يتناول المقال ظاهرة “عقوبة الكفاءة” حيث يُحمَّل الموظف المتميز مزيداً من المهام بحجة كفاءته، بينما يُترك الموظف الخامل في منطقة راحة آمنة، مما يؤدي إلى “استنزاف نظيف” يسبب الاحتراق النفسي وفقدان الكفاءات والذاكرة المؤسسية. ويؤكد الكاتب أن الحل يكمن في حوكمة عادلة لتوزيع الأحمال (مثل استخدام مصفوفات…
في المنظومات الإدارية المستقرة، تنشأ معضلة سلوكية بالغة الدقة والخطورة، تُمارس غالباً بنوايا حسنة ودون وعي مؤسسي حقيقي. تتلخص هذه المعضلة في ظاهرة غير مكتوبة يمكن تسميتها “عقوبة الكفاءة”؛ حيث يجد الموظف المتميز والمخلص نفسه مكافأً بمزيد من المهام، ومحاصراً بسيل لامتناهٍ من التكليفات الطارئة، لا لشيء إلا لأنه “ينجز بكفاءة وفي الوقت المحدد”. وفي المقابل، يتم التغاضي عن الموظف الخامل أو محدود القدرات، ويُترك مستريحاً في زاوية الأمان المهني تجنباً لبطئه أو ضعف مخرجاته.
هذا النمط السلوكي لا يصدر بالضرورة عن سوء نية قيادية، بل ينبع من رغبة القائد الطبيعية في اللجوء إلى “العنصر المضمون” لضمان سرعة تسيير الأعمال. لكن خلف هذا البريق التشغيلي المؤقت، يتشكل “الاستنزاف النظيف”؛ وهو احتراق ناعم ومنظم يسرق شغف المخلصين ويهدد استدامة رأس المال البشري الثمين.
سيكولوجية “العكاز المهني” وفخ الاعتماد المفرط
يلجأ الكثير من المديرين إلى الموظف المتميز كنوع من “العكاز الاستراتيجي” الذي يتكئ عليه في اللحظات الحرجة والمشاريع المعقدة. يُغلف هذا اللجوء المتكرر بعبارات رنانة مثل: “أنت رجل المهمات الصعبة”، أو “لا أحد يستطيع إغلاق هذا الملف غيرك”. هذه الصياغات المواربة تبدو في ظاهرها تقديراً واستحقاقاً، لكنها في باطنها السلوكي آلية لترحيل الأحمال الإدارية من المنظومة ككل إلى كاهل فرد واحد.
المشكلة هنا أن هذا “الاستنزاف النظيف” يمارس بهدوء وبأدوات بيضاء؛ فلا يرافقه صراخ أو تهديد، بل يُدعم بالمديح المستمر، مما يجعل الموظف المخلص يقبل بهذه الأعباء مدفوعاً بمسؤوليته الأخلاقية وحيائه المهني، حتى يصل إلى مرحلة “الاستقالة النفسية” أو الانطفاء المفاجئ دون أن تشعر القيادة بالمؤشرات الأولية لهذا التآكل.
الفصام التنظيمي.. تدليل الخامل ومعاقبة المجتهد
عندما ترسخ ثقافة الاعتماد المفرط على النجم الأوحد أو القلة المخلصة، تقع المنظمة في حالة من الفصام التنظيمي الحاد. يصبح المبدع هو المسؤول عن أخطائه وعن أخطاء غيره، ويُحاسب بصرامة على أي هفوة لأن سقف التوقعات حوله مرتفع جداً. وفي الوقت ذاته، يتم قبول الأداء المتواضع من الموظف الخامل كأمر واقع؛ فلا يُكلف بمهام حساسة، ولا يُضغط عليه لتطوير أدواته، بل يُكافئ عملياً بمنحه “مساحة راحة مجانية” مدفوعة الأجر من جهد زملائه.
هذه المساواة الجافة في المزايا والمخرجات النهائية، مع التفاوت الصارخ في حجم التضحيات والبذل الميداني، هي أقصر طريق لضرب العدالة المؤسسية. إن المنظمة التي تسمح بوجود “موظفين أشباح” يتفرجون على احتراق زملائهم المخلصين، هي منظمة تُراكم خسائر سلوكية ستدفع ثمنها غالياً عند خروج هذه الكفاءات من المنظومة.
حقيقة إدارية:
إن الثقة القيادية التي لا يرافقها حوكمة واضحة لتوزيع الأحمال تتحول إلى “استغلال مقنع”؛ والمنظمة التي تفرط في تحميل حصانها الرابح، تنتهي بكسره وخسارة السباق بأكمله.
