وسعت كوريا الشمالية مصادر إيراداتها الخارجية خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من تنامي التعاون مع روسيا والصين وتجارة الأسلحة والأنشطة الإلكترونية، بالتزامن مع تحسن مؤشرات اقتصادها المحلي.
شهد اقتصاد كوريا الشمالية تحولا لافتا خلال السنوات الأخيرة، مع توسع مصادر الإيرادات الخارجية وارتفاع التجارة والتعاون الاقتصادي والعسكري مع روسيا والصين، بالتوازي مع نمو أنشطة أخرى مثل العملات المشفرة والعمالة في الخارج، ما وفر لبيونغ يانغ تدفقات مالية جديدة بعد سنوات من العقوبات والعزلة الاقتصادية.
اقرأ أيضا: برشلونة يفتح باب الحجز .. بدء بيع تذاكر لقاء الأهلي في كأس خوان جامبر
وحسب تحليل أجرته بلومبيرغ إيكونوميكس استنادا إلى بيانات التجارة الحكومية وتقديرات استخباراتية وأبحاث خارجية، ربما حققت كوريا الشمالية ما يصل إلى 22 مليار دولار من الإيرادات الخارجية بين عامي 2022 و2025، أي نحو 4 أضعاف حصيلتها المقدرة خلال السنوات الأربع السابقة. وتوضح بلومبيرغ أن الرقم يمثل الحد الأعلى لتقديراتها، نظرا إلى محدودية البيانات الرسمية وصعوبة قياس الأنشطة التجارية والمالية غير المعلنة.
ويشير هذا التحول إلى تغير في البيئة الاقتصادية المحيطة بكوريا الشمالية، إذ أصبحت علاقاتها مع موسكو وبكين توفر لها قنوات أوسع للتجارة والحصول على العملات الأجنبية والسلع والتكنولوجيا، في وقت لا تزال فيه البلاد خاضعة لعقوبات دولية واسعة.
روسيا مصدر للإيرادات
ترى بلومبيرغ أن عام 2022 مثّل نقطة تحول مهمة، بعدما أدت الحرب في أوكرانيا إلى ارتفاع الطلب الروسي على الذخائر والأسلحة التي تمتلك كوريا الشمالية مخزونات كبيرة منها، خصوصا أن جزءا من ترسانتها يعتمد على معايير عسكرية سوفياتية تتوافق مع احتياجات القوات الروسية.
وبحلول نهاية 2025، كانت كوريا الشمالية توفر ما يصل إلى 50% من احتياجات روسيا من ذخائر المدفعية المستخدمة بكثافة من عياري 122 و152 مليمترا، بحسب تقديرات استخباراتية أوكرانية أوردتها بلومبيرغ.
وتشير تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى أن قيمة الإيرادات المرتبطة بروسيا ربما بلغت 14.02 مليار دولار، يأتي أكثر من 90% منها من مبيعات الأسلحة، بينها نحو 9.12 مليارات دولار من الذخائر، و2.38 مليار دولار من المدفعية الثقيلة، و1.27 مليار دولار من الصواريخ الباليستية.
وامتد التعاون إلى الموارد البشرية، إذ تشير تقديرات كورية جنوبية ومركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى إرسال بيونغ يانغ ما بين 16 ألفا و22 ألف جندي إلى روسيا، مقابل مدفوعات تُقدر بنحو ألفي دولار شهريا للفرد.
وبذلك، أصبح التعاون مع روسيا أحد أهم مصادر الإيرادات الخارجية لكوريا الشمالية، إلى جانب ما تحصل عليه من سلع ومواد غذائية وتكنولوجيا في إطار العلاقات المتنامية بين البلدين.
النشاط الاقتصادي يستفيد من التدفقات الجديدة
تزامنت زيادة الإيرادات الخارجية مع تحسن مؤشرات الاقتصاد المحلي. ويقدر بنك كوريا أن اقتصاد كوريا الشمالية نما 3.5% خلال 2025، مسجلا العام الثالث على التوالي من التوسع، بعد سنوات اتسم فيها الأداء بتقلبات حادة.
