حين ننظر إلى الاقتصادات الكبرى، قد يبدو أن سر نجاحها يكمن في النفط أو الصناعة أو التقنية أو الخدمات. لكن الحقيقة أن هذه ليست أسباب القوة، بل نتائجها. فكل عصر اقتصادي يمتلك عنصر قوة مختلفًا، والدول التي تتصدر المشهد ليست تلك التي تملك هذا العنصر فحسب، بل التي تدرك مبكرًا أنه أصبح المحرك الجديد للنمو، ثم تعيد بناء اقتصادها حوله قبل أن يفرض الواقع عليها التغيير.
في القرون التي سبقت الثورة الصناعية كانت الأرض هي أصل الثروة، وكانت الزراعة تمثل النشاط الاقتصادي الرئيس في معظم دول العالم. لكن مع نهاية القرن الثامن عشر انتقل مركز الثقل إلى الفحم والحديد والآلة البخارية. لم يكن الفحم وحده هو الذي صنع بريطانيا، بل قدرتها على ربطه بالمصانع، والسكك الحديدية، والموانئ، والتمويل، والأسواق الخارجية.
وبين عامي 1820 و1870 ارتفعت حصة بريطانيا من الإنتاج الصناعي العالمي من نحو 10% إلى أكثر من 30%، وأصبحت تنتج نحو 40% من السلع المصنعة عالميًا، لتتحول إلى القوة الاقتصادية الأولى في ذلك العصر. فالاقتصاد لا ينمو بامتلاك المورد، بل بتحويله إلى منظومة متكاملة تعيد إنتاج النمو.
ثم جاء الكساد العظيم ليكشف أن الصناعة وحدها لا تكفي. أعادت الولايات المتحدة صياغة العلاقة بين الدولة والأسواق والاستثمار، وتضاعف الإنفاق على البنية التحتية والبحث العلمي، قبل أن تسرّع الحرب العالمية الثانية بناء قاعدة إنتاجية هائلة. وبحلول خمسينيات القرن الماضي أصبحت الولايات المتحدة تمثل نحو 27% من الناتج العالمي، لأن الجامعات، والصناعة، والتمويل، والابتكار أصبحت تعمل كحلقة واحدة، لا كقطاعات منفصلة.
وفي آسيا، لم تكن اليابان وكوريا الجنوبية تمتلكان ثروات طبيعية استثنائية، لكنهما امتلكتا رؤية مختلفة. حققت اليابان متوسط نمو تجاوز 9% سنويًا بين 1955 و1973، بينما ارتفع دخل الفرد في كوريا الجنوبية من نحو 158 دولارًا عام 1960 إلى أكثر من 34 ألف دولار اليوم، وقفزت صادراتها من أقل من 100 مليون دولار إلى أكثر من 680 مليار دولار سنويًا. لم يكن السر في السيارات أو الإلكترونيات، بل في بناء منظومة تجمع التعليم، والتمويل، والسياسة الصناعية، والانفتاح التجاري، حتى أصبحت الإنتاجية هي المورد الحقيقي.
وتقدم ماليزيا مثالًا آخر على أن الموارد الطبيعية ليست نهاية الطريق. فقد اعتمد اقتصادها لعقود على المطاط والقصدير، ثم اتجه منذ الثمانينيات إلى التصنيع وجذب الاستثمارات الأجنبية، حتى أصبحت الصناعات الكهربائية والإلكترونية تمثل نحو 40% من صادراتها السلعية، وأصبحت من أكبر المنتجين العالميين لأشباه الموصلات واختبارات الرقائق الإلكترونية. لقد غيّرت ماليزيا عنصر القوة من تصدير المواد الخام إلى تصدير القيمة المضافة.
أما إندونيسيا فقد اختارت مسارًا مختلفًا. فبدلًا من الاكتفاء بتصدير النيكل الخام، فرضت قيودًا على تصديره، وشجعت إقامة مصانع الصهر والتكرير محليًا، مستفيدة من امتلاكها أكبر احتياطيات النيكل في العالم. ونتيجة لذلك ارتفعت قيمة صادرات منتجات النيكل أضعاف عدة خلال أقل من عقد، وتحولت البلاد إلى أحد أهم مراكز سلاسل إمداد بطاريات السيارات الكهربائية عالميًا. لم يكن التغيير في المورد، بل في طريقة استثماره.
واليوم يشهد العالم تحولًا جديدًا؛ فالخدمات تمثل نحو ثلثي الناتج العالمي، بينما تراجعت مساهمة الزراعة إلى أقل من 4%. كما أصبحت الأصول غير الملموسة، مثل البرمجيات والملكية الفكرية والعلامات التجارية والبيانات، تمثل أكثر من 90% من القيمة السوقية لشركات مؤشر S&P 500، بعدما كانت أقل من خمس تلك القيمة قبل 5 عقود. وهذا يعني أن عنصر القوة لم يعد ما يُستخرج من الأرض، بل ما يُبنى داخل المؤسسات ويُنتج بالعقول.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي قراءة التحولات الاقتصادية في السعودية باعتبارها انتقالًا من النفط إلى قطاعات جديدة، بل باعتبارها إعادة تشكيل لعناصر القوة الاقتصادية. فالنفط يمثل قاعدة تمول بناء منظومة جديدة تتكامل فيها الطاقة، والتعدين، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والأسواق المالية، والتقنية، ورأس المال البشري.
فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الدول لا تتراجع لأن مواردها تنضب، بل لأنها تتمسك بعناصر القوة القديمة بعد أن يتغير العالم، بينما تتصدر الدول التي تستخدم نجاح الأمس لتمويل مصدر القوة التالي قبل أن يفرض عليها الواقع ذلك.
الرئيس التنفيذي للاستثمار في BLME

