شارك
في مثل هذا الشهر (ذي القعدة) من عام 1422هـ، لبَّى رئيس مجلس الشورى معالي الشيخ محمد بن جبير نداء ربِّه، بعد حياة حافلة بحب الآخرين، وبالعطاء المتدفِّق بالإخلاص والاعتدال الفكريِّ، وكان لوفاته رنَّة أسى وحزنٍ شديدَين لفقد هذه القامة الكبيرة.
كان كثير الأفعال، وقليل الكلام، يحضُّ دومًا على الوفاء، ويوصي بتفقُّد الأهل والأصدقاء، كان مخلصًا لمبادئه الثابتة دومًا، ولا يعجبه الإطراء، وثناء الطامعين.
تمثَّل فيه نبلُ الشَّهامة، ونُصرةُ الحق، ورفضُ الطغيان. زرعَ في أنجاله قيم البساطة والكرم والتراحم والبر.
أمضى خمسة أيَّام في مكَّة المكرَّمة قبل وفاته بأسبوعَين، وشرَّفني بقبول دعوتي له في المنزل، وصحب معه الشيخ عبدالرحمن الكلية، والشيخ صالح بن حميد -يحفظهما الله-، وبعض المدعوين من أعضاء مجلس الشورى السابقين. وبعد احتساء القهوة تقدَّم النادل ببعض أنواع العصيرات الطَّازجة، وكان من بينها «السوبيا». ورفض بعض الحاضرين بشكل جهريٍّ السوبيا، وعندما وصل النادل إليه سأل عن السوبيا، واحتسى منها قليلًا، وتابعَ حديثه، إلَّا أنَّ اللواء كمال سراج الدين فاجأه بسؤال: يا معالي الشيخ، أراك تشربُ السوبيَا، فهل شُربُها حلالٌ أم حرامٌ؟، فردَّ الشيخ بكلمتين: «الله يصلحُكَ يا كمال» ثمَّ شرب ما بَقِي من السوبيا، فكرَّر اللواء السؤال، فكانت نفس الإجابة. وعند ذهابنا للعَشاء تبعه اللواء وقال: يا معالي الشيخ: لم ترد على سؤالي، فقال له: يا كمال نحنُ في منزل مَن؟ (أرادَ أن يقول له هل نحنُ في منزل يُصنع فيه خمرٌ؟).
ومن المواقف اللَّطيفة أنَّنا ذهبنا في معيته إلى مصر الشقيقة، تلبيةً لدعوةٍ رسميَّة، وكان البرنامج حافلًا بالزيارات والبرامج، ثمَّ صادف في أحد الأيام العودة مبكِّرًا إلى الفندق، واتَّفقت مع زميلٍ لي على الذهاب إلى فندق مجاور؛ بحثًا عن الأرجيلة، وفي أثناء الجلوس فاجأنا مدير عام مكتب الشيخ الزميل الدكتور إبراهيم السليمان العنقري بالمجيء، ورفض البقاء معنا، وفي فجر اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، حيث يكتملُ نصابُ الوفد في مجلس الشيخ بن جبير، سمعنا الدكتور إبراهيم يوجِّه سؤاله للشيخ: «يا معالي الشيخ، اسأل توفيق، وسهيل، أينَ كانَا البارحة»؟، والتفتَ إلينا ينتظر الإجابة، وقد ظهر على معالي الأستاذ توفيق عدم الارتياح، فأجبتُ الشيخ نيابةً عنه بأنَّنا ذهبنا إلى الفندق المجاور، من أجل الأرجيلة، فتبسَّم -رحمَهُ اللهُ-، وانتهى الموقفُ.
وموقفٌ آخرُ مرَّ بي في مكتب معاليه أثناء زيارتي له في أعقاب إعفائي من منصبي، وأثناء توديعي له وقت الخروج، ناداني قائلًا: وماذا عن (كذا وكذا)، فأجبته: «صدِّقني يا معالي الشيخ أنِّي لا أعلم، وقد يكون الغيبُ حلوًا إنَّما الحاضرُ أحلَى»، فردَّ مسرعًا: من أينَ أتيتَ بهذا الردِّ، فقلتُ: ردًّا على استفسار معاليكم، فقال: هذه من قصيدةِ الهادي آدم، التي أنشدتها السيِّدة أُم كلثوم بعنوان «أغدًا ألقاك»، ولحَّنها الموسيقار محمد عبدالوهاب، وأنت تعرفُ هذا جيدًا، فتبسمتُ ثمَّ انصرفتُ، وبعد فترة التقيتُ بابنه د. جبير، وقصصتُ له ذلك الموقف اللَّطيف، وأفاد أنَّ الشيخ يستمع إلى أغاني السيِّدة أُم كلثوم إنْ كانت قصيدة مُقفَّاة، أمَّا ما يُسمَّى «كلمات» فلا يميل إليها، وأنَّ إعجابه بالقصيدة نابعٌ من قدرة الملحِّن على تطويع الشِّعر المقفَّى إلى لحن جميلٍ، وهي مهمَّة ليست يسيرةً.
كان الشيخ محمد بن جبير يمثِّل نموذجًا للقاضِي القانونيِّ، الذي يجمع بين أصالة الشريعة، ومعاصرة القانون، وقد كان له رُؤية في أسس اختيار القاضي، حيث يؤكِّد أنَّها مهمَّة تبدأ مبكِّرة عند قبول الطالب في قسم القضاء، مرورًا بدورات تأهيليَّة عديدة، ويُعيَّن كملازم للقضاء قبل تولِّيه له، ويفترض أنْ يكون مُلمًّا باللَّهجات المحليَّة، والعادات والتقاليد السَّائدة، حتَّى الأمثال الشعبيَّة، وقبول الآخر.
