محمد السعدون.. حين يتحدث الغياب بلغة الأثر

محمد السعدون.. حين يتحدث الغياب بلغة الأثر

انطفأت اليوم شمعةٌ من شموع العلم، وخَبَا قنديلٌ من قناديل العطاء، برحيل الأستاذ الدكتور محمد السعدون، الذي ترك خلْفه قلوباً يملؤها الأسى، وكلماتٍ تخنقُها العَبَرَات.
رحل السعدون الذي كان للطِّيبِ عنواناً، وللإنسانية مثالاً، فغاب الجسدُ، وبقي الأثر ممتدًا في تفاصيل حياتنا، نابضاً في قلوبنا، ساكناً في ذاكرتنا التي لا تنسى الأوفياء.
رحل الفقيدُ تاركاً خلْفه فراغاً لا يملؤه إلا الإرث العلمي الذي بناه بصدق، والأثرَ الإنساني الذي خلّفه في قلوب زملائه وطلابه ممن استناروا بخبرته وتجاربه، فهو لم يكن مجرد أكاديمي نعتزُّ بزمالته، بل كان مرجعًا علميًا يعتمد عليه الباحثون والمتخصصون في علوم الأحياء.
وسط هذا الغياب المؤثر، رحتُ أتساءل: كيف أكتبُ عن صمتٍ لم أعتدْه، وكيف أصفُ فراغاً لا يملأه إلا الذكريات، التي يبقى الحديثُ فيها عن الفقيد حديثاً ذا شجون لا تكفيه آلاف السطور؟
شهدتْ كلية العلوم (قسم علم الحيوان) بجامعة الملك سعود على شغفه بالعلم، وظل في قاعاتها الأستاذ المُلِهم الذي لا يكتفي بنقل المعرفة إلى طلابه، بل كان يزرع فيهم شغف الاكتشاف، وقيمَ المسؤولية، ليصنع منهم باحثين يحملون هَمّ العلم ورسالة الوطن، بعد أن غرس فيهم قيم الالتزام والمسؤولية ليكونوا امتداداً حياً لمسيرته التي قدَّم خلالها الكثير من الأبحاث والدراسات المعززة لجهود حفظ إرثنا الطبيعي. فلم يكن الفقيدُ مجرد أكاديمي مرموق، بل كان أحد العقول التي أسهمتْ في صياغة الوعي البيئي وتعزيز مسارات التنمية المستدامة، مستنداً إلى إيمانٍ عميقٍ بأن التنمية الحقيقية لا تقوم إلّا على فهم دقيق لتوازن الحياة بكل مكوناتها.
زاملتُه في المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية عضواً في مجلس الإدارة ومستشارا في اللجنة العلمية في المركز، فكان حضورُه فاعلاً ومؤثراً، حيث شارك برؤيته العلمية الثاقبة ورأيه الحصيف وعقله الراجح في دعم توجهات المركز وتعزيز مبادراته الهادفة الى حماية التنوع الأحيائي وصون الموارد الطبيعية، إذ كان دوماً حاضراً بفكره، يُثري النقاشات، ويقود الرأي نحو قرارات مبنيةٍ على العلم والخبرة. وأثمر هذا العمل عن إصدار كتاب العقارب في المملكة العربية السعودية يتناول أنواعها وتصنيفها وسمّيتها، ويوثق خصائصها وتوزيعها وأهميتها البيئية.
قدَّم الفقيدُ عصارة فكره وسخّر خبراته لخدمة العمل البيئي، فكان من أوائل من أسهموا في وضع اللبنات العلمية لهذا المسار الحيوي، مشاركاً في بناء إطار معرفي يعزز من حضور العلوم البيئية في السياسات الوطنية، ويسهم في ترسيخ مفاهيم الاستدامة، انطلاقاً من فهم دقيق للتحديات البيئية في المملكة.
عرفتُ الفقيدَ صوتًا علميًا رصينًا، ذا حضورٍ وطني فاعل، جمع بين عمق المعرفة ونُبل الرسالة، وتميَّز بقدرة استثنائية على الربط بين العديد من التخصصات، حيث نسجَ سيرة علمية فريدة، امتدت جذورها في علوم الحيوان، وتفرَّعت أغصانُها لتلامس البيئة والتعليم والصحة، في تناغمٍ نادرٍ بين التخصصات، مُسخِّراً هذا “الالتقاء التكاملي” لخدمة العمل المؤسسي، والتأسيس لنهضة معرفية شاملة، وهو ما انعكس بوضوح في إسهاماته الاستشارية ومشاركاته العلمية وأبحاثه التي تمثل بصماتٍ فكرية تسهمُ في تشكيل الوعي، وترسم ملامحَ المستقبل المستدام.
وعلى المستوى الشخصي، عرفتُه قريباً من أسرته، حاضرًا في تفاصيلها، يولي علاقاته عناية صادقة تعكس ما يحمله من قيم راسخة. وكان هذا الامتداد الإنساني جزءاً أصيلاً من شخصيته، لا ينفصل عن حضوره العلمي والمهني.
إن رحيل الدكتور محمد السعدون ليس فقدًا لأسرته ومحبيه فحسب، بل خسارة للساحة العلمية والوطنية التي فقدت أحد أعمدتها. غير أن عزاءنا أن الأثر لا يموت، وأن ما زرعه الفقيدُ من علم وفكر سيظل حيًا، ينمو في عقول طلابه، ويثمر في مشاريع المستقبل.
نسأل الله أن يتغمدَه بواسع رحمته، وأن يجعلَ علمه شفيعًا له، وأن يجزيَه عن وطنِه وطلابِه خيرَ الجزاء.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات