لماذا تخلّف مؤشر تاسي عن موجة الصعود العالمية رغم تماسك الاقتصاد السعودي؟ تحليل معمّق في تركيبة السوق والقطاعات والمحفزات المنتظرة.
رغم موجة الصعود التي حظيت بها الأسواق العالمية خلال الفترة الماضية، لا يزال أداء السوق المالية السعودية «تاسي» أقل من مستوى التوقعات مقارنة بما شهدته العديد من الأسواق الكبرى. والمفارقة أن ذلك يحدث في وقت تبدو فيه أساسيات الاقتصاد السعودي أكثر تماسكًا، مع استمرار الإنفاق الاستثماري والمشاريع الكبرى، وتحسن البيئة الاقتصادية على المدى الطويل. وبعيدًا عن محاولة اختزال حركة السوق في سبب واحد، فإنه ليس هناك حتى الآن سبب واضح ومقنع يبرر بالكامل عدم استجابة تاسي لمسيرة الصعود التي حظيت بها الأسواق العالمية. فأسواق الأسهم لا تتحرك دائمًا بالتوازي، وقد تتأخر سوق عن أخرى لفترات، لكن اتساع الفجوة يفرض التساؤل عن العوامل التي تقف خلفها. جزء من الإجابة قد يكمن في اختلاف تركيبة الأسواق نفسها. فالسوق الأمريكية استفادت بصورة استثنائية من النمو الكبير في شركات التكنولوجيا العملاقة، التي أصبحت المحرك الأبرز لمؤشرات رئيسية مثل S&P 500 وناسداك. شركات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والمنصات الرقمية رفعت تقييمات السوق الأمريكية، وجذبت سيولة ضخمة، في وقت لم يكن لدى تاسي قطاع مماثل من حيث الوزن والتأثير. في المقابل، يغلب على تركيبة السوق السعودية قطاعا البنوك والطاقة، وهما قطاعان يتمتعان بأهمية كبيرة وثقل مؤثر في الاقتصاد السعودي، لكن طبيعة نموهما وتقييماتهما تختلف عن شركات التكنولوجيا التي قادت موجة الصعود العالمية. وهنا تكمن نقطة مهمة: مقارنة أداء تاسي بمؤشر أمريكي تقوده شركات التكنولوجيا العملاقة قد لا تكون مقارنة متكافئة بالكامل. فالسوق السعودية تحتاج إلى محفزات تتناسب مع تركيبتها القطاعية حتى يظهر أثر النمو الاقتصادي في أسعار الأسهم بصورة أوسع. ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه الملاحظة إلى تبرير دائم لضعف أداء تاسي. فالسوق السعودية اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات؛ حجم الاقتصاد، والمشاريع الكبرى، والتحول الاقتصادي، وتوسع الاستثمارات، كلها عوامل يفترض أن تجد انعكاسًا تدريجيًا في أداء الشركات وتقييماتها. السؤال الأهم إذن ليس: لماذا لم يصعد تاسي مثل الأسواق العالمية؟ بل: متى تبدأ السوق في تسعير النمو المستقبلي للاقتصاد السعودي بصورة أكثر وضوحًا؟ فإذا تحسنت أرباح الشركات، واتسعت قاعدة القطاعات المحركة للسوق، وظهرت محفزات جديدة للسيولة والاستثمار، فقد لا يحتاج تاسي إلى تقليد الأسواق العالمية حتى يبدأ مسارًا صاعدًا خاصًا به. وفي النهاية، قد يكون اختلاف تركيبة المؤشرات جزءًا من تفسير الفجوة، لكنه لا يفسرها بالكامل. ولذلك فإن استمرار تاسي في التخلف عن الأسواق العالمية يستحق قراءة أعمق في الأرباح، والتقييمات، والسيولة، وسلوك المستثمرين، وتوقعات النمو، بدل الاكتفاء بإرجاع الحركة إلى عامل واحد. فالأسواق قد تتأخر في تسعير المستقبل، لكنها في النهاية لا تستطيع تجاهله إلى الأبد.
اقرأ أيضا: الكويت: اعتداءات ميليشيا الحوثي على نجران انتهاك صارخ لسيادة السعودية