كان كثير الأفعال، وقليل الكلام، يحضُّ دومًا على الوفاء، ويوصي بتفقُّد الأهل والأصدقاء، كان مخلصًا لمبادئه الثابتة دومًا، ولا يعجبه الإطراء، وثناء الطامعين.
تمثَّل فيه نبلُ الشَّهامة، ونُصرةُ الحق، ورفضُ الطغيان. زرعَ في أنجاله قيم البساطة والكرم والتراحم والبر.
أمضى خمسة أيَّام في مكَّة المكرَّمة قبل وفاته بأسبوعَين، وشرَّفني بقبول دعوتي له في المنزل، وصحب معه الشيخ عبدالرحمن الكلية، والشيخ صالح بن حميد -يحفظهما الله-، وبعض المدعوين من أعضاء مجلس الشورى السابقين. وبعد احتساء القهوة تقدَّم النادل ببعض أنواع العصيرات الطَّازجة، وكان من بينها «السوبيا». ورفض بعض الحاضرين بشكل جهريٍّ السوبيا، وعندما وصل النادل إليه سأل عن السوبيا، واحتسى منها قليلًا، وتابعَ حديثه، إلَّا أنَّ اللواء كمال سراج الدين فاجأه بسؤال: يا معالي الشيخ، أراك تشربُ السوبيَا، فهل شُربُها حلالٌ أم حرامٌ؟، فردَّ الشيخ بكلمتين: «الله يصلحُكَ يا كمال» ثمَّ شرب ما بَقِي من السوبيا، فكرَّر اللواء السؤال، فكانت نفس الإجابة. وعند ذهابنا للعَشاء تبعه اللواء وقال: يا معالي الشيخ: لم ترد على سؤالي، فقال له: يا كمال نحنُ في منزل مَن؟ (أرادَ أن يقول له هل نحنُ في منزل يُصنع فيه خمرٌ؟).
ومن المواقف اللَّطيفة أنَّنا ذهبنا في معيته إلى مصر الشقيقة، تلبيةً لدعوةٍ رسميَّة، وكان البرنامج حافلًا بالزيارات والبرامج، ثمَّ صادف في أحد الأيام العودة مبكِّرًا إلى الفندق، واتَّفقت مع زميلٍ لي على الذهاب إلى فندق مجاور؛ بحثًا عن الأرجيلة، وفي أثناء الجلوس فاجأنا مدير عام مكتب الشيخ الزميل الدكتور إبراهيم السليمان العنقري بالمجيء، ورفض البقاء معنا، وفي فجر اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، حيث يكتملُ نصابُ الوفد في مجلس الشيخ بن جبير، سمعنا الدكتور إبراهيم يوجِّه سؤاله للشيخ: «يا معالي الشيخ، اسأل توفيق، وسهيل، أينَ كانَا البارحة»؟، والتفتَ إلينا ينتظر الإجابة، وقد ظهر على معالي الأستاذ توفيق عدم الارتياح، فأجبتُ الشيخ نيابةً عنه بأنَّنا ذهبنا إلى الفندق المجاور، من أجل الأرجيلة، فتبسَّم -رحمَهُ اللهُ-، وانتهى الموقفُ.
وموقفٌ آخرُ مرَّ بي في مكتب معاليه أثناء زيارتي له في أعقاب إعفائي من منصبي، وأثناء توديعي له وقت الخروج، ناداني قائلًا: وماذا عن (كذا وكذا)، فأجبته: «صدِّقني يا معالي الشيخ أنِّي لا أعلم، وقد يكون الغيبُ حلوًا إنَّما الحاضرُ أحلَى»، فردَّ مسرعًا: من أينَ أتيتَ بهذا الردِّ، فقلتُ: ردًّا على استفسار معاليكم، فقال: هذه من قصيدةِ الهادي آدم، التي أنشدتها السيِّدة أُم كلثوم بعنوان «أغدًا ألقاك»، ولحَّنها الموسيقار محمد عبدالوهاب، وأنت تعرفُ هذا جيدًا، فتبسمتُ ثمَّ انصرفتُ، وبعد فترة التقيتُ بابنه د. جبير، وقصصتُ له ذلك الموقف اللَّطيف، وأفاد أنَّ الشيخ يستمع إلى أغاني السيِّدة أُم كلثوم إنْ كانت قصيدة مُقفَّاة، أمَّا ما يُسمَّى «كلمات» فلا يميل إليها، وأنَّ إعجابه بالقصيدة نابعٌ من قدرة الملحِّن على تطويع الشِّعر المقفَّى إلى لحن جميلٍ، وهي مهمَّة ليست يسيرةً.
كان الشيخ محمد بن جبير يمثِّل نموذجًا للقاضِي القانونيِّ، الذي يجمع بين أصالة الشريعة، ومعاصرة القانون، وقد كان له رُؤية في أسس اختيار القاضي، حيث يؤكِّد أنَّها مهمَّة تبدأ مبكِّرة عند قبول الطالب في قسم القضاء، مرورًا بدورات تأهيليَّة عديدة، ويُعيَّن كملازم للقضاء قبل تولِّيه له، ويفترض أنْ يكون مُلمًّا باللَّهجات المحليَّة، والعادات والتقاليد السَّائدة، حتَّى الأمثال الشعبيَّة، وقبول الآخر.
شارك

تعليقات