لا تبدو الالتزامات المالية، مهما بلغ حجمها، عائقًا قانونيًا أمام خصخصة الأندية السعودية، لكنها تبقى أحد أبرز العوامل المؤثرة في تقييم الأندية، وهيكلة صفقات الاستحواذ، وتوزيع المخاطر بين البائع والمستثمر، بحسب مختصين في القانون الرياضي والاستحواذات تحدثوا إلى “الاقتصادية”.
وأعاد حجم الالتزامات المالية لنادي النصر، بحسب أنباء صحفية متداولة، والبالغة نحو 800 مليون ريال، ملف مديونيات الأندية إلى واجهة النقاش، لكنه فتح في الوقت ذاته بابًا أوسع يتعلق بآلية تعامل المستثمرين مع الأندية التي تحمل التزامات مالية مرتفعة، وهي قضية لا تقتصر على النصر، بل تمتد إلى عدد من الأندية السعودية مع استمرار برنامج الخصخصة.
ويرى المختصون أن المستثمر لا يتخذ قراره بناءً على حجم الدين وحده، وإنما ينظر إلى منظومة متكاملة تشمل طبيعة الالتزامات، والإيرادات المستقبلية، وقوة العلامة التجارية، والقاعدة الجماهيرية، والأصول الرياضية والتجارية، إضافة إلى الكيفية التي ستُهيكل بها الصفقة قانونيًا وماليًا.
المديونية ليست عائقًا قانونيًا
يرى المحامي والمستشار القانوني سعود الرمان أن وجود التزامات مالية مرتفعة لا يشكل، من حيث المبدأ، مانعًا قانونيًا أمام خصخصة النادي، ما لم توجد اشتراطات نظامية تحول دون إتمام الصفقة.
ويشير إلى أن الالتزامات تدخل ضمن مرحلة الفحص النافي للجهالة، وهي العملية التي يراجع خلالها المستثمر جميع الجوانب المالية والقانونية قبل اتخاذ قرار الاستحواذ، بما في ذلك حجم الديون، وطبيعتها، ومواعيد استحقاقها، والالتزامات المحتملة غير الظاهرة في القوائم المالية.
وبناءً على نتائج هذا الفحص، يُعاد تحديد قيمة النادي، وتوزيع المخاطر بين البائع والمستثمر، وصياغة الضمانات والالتزامات التعاقدية، وهو ما قد ينعكس أيضًا على الجدول الزمني لإتمام الصفقة.
ويقول الرمان “إن ارتفاع الالتزامات لا يغلق باب الخصخصة، لكنه يجعل هيكلة الصفقة أكثر تعقيدًا، ويؤثر في قيمتها الاقتصادية وشروط تنفيذها، وهو ما ينطبق على أي نادٍ يُطرح للاستثمار، وليس على حالة النصر وحدها”.
4 سيناريوهات لمعالجة الالتزامات
يحدد الرمان أربعة سيناريوهات قانونية تعد الأكثر شيوعًا في صفقات الاستحواذ.
السيناريو الأول يتمثل في انتقال الالتزامات إلى المستثمر الجديد، مقابل تخفيض قيمة الصفقة بما يعكس الأعباء التي سيتحملها بعد انتقال الملكية.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على تسوية الالتزامات قبل إتمام البيع، سواء من خلال المالك الحالي أو عبر ضخ رأسمال إضافي، بما يسمح بتسليم النادي للمستثمر بمركز مالي أكثر استقرارًا.
وفي السيناريو الثالث، تُعاد هيكلة الالتزامات بالاتفاق مع الدائنين، عبر إعادة جدولة الديون أو تمديد آجال السداد أو تعديل بعض شروطها، بما يتناسب مع التدفقات النقدية المتوقعة بعد انتقال الملكية.
أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر شيوعًا في الممارسة العملية بحسب الرمان، فيجمع بين أكثر من خيار، بحيث يُسوّى جزء من الالتزامات قبل البيع، بينما ينتقل الجزء الآخر إلى المستثمر وفق اتفاق واضح، مع تضمين الصفقة ضمانات وآليات تعويض إذا ظهرت لاحقًا التزامات لم يُكشف عنها خلال مرحلة الفحص.
ويؤكد الرمان أن اختيار أي من هذه السيناريوهات سيعتمد على نتائج الفحص النافي للجهالة، وطبيعة الالتزامات القائمة، ومدى استعداد كل طرف لتحملها ضمن اتفاق الاستحواذ، ما يجعل هيكلة الصفقة، وليس حجم الدين وحده، العامل الحاسم في نجاحها.
المستثمر ينظر إلى القيمة لا الدين
على الجانب المالي، يرى الدكتور محمد فضل الله، الخبير في القانون الرياضي الدولي، أن المستثمر لا يتعامل مع الالتزامات باعتبارها رقمًا يُخصم مباشرة من قيمة النادي، بل يقيّمها ضمن معادلة أشمل توازن بين قيمة المؤسسة وصافي الدين.
ويعني ذلك أن الالتزامات قد تخفض القيمة التي سيدفعها المستثمر مقابل حصته، لكنها لا تلغي بالضرورة القيمة الاستثمارية للنادي إذا كان يمتلك أصولًا قوية، وإيرادات مستقرة، وعلامة تجارية قادرة على تحقيق نمو مستقبلي.
