مهرجان القاهرة يحتفي بزنقة مالقة والسينما المغربية

متفاصيلتي لفيلم “زنقة مالقة” تركت هيئة من المشاعر المختلطة، وكأن المشهد لا ينتهي عند خروجك من القاعة، بل يستمر داخلك. الفيلم عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته السادسة والأربعين، داخل أروقة دار الأوبرا المصرية، وحاز على تفاعل واضح من الحضور.

القصة تلتقط شعوراً بسيطاً، لكنه عميق جداً، وهو الوحدة. ليست وحدة اختيارية، بل فرضت على بطلة العمل. أم تفقد ابنتها التي اختارت الرحيل إلى مهجر بعيد، وعودتها لم تكن مصحوبة بالرحمة، بل بأفعال تترك الأم بلا مأوى.

التحول هنا ليس درامياً فحسب، بل إنّه يفتح تساؤلات عن احترام الإنسان في شيخوخته، وعن طريقة نظرة المجتمع لكبار السن. المتفاصيل تتبدّل بين لحظات امتداد الحزن، وومضات من الأمل، ثم عودة مفاجئة إلى الخوف والقلق.

الأداء التمثيلي لافت، خصوصاً ماريا أنخيليس، البالغة نحو تسعة وسبعين عاماً، التي حملت الشخصية بصدق. صمتها أكثر بلاغة أحياناً من الكلمات، وحركاتها الصغيرة تحدث صدى كبيراً لدى الجمهور.

المخرج اختار لغة بصرية دقيقة. الإضاءة والألوان خدمت الحالة النفسية. الكادرات وضعت المتفاصيل في موقع المتفرج والمتأمل في آن واحد، وهذا ما يجعل العمل يلتحم مع المشاعر. الصور تختصر حكايات طويلة.

الموسيقى جاءت خفيفة، لكنها فعالة. لا تحاول أن تملأ الفراغ، بل تترك مساحة للتأمل. وهنا يكمن جمال الفيلم، في أن كل عنصر يترك فرصة للمتفاصيل أن يكمل النص بعينه.

أثناء العرض كان الصمت يتقطّع بالضحك في متفاصيل، وبالزفرات في أخرى. الجمهور تابع بشغف، ثم خرج مزيداً من الأسئلة، وليس إجابات جاهزة. وربما هذا ما يجعل الفيلم عملًا طازجاً، وهاماً، في زمن تهيمن عليه الإنتاجات التجارية.

العمل المغربي أثبت وجوده مجدداً. الإنتاج، والملابس، وتصميم المشهد، كلّها عوامل داعمة لقصة إنسانية. المشهد الفني في المغرب يستمر في إهداء السينما أعمالاً تحمل هوية واضحة.

الفيلم لا يقدم حلولاً سريعة. بل يعرض واقعاً، ويترك باب النقاش مفتوحاً. من يخرج من القاعة يشعر أنه احتفظ ببعض من ألم البطلة، وبعض من قوة محاولتها للثبات.

في النهاية، “زنقة مالقة” عمل يجعل المتفاصيل يتذكر تفاصيل صغيرة في حياته. يجعلنا نتساءل عن مَن حولنا، وعن واجباتنا تجاه من تركهم الزمن في محطات ضعف. عمل مهم، وصوت سينمائي واضح.

انا عبدالله عربي كاتب ومحرر في عدة مواقع إخبارية