كما ارتفعت التجارة مع الصين في يونيو/حزيران إلى أعلى مستوياتها منذ فرض العقوبات، في مؤشر على استعادة العلاقات التجارية بين البلدين جانبا من زخمها.
وتظهر مؤشرات النشاط داخل كوريا الشمالية صورة مشابهة؛ إذ رصدت صور الأقمار الاصطناعية التي استندت إليها بلومبيرغ ارتفاع استخدام الكهرباء في عدد من المدن والموانئ ومراكز التجارة مقارنة بعام 2017، بالتزامن مع توسع مشاريع البناء في العاصمة بيونغ يانغ، ومنها منطقة هواسونغ التي تشهد تنفيذ مشروع لبناء 50 ألف شقة أطلقه كيم جونغ أون عام 2021.
وقال أندريه لانكوف، المتخصص في الشؤون الكورية ومدير مجموعة كوريا ريسك، إن الوضع الاقتصادي والسياسي لكوريا الشمالية أصبح أقوى مقارنة بفترات سابقة، معتبرا أن إيرادات مبيعات الأسلحة لروسيا وفرت للبلاد دفعة مالية كبيرة، بينما تمثل العلاقات الاقتصادية مع الصين عنصرا أكثر استدامة على المدى الطويل.
العملات المشفرة قناة إضافية للعملة الأجنبية
وبالتوازي مع التجارة التقليدية، توسعت الإيرادات المرتبطة بالأنشطة الإلكترونية والعملات المشفرة.
اقرأ أيضا: الرئاسة التركية: اتفاقية مكة لا تستهدف أي دولة بل ستسهم في تعزيز الردع الجماعي
وبحسب شركة تي آر إم لابس لتحليل سلاسل الكتل، استحوذت مجموعات مرتبطة بكوريا الشمالية على أكثر من 70% من قيمة العملات المشفرة المسروقة عالميا، مقارنة بنحو 30% في 2017، ما جعل هذا النشاط مصدرا مهمّا للعملات الأجنبية.
وتشير بلومبيرغ إلى أن جزءا من هذه الأموال يتحرك عبر شبكات وسطاء في الصين، بما يتيح تحويل العملات المشفرة إلى أموال يمكن استخدامها في المعاملات الخارجية، رغم القيود المفروضة على وصول كوريا الشمالية إلى النظام المالي الدولي.
موارد أكبر للإنفاق
ووفرت الإيرادات الجديدة للحكومة الكورية الشمالية مساحة مالية أوسع لتوجيه الموارد نحو مشاريع داخلية وبرامج عسكرية في الوقت نفسه.
وبحسب بلومبيرغ، شهدت السنوات الأخيرة توسعا في القدرات العسكرية الكورية الشمالية، بالتوازي مع إطلاق مشاريع إسكان وبنية تحتية، فيما كشفت البلاد عن مدمرتين بحريتين تزن كل منهما نحو 5 آلاف طن.
كما نقلت الوكالة عن مسؤول في القوات الأمريكية في كوريا قوله إن التعاون التكنولوجي مع روسيا ساعد بيونغ يانغ على تقليص بعض المدد اللازمة لتطوير منظومات عسكرية، بينما بدأ البلدان التعاون في مجال إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية. وهذه التقديرات تظل منسوبة إلى مصادرها الأمريكية ولا تتوفر بيانات كورية شمالية مستقلة تؤكد حجمها.
وتشير الصورة التي ترسمها بيانات بلومبيرغ إلى أن التحول الأهم في اقتصاد كوريا الشمالية يتمثل في تنوع مصادر العملة الأجنبية؛ فبعد سنوات من الاعتماد بدرجة كبيرة على الصين، أضافت الحرب في أوكرانيا روسيا كمصدر رئيسي للإيرادات، بالتوازي مع توسع الأنشطة الإلكترونية.
والنتيجة أن بيونغ يانغ أصبحت تمتلك موارد مالية وتجارية أكبر مما كانت عليه قبل سنوات، فيما يبقى مدى استدامة هذا التحسن مرتبطا بمستقبل الحرب الروسية الأوكرانية، واستمرار العلاقات مع موسكو وبكين، وقدرة الاقتصاد المحلي على تحويل التدفقات الخارجية إلى نمو طويل الأجل.
