المقال يناقش شيوع عبارة “بس أسلوبه” بوصفها تهمة مطاطة تُستخدم أحيانًا لهدم صورة أشخاص ناجحين، عندما يعجز المنتقد عن العثور على خلل حقيقي في الأمانة أو الإنجاز أو السيرة. يبيّن الكاتب أن الفرق كبير بين تقويم الأسلوب بإنصاف، وبين تحويله إلى ذريعة لإسقاط الإنسان كله، داعيًا إلى حمل أقوال الناس وأفعالهم…
يا أخي… بس أسلوبه⁉️
حين يتحول “الأسلوب” إلى تهمةٍ جاهزة.
في كل مجلس، لا بد أن يظهر هذا الناقد الخفي. يستمع إلى الناس وهم يثنون على شخصٍ ما: مديرٍ ناجح، أو معلمٍ مخلص، أو موظفٍ أمين، أو قريبٍ عُرف بالاستقامة. يهز رأسه موافقًا على كل ما قيل، ثم يرمي سهمه الأخير بكل هدوء:
صحيح… لكن يا أخي، بس أسلوبه!
وتنتهي الجلسة، وكأن هذه الجملة القصيرة نسفت تاريخًا كاملًا من الإنجازات.
هذه العبارة ليست جديدة، بل هي من أكثر العبارات تداولًا في حياتنا، حتى أصبحت عند بعض الناس ملاذًا أخيرًا، عندما تعجز دفاتر النقد عن العثور على خطأٍ حقيقي. فهي تشبه من وقف أمام وردةٍ متفتحة، فلم يجد فيها عيبًا، فقال: “يا أحمر الخدين!”.
ولو سألته: ما الذي تقصده بالأسلوب؟ وأين الموقف الذي استحق كل هذا الحكم؟ لوجدته يدور حول كلماتٍ عامة لا تمسك شيئًا، ولا تصف خطأً محددًا، ولا تقدم مثالًا واضحًا.
وربما لم يكن الأسلوب هو القضية أصلًا، وإنما هو آخر ما بقي من السهام، بعد أن عجز صاحبها أن يجد ثغرةً في الأمانة، أو خللًا في الإنجاز، أو عيبًا في السيرة؛ فيصبح “الأسلوب” كلمةً مطاطة، تتسع لكل ما عجز اللسان عن التصريح به.
ولعل المتنبي اختصر هذا المعنى حين قال:
وَإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ
فَهِيَ الشَّهَادَةُ لِي بِأَنِّي كَامِلُ
ولا أقصد بهذا أن كل أسلوبٍ حسن، أو أن الناس مطالبون بقبول الغلظة وسوء الخلق؛ فالرفق زينة، والكلمة الطيبة عبادة، وحسن المعاملة خلقٌ عظيم. لكن بين تقويم الأسلوب، وبين اتخاذه ذريعةً لإسقاط الإنسان كله، مسافةٌ شاسعة.
والمشكلة أن المعيار لا يبقى ثابتًا؛ فإن كنت حازمًا قال: متشدد. وإن كنت لينًا قال: ضعيف. وإن أنجزت قال: يحب الظهور. وإن آثرت الصمت قال: لا شخصية له. فلا المشكلة في الأسلوب، بل في عينٍ قررت أن تبحث عن النقص، ولن يرضيها الكمال لو رأته.
وقد أحسن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: “ضع أمر أخيك على أحسن محامله، ما وجدت لذلك سبيلًا”.
ولو أننا عملنا بهذه الوصية، لوفّرنا على أنفسنا كثيرًا من الظنون، ووفرنا على الناس كثيرًا من الأحكام المجانية.
ومن يتأمل الحياة يدرك أن بعض الناس، إذا عجزوا عن هدم الإنجاز، حاولوا هدم صاحبه، وإذا لم يجدوا مأخذًا على العمل، فتشوا عن مأخذٍ في الشخصية، فإن لم يجدوا، اختبؤوا خلف كلمةٍ واسعة تتسع لكل شيء… اسمها: “الأسلوب”.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا قبل أن نسأل غيرنا:
هل المشكلة حقًا في أسلوبه… أم في الطريقة التي ننظر بها إليه؟
ليس كل من قيل عنه: “بس أسلوبه” يحتاج أن يراجع نفسه؛ فبعض العبارات لا تكشف صاحبها بقدر ما تكشف قائلها.
