفة وول ستريت جورنال، وكتب لعمود Lex بصحيفة فاينانشيال تايمز. ومصرفيًا استثماريًا سابقا.

خاص بـ “الشرق بلومبرغ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *