حتى يتحقق الصلح – جريدة المدينة
– ليس كلُّ إنسان يصلحُ لأنْ يكون مُصلحًا، إذ قدْ يفسدُ من حيث يريد أنْ يصلحَ، وقد قيل: أرادَ نفعًا فضرَّ من غير قصدٍ.
– تركيز بعض المُصلحِينَ على المُخطَأ عليه، بذكر الآيات والأحاديث المرغِّبة في الصُّلح والعفو، وترك المُخطِئ الحقيقيِّ، مع أنَّ الحق والأصل أنْ تُورد الأدلَّة المحذِّرة من الظلِّم والتعدِّي والبَغَي على المخطئِ حتى يرتدعَ، ويرجع للحق ويُلزم به، عملًا بقولِ اللهِ تعَالَى: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
– بعض المُصلحِينَ يرَى أنْ لا يتطرَّق إلى الأسباب الأساسيَّة التي أدَّت إلى الخلاف، ويكتفي بحل الفروع، ويطلب التَّسامح من الطَّرفين، وهذا قد يُقبل في بعض الخلافات اليسيرة العارضة غير المتكرِّرة، أمَّا إذا تكرَّرت الخلافات، فهناك نارٌ تحت الرَّماد، وعندها فالواجب البحث عن الأسباب الحقيقيَّة ومعالجتها بوضوحٍ تامٍّ، إذ إنَّ تكرار الخلافات أشبه ما يكون بالجرح العميقِ الذي تمَّت خياطته وهو مُتعفنٌ من الداخل، ولا حلَّ إلَّا بفتحِه مرَّة ثانية وتنظيفه وتعقيمه تمامًا حتَّى يبرأَ.
– بعض الصلح ظلمٌ على المُخطَأ عليه وإنْ سُمِّي صلحًا؛ لأنَّ فيه مجاملةُ واضحةُ وميلًا مع المُخطِئ، إمَّا خوفًا منه، أو حُبًّا له على حساب المُخطَأ عليه، مع أنَّ الواجب على المصلحِينَ أنْ يقفُوا على مسافة متساوية من الطَّرفين، ويسمعوا منهما، وهمُّهم الوحيد معرفة الخطأ والمُخطِئ، ثم مواجهته بخطئهِ، وقول كلمة الحق التي تبرأ بها ذممهم يوم يلقوا الله، سواء رَضِيَ وقَبِلَ المُخطِئ أم لم يقبل، وليعلم المصلحُون أنَّ لهم أجر الصلح إذا صدقُوا وأنصفُوا، أو عليهم إثمه ووزره إذا ظلمُوا.
– التنازل والسَّماح الذي لا يترتب عليه إصلاح لا فائدة منه، إذ إنَّ الله قيَّد العفو بالإصلاح فقال سبحانه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ).
يقول الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله-: أي صار عفوُّه مُشتملًا على الإصلاح، إذ ينبغي أنْ يَعلم أنَّ المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودةً على الإطلاق، فإنَّ الله تعالى قيَّد هذا العفو بأنْ يكون مقرونًا بالإصلاح، يقول الشيخ: أمَّا إذَا لم يكن العفوُ والمغفرةُ إصلاحًا، فلا تعفُ ولا تغفرْ، قال اللهُ تعَالَى: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ)، أي انتصر ممَّن ظلَمَه بعد وقوع الظلم عليه، فإنَّه لا حرج عليه؛ لأنَّه أخذ حقَّه الذي شرعه الله تعالى له.
– الكذبُ من أجل الإصلاح جائزٌ بقدر الحاجة، إذا لم يترتب عليه ضررٌ لأحد المتخاصمَينِ، وما يفعله بعض المصلحِينَ من التوسُّع وقول كلامٌ مبالغٌ فيه، وإذا تقابل المتخاصمَان تبيَّن عدم مصداقيَّة كلام المصلحِين، وعندها تتجدَّد المشكلة وتكبُر.
– من الأخطاء التي يفعلُها بعض المصلحِينَ أنَّهم يقولُون لصاحب الحق: ترى القضيَّة ستطول، ولن يأتيك شيءٌ، والأحسن أنْ تتنازلَ ونُحلَّ الموضوع، وذلك ليُيئسُوه من أخذِ حقِّه، فإذا أصرَّ على موقفه يتحوَّلُونَ إلى خصومٍ له، والذي يجب أنْ يعلمه كلُّ مَن يصلح بين المتخاصمَينِ أنْ صاحبَّ الحق المُخطَأ عليه لا يحتاجُ في كثيرٍ من الأحيان إلَّا إلى اعتراف المُخطِئ وطلب السَّماح منه، وعند ذلك يتحقَّق للمُخطَأ عليه أنْ يكون قادرًا على أخذِ حقِّه، فلا يعفُو لضعفٍ أو عجزٍ، وهنا يتحقَّق العفوُ عندَ المقدرةِ، قال الإمام إبراهيم النخعي: كانُوا يَكرهُون أن يُستذلُّوا، فإذا قدِرُوا عفُوا.

تعليقات