التحول نحو “حوكمة الأحمال” وعدالة توزيع الأثر
في ظل القفزات النوعية التي تشهدها بيئات الأعمال السعودية المعاصرة تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030، أصبح لزاماً على المنظمات والشركات الانتقال من الإدارة القائمة على الفزعات أو العلاقات الفردية إلى قيادة حوكمة الأثر. “الاستنزاف النظيف” يجب أن يُحارب عبر تصميم مصفوفات واضحة للمسؤوليات (مثل مصفوفة RACI) تضمن عدم تركز العمليات الحرجة في يد قلة مستنزفة.
القائد الملهم والناضج لا يكتفي بالنظر إلى لوحة الإنجازات النهائية ليسأل “هل تم العمل؟”، بل يمتلك الفضول الأخلاقي ليسأل “من الذي أنجزه؟ وكم استغرق من طاقته وصحته النفسية؟”. إن توزيع الضوء والجهد بإنصاف داخل الفريق لا يحمي المتميزين فحسب، بل يجبر الموظف التقليدي على الخروج من منطقة خموله والمساهمة الفعلية في صناعة القيمة المضافة للمنظمة.
تكلفة دوران الكفاءات وهدر الذاكرة المؤسسية
إن الخسارة الحقيقية الناتجة عن “الاستنزاف النظيف” ليست في تراجع أرقام الإنتاجية اللحظية، بل في التكلفة الباهظة لعلاج آثار الاحتراق الصامت. عندما تقرر الكفاءة المخلصة الرحيل بعد سنوات من العطاء غير المتوازن، فإنها لا تأخذ معها جسدها فقط، بل تسحب معها “الذاكرة المؤسسية”، والقدرة على حل المشكلات المعقدة، وثقافة الشغف التي كانت تغذي الفريق.
المنظمات الذكية هي التي تدرك أن الحفاظ على المخلصين لا يكون بزيادة الرواتب والمزايا المادية فحسب -على أهميتها- بل بحمايتهم من “توطين المسؤولية المفرطة”. الاستثمار في بناء منظومة أمان مهني ونفسي تسمح للموظف بأن يقول “لا” عندما تتجاوز الأحمال طاقته الاستيعابية، هو الاستثمار الحقيقي الذي يضمن استدامة رأس المال البشري وتميز المخرجات على المدى الطويل.
توصيات عملية للقادة لإيقاف نزيف “الاستنزاف النظيف”:
-
مراجعة وتوزيع الأحمال الدورية: لا تترك توزيع المهام خاضعاً لعفوية اللحظة أو سهولة اللجوء للمتميز؛ ضع جدولاً واضحاً يوضح حجم التكليفات لكل فرد في الفريق.
-
رفع كفاءة الصف الثاني: حوّل المشاريع الحساسة إلى فرصة لتدريب الموظف الأقل أداءً تحت إشراف المتميز، بدلاً من إقصاء الأول واستنزاف الثاني.
-
مكافأة الإنجاز بحجم التضحية: إذا كان لا بد من الاعتماد على النجم الأوحد في مرحلة استثنائية، يجب أن يرافق ذلك تمييز إيجابي صريح، ومساحات تعويضية للراحة وتجديد الشغف، ليعلم أن المنظمة ترى حجم عطائه وتُقدره بدقة.
خاتمة
عزيزي القائد..إن ميزة المنظمات العظيمة لا تكمن في قدرتها على العثور على موظفين مخلصين، بل في قدرتها على حماية هذا الإخلاص من التآكل والاندثار. فلا تجعل من كفاءة فريقك المتميز وسيلة مريحة لغض الطرف عن تقاعس الآخرين أو الهروب من استحقاقات التطوير والمحاسبة للبقية.
النجاح المستدام هو أن تقود فريقاً يتحرك بكامل طاقته وجاهزيته، حيث يشعر كل فرد فيه بمسؤوليته عن الأثر، وحيث يُعامل الشغف كأصل استراتيجي غالٍ يجب رعايته وحمايته، لتبقى المنظمة قوية، شابة، ونابضة بالحياة تليق بطموح وطن لا يرضى إلا بالصدارة.تذكر دائماً:
“كفاءة موظفك المخلص هي ثروة منظمتك،
والاستمرار في استنزافها دون حوكمة عادلة هو تبديد للمستقبل؛
فالشموع التي تضيء ممرات المنظمة بجهدها،
تنطفئ للأبد إذا لم تجد قيادة تحمي لهيبها من الاحتراق الصامت”.
أحمد علي العمودي
خبير استراتيجي، مستشار تطوير الأعمال
https://ahmedalamoudi.com

تعليقات