تخطَّ إلى المحتوى
أخبار السعودية

راشد الراجح.. ابن تربة البار والقامة الوطنية

Ahmed Dfvvc3 دقائق قراءة1 مشاهدة

رحم الله الدكتور راشد بن راجح الشريف، الذي غادر دنيانا بعد مسيرة طويلة من العلم والعمل والعطاء، تاركاً وراءه سيرة وطنية مضيئة، وأثراً لا يختصره منصب تولاه، ولا مرحلة إدارية قادها، ولا مؤسسة شارك في بنائها؛ فقد كان واحداً من أولئك الرجال الذين حولوا حياتهم إلى مهمة وطنية، وكرسوا نجاحهم لإلهام من بعدهم.

بالنسبة لي، كما لكثير من أبناء محافظة تربة، لم يكن الدكتور راشد الراجح مجرد اسم بارز في تاريخ التعليم العالي، أو أول مدير لجامعة أم القرى، بل كان نموذجاً حياً على الطموح الذي لا يحده شيء، والتوازن بين التمسك بالجذور والتقاليد والانفتاح على العالم، وأنه بإمكان أي فرد شاباً كان أم فتاة في أرجاء هذا الوطن الغالي أن يتلقى العلم في أعرق الجامعات الغربية، ثم يعود أكثر ارتباطاً بوطنه وأهله وتمسكاً بمبادئه وقيمه.

ولد الراحل في قرية العلاوة بمحافظة تربة، وفقد والده وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، فنشأ في كنف والدته وأخيه الأكبر عابد، وبدأ تعليمه في مدرسة العلاوة على يد الشيخ عبدالمحسن بن زيد. ومن تلك البيئة البسيطة، التي لم تكن تملك في ذلك الوقت الإمكانات التي تحظى بها باقي الأماكن، بدأت رحلة علمية استثنائية قادته إلى الطائف ودار التوحيد، ثم إلى كلية الشريعة في مكة المكرمة، ومنها إلى جامعة كامبردج البريطانية، حيث حصل على الدكتوراه في فلسفة اللغة العربية ونحوها وقواعدها.

ذهب إلى كامبردج حاملاً هويته وقيمه وتقاليده، وعاد منها عالماً متمكناً، ووطنياً أكثر إيماناً بأن قيمة العلم تظهر حين يوضع في خدمة المجتمع والدولة. لم تقتلع التجربة الغربية جذوره، ولم تعزله المعرفة الحديثة عن بيئته، بل زادته وعياً بمسؤوليته تجاه وطنه ومحافظته وأبناء مجتمعه.

كان إسهامه الأكبر والأبقى مرتبطاً بجامعة أم القرى. فحين كان عميداً لكلية الشريعة، أدرك حاجة مكة المكرمة والمنطقة إلى التوسع في التعليم الجامعي، وأسهم في طرح فكرة تحويل كليتي الشريعة والتربية إلى جامعة متكاملة. وبعد صدور القرار بتأسيس جامعة أم القرى، اختير أول مدير لها، فقادها في مرحلة التأسيس والبناء، وهي أصعب مراحل المؤسسات وأكثرها احتياجاً إلى الرؤية والصبر والحكمة.

لقد وضع الفقيد كل جهده في بناء هوية جامعة أم القرى بثوبها الجديد، وعمد إلى توسيع كلياتها وبرامجها ودراساتها العليا. وعلى مدى اثني عشر عاماً، ارتبط اسمه بنمو الجامعة وترسيخ مكانتها، حتى أصبحت واحدة من أهم مؤسسات التعليم العالي في المملكة بل في العالم الإسلامي. وسيظل تاريخ أم القرى شاهداً على أن الدكتور راشد الراجح لم يكن مديراً عابراً في مسيرتها، بل كان أحد بُناتها التاريخيين، كما امتد عطاؤه بعد ذلك إلى مجلس الشورى، وهيئة حقوق الإنسان، ومركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، والنادي الأدبي الثقافي بمكة المكرمة، وعدد من المجالس العلمية والثقافية. وفي كل تلك المواقع ظل منحازاً إلى العلم والمعرفة والحوار والوسطية، مؤمناً بأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأوطان.

وعلى مستوى اهتمامه بمحافظة تربة فكل من ينتمي إليها يدرك أن الراحل رغم مسؤولياته ومكانته، لم ينسَ تربة التي أحبها وأحبته، حيث ظل اسمه حاضراً في وجدان أهلها، يشجع أبناءها على طلب العلم، ويمنحهم الثقة بأن الطريق إلى أعلى المراتب يبدأ من مقاعد الدراسة، وكانت هناك علاقة وفاء متبادلة بين رجل بار بمدينته الصغيرة، ومجتمع ظل يعتز بأحد أنجب أبنائه.

لقد ألهمني الدكتور راشد الراجح، كما ألهم كثيراً من أبناء تربة بسيرته التي جسدها في دروب العلم والمعرفة والعمل من أجل الوطن. برحيله فقدت أنا وكل من ألهمهم بعطائه وثقافته الموسوعية قامة علمية ووطنية كبيرة، لكن أمثال راشد الراجح لا يغيبون بالموت الذي كُتب على بني آدم، بل يحفرون تاريخهم الحافل في ذاكرة الجامعات والطلاب والمؤسسات والمكان الذي انتموا إليه. سيبقى اسمه في تربة عنواناً للطموح، وفي جامعة أم القرى شاهداً على التأسيس، وفي الوطن سيرة رجل جمع بين أصالة الجذور ورحابة المعرفة.

رحم الله الدكتور راشد بن راجح العبدلي الشريف، وغفر له، وجزاه عن العلم والوطن وأهله خير الجزاء، وألهم أسرته ومحبيه وتلاميذه وأبناء محافظة تربة الصبر والسلوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *