يتصدر أول تقرير لنتائج أعمال شركة “سبيس إكس” (SpaceX) منذ طرحها العام الأولي الضخم قائمة الأحداث الأكثر ترقباً في “وول ستريت” هذا الصيف. لكن يبقى السؤال: هل سيكون كافياً لإقناع المستثمرين بالعودة إلى شراء السهم المتراجع؟
كانت شركة إيلون ماسك، المتخصصة في الأقمار الصناعية والفضاء والذكاء الاصطناعي، قد طرحت أسهمها للاكتتاب العام بسعر 135 دولاراً في يونيو.
ومنذ ذلك الحين، شهد السهم تقلبات حادة، إذ قفز إلى 225 دولاراً خلال الأيام الأولى من التداول، قبل أن يتراجع إلى ما دون سعر الطرح. وأنهى السهم تعاملات يوم الاثنين عند 114.53 دولاراً، منخفضاً 15% عن سعر الاكتتاب و49% عن ذروته المسجلة في 16 يونيو، ما أدى إلى تبخر أكثر من تريليون دولار من قيمته السوقية مقارنةً بتلك الذروة.
النتائج المالية ستمنح المستثمرين فرصة لإعادة تقييم السهم. لكن المشكلة تكمن في أن “سبيس إكس” لا تحقق أرباحاً، فيما لا يزال نموذج أعمالها ينطوي على قدر كبير من عدم اليقين، ما يعني أن نتائجها قد تثير أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات.
ومع بقاء السهم متداولاً عند تقييمات مرتفعة للغاية رغم موجة التراجع الأخيرة، سيكون من الصعب جذب مستثمرين جدد.
قال درو كابس، مدير المحافظ الاستثمارية ورئيس فريق الاستثمار “5Perspectives Growth Team” في شركة “بولين كابيتال” (Polen Capital) التي تمتلك حصة صغيرة في “سبيس إكس”: “جزء كبير من قصة سبيس إكس لا يزال مرهوناً بالمستقبل، فالكثير لم يُنجز بعد، لذا ليس هناك شيء يمنحك الاطمئنان”. وأضاف “لا يوجد الكثير ممّا يمكن الحكم عليه الآن، ولا يمكنك الاستناد إلى نتائج العام الماضي لتبرير السعر الذي يجب أن تدفعه الآن”.
تدفق الأسهم يفاقم الضغوط
يواجه السهم تحدياً آخر أكبر، إذ تستعد السوق لاستقبال موجة من أسهم “سبيس إكس” مع انتهاء أولى فترات حظر البيع المفروضة على المستثمرين الأوائل، وذلك بعد يومين من إعلان نتائج الأرباح.
وقد يدخل إلى السوق ما يصل إلى 911.5 مليون سهم من أسهم “سبيس إكس” في السادس من أغسطس، بقيمة تتجاوز 100 مليار دولار. ولن يكون ذلك سوى بداية موجة أكبر، حيث ستصبح مليارات الأسهم الإضافية قابلة للتداول قبل نهاية العام. ومن شأن كل ّلك أن يفرض ضغوطاً على السهم، وفقاً لاعتبارات العرض والطلب في السوق.
وعلى حدّ وصف كين ماهوني، الرئيس التنفيذي لشركة “ماهوني لإدارة الأصول” (Mahoney Asset Management): “إنها فوضى عارمة”.
يتوقع محللو وول ستريت أن تسجل “سبيس إكس” خسارة قدرها 24 سنتاً للسهم خلال الربع الثاني، وإيرادات تبلغ 6.8 مليار دولار. لكن هذه التوقعات لا تزال متقلبة، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن الشركة، إذ رفع المحللون تقديراتهم للخسائر المتوقعة بنسبة 18% خلال الشهر الماضي.
وقال جيم ليبنثال، كبير استراتيجيي الأسواق في شركة “سيريتي بارتنرز” (Cerity Partners): “ثقتي في هذه التقديرات محدودة جداً. ولا أقصد الإساءة، لكنني أعتقد أنهم في الغالب يحاولون استشعار الاتجاه دون بيانات كافية”.
الذكاء الاصطناعي و”ستارلينك” في صدارة اهتمام المستثمرين
سيتركز اهتمام المستثمرين والمحللين بشكل أساسي على تعليقات الإدارة بشأن تقدم الشركة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وخدمة “ستارلينك”، وأعمال إطلاق الصواريخ.
وقال كابس: “لا نملك قوة ربحية واضحة يمكن مقارنتها بقطاعات أخرى في السوق، لكن لدينا مجموعة من الأصول الطموحة والقدرات الهائلة التي لا ينافسها أحد في بعض المجالات”.
