أعيدوا الصحف الورقيَّة.. رائحة الوطن الزكيَّة!

أعيدوا الصحف الورقيَّة.. رائحة الوطن الزكيَّة!

غرَّد الإعلاميُّ الرياضيُّ العراقيُّ الشهيرُ (علي نوري)، خلال زيارته -مؤخَّرًا- للرِّياض، بمناسبة إجراء قرعة كأس آسيا 2027 لكرة القدم، بأنَّه وجد في المملكة كلَّ شيءٍ باستثناء الصُّحف الورقيَّة، التي يعشقُ رائحتها في الصَّباح الباكر، ولا يكاد يسيغُ مطالعة الأخبار إلَّا في صفحاتها المنشورة على الملأ!.
وأنا أشاركُ نوري، شعورَه، فالصحفُ الورقيَّة هي أُمِّي، وأنا ابنُها البارُّ، وما زلتُ -بعد أُفول شمسها عندنا- أُفتِّش عن رائحة الصَّباح القديمة، حين كنتُ أشتريها بعد صلاة الفجر، وأفتحُها كمَن يفتح نافذة بيته على العالم، وأقرأُها بتمعُّنٍ لا بضغطة إصبع على زرِّ موقعٍ إلكترونيٍّ، وأحتفظُ بها في ذاكرتي الطبيعيَّة، وليس في أرشيفٍ إلكترونيٍّ.
وأنا كاتبٌ انطلقَ اسمُه من رَحِم الصحافة الورقيَّة، وكلَّما أتذكَّرُ انتشارها الواسع سابقًا يهزُّنِيِ وجدانِي، وهي لم تكنْ مجرَّد أوراقٍ تُطبع عند الفجر، وتُرمَى في المساء، بل كانت مدرسةً، وذاكرةَ وطنٍ، ومنبرَ رأيٍ، وهيبةَ مجتمعٍ، وكانت عينًا للمسؤول، ونبضًا للشَّارع، وصوتًا للقارئ الذي يصل بكلِّ أدب، بعيدًا عن ضجيج المنصَّات الإلكترونيَّة.
في زمن الصحافة الورقيَّة كان للكلمة وزنٌ، وللخبر تدقيقٌ، وللمقال مكانةٌ تشبه مكانة الكُتب النَّفيسة التي يقتنيها النَّاسُ، ويحتفظون بها في بيوتهم العامرة.
صحيحٌ أنَّ العالم تغيَّر، وأنَّ وسائل التواصل الإلكترونيَّة اختصرت المسافات والأوقات، لكنَّ السرعة لا تصنع المعرفة، والانتشار لا يعني التَّأثير بالضرورة، فكم من تغريدة إلكترونيَّة اشتعلت ساعة ثمَّ ماتت، بينما بقي مقال صحفيٌّ واحدٌ عالق في الذاكرة لعقودٍ، والصحف الورقيَّة لم تكن مجرَّد وسيلة إعلام، بل كانت جزءًا من هويَّة المدن، نراها في المقاهي، والبقالات، والمطارات، وعلى مكاتب المسؤولين، وفي يد المتقاعد، وربَّة البيت العجوزَيْن اللَّذَين يبدآن نهارهما بتناول طبق فول، وخبز تميس، وفنجان شاي بالنِّعناع، يشربانه مع صوت تقليب الصفحات، فلا يختصمَان بفضل الصحفِ، ولا يتناقرَان مثل الدِّيك والدَّجاجة.
وهنا أدرك شهرزاد الصباح، وسكتت عن الكلام المُباح، وتغشَّاها النعاس فوق سريرها المصنوع من النحاس، أمَّا شهريار فأردف قائلًا إنَّ زوال الصحف الورقيَّة ليس خسارةً تجاريَّةً فقط، بل خسارة ثقافيَّة وإنسانيَّة أيضًا، وتمنَّى أنْ تعود بقوَّة إلى المشهد السعوديِّ، وأنْ يتبنَّاها الجميعُ بوصفها إرثًا وطنيًّا مجيدًا يستحقُّ الحماية والدَّعم، وليس باعتبارها مشروعًا استثماريًّا مؤقَّتًا، فالأمم العظيمة لا تتخلَّى عن ذاكرتها بسهولة، والصحف كانت -وما تزال- أهم صفحات هذه الذاكرة، وكم هو جميل أنْ يأتي يوم تعود فيه الصحف الورقيَّة للنَّاس الذين أصابهم التوتر، مع صخب الضَّجيج الإلكترونيِّ، ويتمنُّون استنشاق أخبار الوطن مع رائحة حبر الورق.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات