واشنطن ليست في حالة حرب مع إيران حالياً

واشنطن ليست في حالة حرب مع إيران حالياً

​تتصدر الأزمة الحالية مع إيران المشهد السياسي في واشنطن مع بلوغ لحظة فارقة في تاريخ الصلاحيات العسكرية الرئاسية، حيث انتهت اليوم مهلة الستين يومًا القانونية التي تفرض على الإدارة الأمريكية الحصول على تفويض من الكونجرس. وفي خضم هذا التوتر، خرج رئيس مجلس النواب مايك جونسون بتصريحات لافتة تؤكد أن الولايات المتحدة لا تعتبر نفسها في حالة حرب رسمية رغم التحركات العسكرية المكثفة في المنطقة.

​حسب تقرير لـ “القاهرة الإخبارية”، فإن رئيس مجلس النواب الجمهوري يرى أن التدخل التشريعي ليس ضروريًا في الوقت الراهن تجاه العمليات العسكرية التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب. وأوضح جونسون أن غياب القصف المباشر أو الاشتباكات النارية الفعلية يخرج الوضع من توصيف حالة الحرب التقليدية. ويأتي هذا الموقف ليعكس رغبة الحزب الجمهوري في منح البيت الأبيض مرونة كافية للتحرك عسكريًا ودبلوماسيًا دون قيود تشريعية معقدة.

صراع الصلاحيات الدستورية في واشنطن

​يواجه الرئيس دونالد ترامب اختبارًا حقيقيًا لقدرته على تجاوز القيود التي وضعها قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، والذي صمم لتقييد انفراد الرئيس بقرار القتال. تنص القواعد على ضرورة سحب القوات أو الحصول على غطاء قانوني من المشرعين بمجرد انقضاء شهرين على بدء أي صراع عسكري بالخارج. ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الحالية تسعى لإيجاد ثغرات قانونية تسمح لها بالاستمرار في استراتيجيتها الحالية تجاه إيران.

​تتجه الأنظار الآن نحو الساعة القانونية التي بلغت نهايتها اليوم الجمعة، مما يضع الإدارة أمام خيارات محدودة إما طلب التمديد أو تجاهل المهلة. إن الموقف القانوني يزداد تعقيدًا في ظل الانقسام الحاد داخل أروقة الكابيتول هيل بين من يرى ضرورة احترام الدستور ومن يضع الضرورات العسكرية أولًا. ويمثل هذا التجاذب جوهر المعركة السياسية التي تدور رحاها الآن في قلب العاصمة الأمريكية حول كيفية التعامل مع الملف الشائك.

موقف مايك جونسون من العمل العسكري

​أعرب مايك جونسون عن قناعته بأن الإدارة الأمريكية تتحرك ضمن مسارات تهدف في النهاية إلى تحقيق السلام وليس إشعال الحرائق. وأشار في حديثه لوسائل الإعلام من مبنى الكابيتول إلى أن الكونجرس يراقب بدقة ما يحدث في مياه الخليج، خاصة في المناطق الحيوية. ويؤمن جونسون أن أي تحرك تشريعي معارض في هذا التوقيت الحساس قد يعيق المفاوضات السرية التي يجريها البيت الأبيض لتهدئة الأوضاع الإقليمية المتفجرة.

​وشدد رئيس مجلس النواب على أن القوات الأمريكية في المنطقة تلتزم بمبدأ الردع والحماية وليس الهجوم المباشر الذي يستوجب إعلان الحرب. هذا التمييز الدقيق بين “العمل العسكري” و”حالة الحرب” هو ما يحاول الجمهوريون استخدامه لتبرير عدم التصويت على تفويض جديد. ويرى جونسون أن حزم الإدارة في التعامل مع التهديدات هو الضمان الوحيد لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة ومدمرة لا يحمد عقباها في المستقبل القريب.

قانون سلطات الحرب وتحدي المهلة

​يعود قانون عام 1973 إلى واجهة الأحداث كأداة قانونية للحد من سلطات القائد الأعلى للقوات المسلحة في الولايات المتحدة الأمريكية. يمنح هذا القانون الرئيس نافذة مدتها ستون يومًا للتحرك بحرية، مع إمكانية التمديد لثلاثين يومًا إضافية لأسباب لوجستية تتعلق بسلامة الانسحاب. ولكن مع دخول الأزمة مع إيران مرحلة الجمود الاستراتيجي، أصبح التمسك بنصوص هذا القانون يشكل ضغطًا سياسيًا كبيرًا على إدارة ترامب وفريقه العسكري.

​يرى مراقبون أن البيت الأبيض قد يلجأ إلى طلب التمديد القانوني هذا الأسبوع لتفادي أي صدام قانوني مع المشرعين الديمقراطيين. ومع ذلك، تظل الاستراتيجية الرئاسية تعتمد على فكرة أن التهديدات المستمرة لا تعد حربًا بالمعنى الحرفي للقانون. هذا التفسير المرن يثير غضب الفقهاء الدستوريين الذين يرون فيه تفريغًا للقانون من محتواه التاريخي الذي جاء لمنع تكرار تجارب الحروب الطويلة دون غطاء شعبي وتشريعي واضح.

رؤية البيت الأبيض لمستقبل الصراع

​تؤكد مصادر من داخل البيت الأبيض أن هناك مشاورات نشطة تجري حاليًا مع قادة الكابيتول هيل للوصول إلى صيغة تفاهم مشتركة. ويرى المسؤولون في الإدارة أن التصويت ضد تفويض الحرب سيعطي رسالة ضعف للأطراف الدولية ويقوض الروح المعنوية والقتالية للجيش الأمريكي. إن الهدف المعلن للإدارة هو إجبار الخصوم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من مركز قوة، وهو ما يتطلب وحدة صف داخلية خلف قرارات الرئيس العسكرية.