وتأتي نتائج “سبيس إكس” بعد موسم قوي لإعلانات النتائج من الشركات الكبرى المنفقة بكثافة على الذكاء الاصطناعي، مثل “ألفابت”، و”مايكروسوفت” ، و”أمازون”. ويكافئ المستثمرون بشكل خاص الشركات التي تظهر عوائد واضحة على إنفاقها الرأسمالي، وهو ما انعكس في ارتفاع أسهم “أمازون” و”مايكروسوفت” عقب إعلان نتائجهما.
وتبلغ القيمة السوقية لـ”سبيس إكس” نحو 1.5 تريليون دولار، لتقترب من حجم العديد من شركات التكنولوجيا العملاقة، كما تتجاوز قيمة شركة ماسك الأخرى، “تسلا”. لكن أوضاعها المالية لا تزال بعيدة عن تلك الشركات، على الأقل في الوقت الراهن، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى التدقيق بشكل أكبر في خطط الإنفاق.
ويتوقع المحللون أن تبلغ النفقات الرأسمالية للشركة 18.5 مليار دولار خلال الربع، وأن ترتفع إلى 45.5 مليار دولار خلال عام 2026.
تقييم مرتفع وضغوط متزايدة من البائعين على المكشوف
المشكلة الرئيسية التي تواجه سهم “سبيس إكس” تكمن في تقييمه السوقي المرتفع للغاية. إذ يتداول السهم عند نحو 448 ضعف الأرباح المتوقعة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، وهو أعلى مضاعف ربحية بين جميع شركات مؤشر “ناسداك 100″، كما يتداول عند 26 ضعف المبيعات المتوقعة، وهو من بين أعلى 10 مضاعفات في المؤشر الذي يهيمن عليه قطاع التكنولوجيا.
ويفسر ذلك ارتفاع نسبة البيع على المكشوف في سهم “سبيس إكس”، التي تعكس رهانات المستثمرين على هبوط السهم، إلى 34% من الأسهم الحرة المتاحة للتداول، مقارنة بنحو 18% قبل شهر، بحسب بيانات شركة “إس 3 بارتنرز” (S3 Partners). كما تجاوزت رهانات البيع على المكشوف ضد “سبيس إكس” نظيرتها المسجلة على “تسلا”.
رغم ذلك، لا يزال محللو وول ستريت متفائلين إلى حد كبير بالسهم. فمن بين 39 محللاً يتابعون الشركة لدى “بلومبرغ”، يوصي 30 منهم بشراء السهم، كما أن عدداً قليلاً فقط تراجع عن توقعاته المتفائلة التي أطلقها عند إدراج الشركة.
ويتمسك المحلل براين غيسوالي من شركة “ريموند غيمس” (Raymond James) بتوقعه وصول السهم إلى 800 دولار خلال الإثني عشر شهراً المقبلة، مدفوعاً بنمو هائل في الإيرادات.
كما جدد آدم جوناس من “مورغان ستانلي” السعر المستهدف عند 300 دولار، وقال إن تداول السهم قرب مستوى 100 دولار يعني ضمناً أن السوق يقيّم نشاط الذكاء الاصطناعي في الشركة عند صفر، ما يجعله نقطة دخول جذابة للمستثمرين.
أما دوغلاس هارند من شركة “بيرنشتاين” (Bernstein)، فيحث المستثمرين على تجاهل تفاصيل نتائج الأعمال والتركيز بدلاً من ذلك على مدى ثقة الإدارة في مستقبل الشركة.
“نعتقد أن النتائج الفصلية لا ينبغي أن تكون العامل الحاسم”، حسبما كتب محللو “بيرنشتاين” بقيادة هارند في مذكرة للعملاء يوم الجمعة. وأضافوا: “ما سيكون مهماً هو مستوى الثقة الذي ستعكسه الإدارة بشأن مسار نمو الشركة. وينبغي للمستثمرين أن ينظروا إلى ما هو أبعد من تحركات السهم قصيرة الأجل، لأننا نرى أن الوصول إلى تقييم يتجاوز عدة تريليونات دولار يتعلق بمسألة (إذا) وليس (متى)، في ظل خطط الشركة لإنشاء مراكز بيانات مدارية”.
وفي سياق منفصل، تجاوزت القيمة السوقية لشركة “أمازون” مستوى 3 تريليونات دولار للمرة الأولى، لتصبح خامس شركة في التاريخ تصل إلى هذا الإنجاز.



