
لم يعد المسرح الحجم الوحيد لخداع الأبصار، بل امتدت خشبة العرض إلى شوارع الحياة وشاشاتها الذكية؛ حيث أضحت “الصفة” ثوباً يُستعار، واللقبُ قناعاً يُرتدى.
بين هوس يفتش عن هيبة مفقودة، ونصبٍ يقتنص أموال السذج، احتلّ منتحلو الصفات مساحات واسعة من التداول، متحولين من مجرد خارجين عن القانون إلى ظاهرة تستدعي التأمل والتصدّي.
المشهد الدرامي مكتظ بالتفاصيل؛ فذاك رجلٌ يستعير “وشاح العدالة” ويزين كتفيه ببدلة لا تليق بإثمه، مقيماً على منصات التواصل محكمةً من سراب، يمارس فيها دور القاضي ويستنزف جيوب البسطاء، حتى سقطت سريعا “مطرقة الحقيقة” لتنهي المسرحية.
وتلك أخرى تشتبك مع سائق، فتسقط في فخ الادعاء وتمنح نفسها سلطة “صاحبة الجلالة”، ملطخة شرف الصحافة ببطاقة وهمية ومواقف طائشة.
ولعلّ شرّ البلية ما يبعث على التهكم؛ حين يقدم أشخاص أنفسهم كـ “إعلاميين” ملء السمع والبصر، يتصدرون المجالس ويعتلون المنصات، بينما تكشف الأوراق أنهم لم يكملوا تعليمهم ولم ينالوا مؤهلاً عالياً، فصاروا أمثولة في سرقة الصفة والتطاول على الفكر.
أما من ارتدوا زيفاً “زيّ السلطة” لابتزاز الناس منتحلا صفة ضباط شرطة، فقد ارتطم طمعهم بيقظة أمنية حاسمة لا تُهادن.
إن الجهود المتواصلة لوزارة الداخلية في ملاحقة هؤلاء المزيفين، والشوط الكبير الذي قطعته نقابة الصحفيين لتطهير الحقل الصحفي، يمثلان السد المنيع أمام هدم المؤسسات.
غير أن الوعي المجتمعي يظل حجر الزاوية؛ فسرعة الإبلاغ عن هؤلاء هي ما يكسر زجاج أقنعتهم.
ليس انتحال الصفة مجرد جشع مال، بل هو في جوهره فقر نفس واعتلال شخصية يستوجب العلاج النفسي العاجل؛ فمن عجز عن بناء ذاته بالحقيقة، لجأ إلى سرقة ذوات الآخرين، ليفلس في النهاية أمام حقيقة نفسه وسياط القانون.