ويضيف أن المستثمر يركز بدرجة أكبر على قدرة النادي على توليد تدفقات نقدية مستدامة من حقوق البث والرعاية والتذاكر والأنشطة التجارية، لأن هذه الإيرادات تعكس قدرة النادي على خدمة التزاماته مستقبلًا.
ويشير فضل الله إلى أن المستثمر يميز بين الالتزامات الناتجة عن استثمارات يمكن أن تحقق قيمة مستقبلية، مثل التعاقد مع لاعبين ذوي قيمة سوقية مرتفعة، وبين الالتزامات الناتجة عن عجز تشغيلي متكرر أو مستحقات متأخرة.
فالنوع الأول قد يُنظر إليه باعتباره استثمارًا يمكن استرداد جزء من قيمته، بينما يعكس النوع الثاني تحديات في الإدارة المالية والحوكمة، وهو ما يرفع مستوى المخاطر عند تقييم الصفقة.
كما تدخل العقود القائمة ضمن عملية التقييم، إذ قد تمثل أصولًا تعزز قيمة النادي إذا كانت تحقق عوائد جيدة، أو تتحول إلى التزامات إذا فرضت أعباء مالية تفوق العائد المتوقع منها.
ويرى فضل الله أن تقييم الأندية الرياضية يبدأ عادة من قدرتها على تحقيق الإيرادات المستقبلية، ثم قوة العلامة التجارية والقاعدة الجماهيرية، يليهما تقييم العقود التجارية والرياضية، فيما تأتي الالتزامات المالية كعامل يؤثر في السعر النهائي أكثر من تأثيره في القيمة الأساسية للنادي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي رقم للمديونية لا يمكن الحكم عليه بمعزل عن حجم الإيرادات السنوية للنادي وقدرته على خدمة تلك الالتزامات، إذ قد يمثل تحديًا تشغيليًا يمكن استيعابه إذا كانت الإيرادات قوية، أو يتحول إلى عبء هيكلي إذا تجاوز قدرة النادي على توليد النقد.
التجارب العالمية تدعم المستثمرين
ولا تختلف هذه المعايير عما تشهده أسواق الرياضة العالمية، إذ أُبرمت صفقات استحواذ على أندية تحمل التزامات مالية مرتفعة بعد معالجتها ضمن هيكلة الصفقة، وليس باعتبارها سببًا يمنع انتقال الملكية.
ففي إنجلترا، خضع تشيلسي قبل انتقال ملكيته في 2022 لفحص مالي وقانوني شامل، وشملت الصفقة معالجة الالتزامات ضمن هيكل الاستحواذ لضمان استمرارية أعمال النادي.
كما واصل مانشستر يونايتد نشاطه كأحد أعلى الأندية قيمة في العالم رغم الديون المرتبطة بصفقة استحواذ عائلة غليزر، مستفيدًا من قوة علامته التجارية وإيراداته التجارية.
وفي إيطاليا، انتقلت ملكية ميلان أكثر من مرة خلال سنوات شهدت خسائر والتزامات مالية، فيما اعتمد المستثمرون على إعادة الهيكلة وتحسين الأداء المالي، كما شهد إنتر ميلان عمليات إعادة تمويل وانتقال في الملكية دون أن يفقد جاذبيته الاستثمارية.
وتؤكد هذه التجارب أن المستثمرين ينظرون إلى الالتزامات باعتبارها أحد عناصر التقييم، وليس العامل الوحيد في اتخاذ قرار الاستثمار، متى ما كانت الإيرادات، والأصول، والعلامة التجارية، قادرة على خلق قيمة مستقبلية.
هيكلة الصفقة تحسم القرار
تكشف القراءة القانونية والمالية لملف خصخصة الأندية السعودية أن السؤال لا يتعلق بحجم الالتزامات وحده، بل بكيفية توزيعها بين أطراف الصفقة، والآليات التي ستُستخدم لمعالجتها، سواء عبر التسوية، أو إعادة الهيكلة، أو انتقال جزء منها إلى المستثمر الجديد.
ومع استمرار برنامج الخصخصة، تبدو هيكلة الالتزامات مرشحة لأن تصبح أحد أهم عناصر التفاوض في صفقات الاستحواذ المقبلة، فيما ستخضع الأندية المطروحة للاستثمار للمعايير نفسها، بدءًا من الفحص النافي للجهالة، مرورًا بتقييم الإيرادات والأصول، وانتهاءً بتحديد آلية توزيع الالتزامات بين أطراف الصفقة.
وفي المحصلة، تبدو الالتزامات المالية عاملًا يعيد تشكيل صفقات الخصخصة أكثر من كونها عائقًا يمنعها. وسيظل نجاح أي صفقة مرتبطًا بقدرة النادي على تحويل أصوله، وقاعدته الجماهيرية، وإيراداته المستقبلية إلى قيمة استثمارية مستدامة، فيما يبقى حجم الدين عنصرًا مهمًا في التقييم، لكنه لن يكون العامل الوحيد في قرار المستثمر.

