شهدت السنوات الأخيرة، توسعاً لافتاً من قبل البنوك في عقد شراكات مع منصات التجارة الإلكترونية، لتتيح لحاملي بطاقاتها تقسيط مشترياتهم عبر هذه المنصات، وهو ما أسهم في تبسيط تجربة المستخدم وتسريع القرار الشرائي، وتوزيع التكلفة دون أعباء مالية فورية، وفي الوقت ذاته يعزز من قدرة البنوك على توسيع قاعدة عملائها وزيادة مستويات الولاء.
كثفت البنوك عروضها الترويجية، التي تشمل تقسيطاً دون فوائد أو بفوائد منخفضة، وفترات سداد مرنة، إلى جانب خصومات قد تصل إلى 20%، فضلاً عن مزايا مثل الاسترداد النقدي وبرامج المكافآت. ويرى خبيران مصرفيان، أن هذه الشراكات عززت سهولة الشراء ومرونته، لكنها قد تتحول إلى محفز للاستهلاك المفرط في حال غياب الوعي المالي، مشيرين إلى أن التحدي لا يكمن في استخدام عروض التقسيط بحد ذاته، بل في الإفراط فيه، إذ قد يجد العميل نفسه أمام التزامات شهرية متعددة، وشددا على أن التخطيط المالي، يعد عاملاً حاسماً لتحقيق الاستفادة من هذه العروض بشكل إيجابي، دون الوقوع في ضغوط إنفاق متزايدة.
استجابة طبيعية
أكد مالك عبدالكريم، الخبير المصرفي، أن الشراكات بين البنوك ومنصات التجارة الإلكترونية، ساهمت في تبسيط تجربة الشراء، من خلال دمج خيارات التقسيط مباشرة أثناء عملية الشراء بشكل فوري وسلس، مع توزيع التكلفة دون أعباء مالية مباشرة، وهو ما يدعم البنوك في بناء قاعدة أوسع من العملاء، مشيراً إلى أن هذا التكامل بين القطاع المصرفي والتجارة الإلكترونية ساهم في خلق بيئة استهلاكية جديدة، تعتمد على الراحة والسرعة وتعدد الخيارات.
وأضاف أن التوسع في عروض التقسيط، يعكس استجابة طبيعية للتطورات الرقمية وسلوك المستهلكين، كما يسهم في تنشيط حركة الاستهلاك ودعم نمو التجارة الإلكترونية، ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد بشكل عام.
وأوضح أنه رغم المزايا والمرونة التي توفرها هذه العروض، خاصة عند شراء سلع ضرورية، إلا أن التحدي لا يكمن في استخدامها، بل في الإفراط فيها، فمع سهولة الاستخدام وتوافر العروض، قد يجد العميل نفسه ملتزماً بعدة أقساط شهرية في وقت واحد، لكل منها مدة وشروط مختلفة، محذراً من تحول هذه الأقساط الصغيرة إلى عبء مالي متراكم، يستنزف الدخل ويؤثر في القدرة على الادخار أو مواجهة الطوارئ.
وبين أن هذا التراكم يحدث تدريجياً وبشكل غير ملحوظ، حيث يعتاد العميل على اقتطاع مبالغ شهرية، دون إدراك الحجم الإجمالي لالتزاماته، ليجد نفسه لاحقاً أمام دخل مستنزف يصعب معه إعادة التوازن المالي. مشدداً على أن الوعي المالي يظل العامل الحاسم، إذ إن العميل الذي يدرك التزاماته، ويخطط لنفقاته سيكون أكثر قدرة على استخدام هذه العروض بشكل إيجابي، دون الوقوع في فخ الاستهلاك المفرط.
أنماط الاستهلاك
قالت عواطف الهرمودي، الخبيرة المصرفية، إن العروض الترويجية للتقسيط، كشفت عن وجود نمطين رئيسيين من المستهلكين، يتمثل الأول في المستهلك الواعي والمدرك لقراراته المالية، الذي يقيم احتياجاته بدقة قبل الإقدام على الشراء، فيما يتمثل الثاني في المستهلك الذي ينجرف وراء العروض وسهولة الأقساط.
وأضافت أن هذه العروض، تمثل أداة مالية مفيدة إذا أحسن استخدامها، لكنها قد تتحول إلى محفز للاستهلاك السلبي في حال غياب الوعي والانضباط، ورغم ما توفره من مرونة، أسهمت في إحداث تغير ملحوظ في سلوك المستهلكين.
وأوضحت أن التركيز على قيمة القسط الشهري بدلاً من التكلفة الإجمالية للمنتج، يدفع بعض المستهلكين إلى قرارات اندفاعية، ما يؤدي إلى شراء سلع غير ضرورية، بدافع سهولة الدفع على المدى القصير، لافتة إلى أن الأقساط الصغيرة قد تخلق وهماً بالقدرة المالية، إذ يبدو المنتج في متناول الميزانية، بينما تتراكم الالتزامات تدريجياً مع تكرار عمليات الشراء، ما ينعكس سلباً على المرونة المالية للأفراد، ويحد من قدرتهم على مواجهة أي طارئ، ويضعهم في دائرة من الضغوط المالية.
وأشارت إلى أن توزيع الأقساط على أكثر من جهة أو منصة يزيد من صعوبة إدارتها، ويرفع احتمالات التأخر في السداد، وما يترتب عليه من رسوم إضافية وتأثيرات في السجل الائتماني، مؤكدة على أهمية تحديد نسبة معقولة من الدخل للأقساط الشهرية، مع ضرورة الاحتفاظ باحتياطي لا يقل عن 10% من الدخل، لمواجهة أي ظروف غير متوقعة.


تعليقات