​تعتبر الإدارة الأمريكية أن ما يحدث حاليًا هو ضرورة أمنية قومية لا تقبل التأجيل أو التردد في اتخاذ القرار المناسب. ويشدد المسؤولون على أن الضغوط القصوى التي تمارس ضد إيران بدأت تؤتي ثمارها في إضعاف القدرات اللوجستية للطرف الآخر. ومن هذا المنطلق، يرفض البيت الأبيض أي محاولة للتقييد الزمني قد تمنح الطرف الآخر فرصة لالتقاط الأنفاس أو إعادة ترتيب الأوراق العسكرية في الميدان بانتظار انسحاب أمريكي مفاجئ.

شهادة بيت هيجسيث أمام مجلس الشيوخ

​شهدت جلسة استماع لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ تطورًا دراماتيكيًا عندما طرح وزير الحرب بيت هيجسيث وجهة نظر قانونية مستحدثة. زعم هيجسيث أن مهلة الستين يومًا المنصوص عليها قانونًا تعتبر متوقفة مؤقتًا طالما أن هناك التزامًا فعليًا بوقف إطلاق النار بين الجانبين. أثارت هذه الحجة دهشة الخبراء القانونيين، حيث لم يسبق لأي إدارة سابقة أن حاولت تفسير قانون سلطات الحرب بهذه الطريقة التي تعطل مفعول المهلة الزمنية الملزمة.

​دافع الوزير عن هذا التوجه باعتباره يعكس الواقع الميداني الذي يغيب فيه الاشتباك المباشر بينما يستمر الاستعداد العسكري في أعلى مستوياته. ويرى هيجسيث أن التفسير الحرفي للقانون قد يضر بالأمن القومي إذا أجبر القوات على التراجع في لحظة حاسمة من الضغط الدبلوماسي. وتعتبر هذه الشهادة حجر الزاوية في الاستراتيجية القانونية الجديدة التي تتبناها الإدارة لشرعنة وجودها العسكري الطويل دون الحاجة إلى موافقة صريحة ومستمرة من الكونجرس الأمريكي.

المعارضة الديمقراطية والجدل القانوني

​قاد السيناتور الديمقراطي تيم كين جبهة المعارضة ضد تفسيرات وزارة الحرب، واصفًا حجج هيجسيث بأنها تفتقر إلى أي أساس قانوني معترف به. وأكد كين أن محاولة الالتفاف على المواعيد النهائية المحددة في القانون تمثل سابقة خطيرة تهدد التوازن بين السلطات في الولايات المتحدة. بالنسبة للديمقراطيين، فإن القانون واضح ولا يحتمل التأويل، حيث يجب على الرئيس العودة للشعب عبر ممثليه عند الرغبة في خوض مغامرات عسكرية خارجية طويلة الأمد.

​يتصاعد الجدل في أروقة مجلس الشيوخ حول كيفية الرد على هذا التحدي الصريح لسلطة المشرعين في مراقبة العمليات الحربية. يرى المعارضون أن قبول منطق “التوقف المؤقت” للمهلة يعني عمليًا منح الرئيس صكًا على بياض لإبقاء القوات في حالة تأهب قتالي إلى ما لا نهاية. هذا الصراع القانوني مرشح للتصاعد وربما يصل إلى ساحات المحاكم الفيدرالية إذا أصرت الإدارة على تجاهل الموعد النهائي الذي حل اليوم دون تقديم طلب تمديد رسمي.

مضيق هرمز كساحة للتوازنات الدولية

​يظل مضيق هرمز هو النقطة الأكثر سخونة في هذا الصراع العالمي، حيث تتركز هناك الأنشطة العسكرية والاستخباراتية لتأمين تدفق الطاقة العالمي. أشار جونسون صراحة إلى أن مراقبة هذا الممر الملاحي تعد أولوية قصوى تبرر الوجود العسكري المكثف في المنطقة. وتشهد المياه هناك تحركات لغواصين وكاسحات ألغام بريطانية تعمل بالتنسيق مع القوات الأمريكية لضمان عدم تعرض السفن التجارية لأي تهديدات مباشرة قد تؤدي إلى كارثة اقتصادية عالمية.

​لا تقتصر الأزمة في المضيق على الجانب العسكري فقط، بل تمتد لتشمل صراع إرادات دولي حول حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية. إن أي اضطراب في هذا الموقع الاستراتيجي تجاه إيران يعني فورًا قفزة هائلة في أسعار النفط وتكاليف التأمين البحري، مما يضع ضغوطًا إضافية على الحكومات الغربية. وتسعى واشنطن من خلال وجودها المكثف إلى فرض واقع جديد يمنع استخدام المضيق كأداة للابتزاز السياسي أو الاقتصادي في مواجهة المجتمع الدولي.

التداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي

​انعكست أجواء الحرب والتوتر السياسي بشكل مباشر على الأسواق المالية العالمية، حيث واصل النفط مكاسبه القوية وسط مخاوف من إغلاق الممرات المائية. وفي المقابل، سجلت أسعار الذهب مستويات قياسية تاريخية عند 4566 دولارًا للأوقية، مما يعكس حالة الذعر والهروب نحو الملاذات الآمنة. يعاني الاقتصاد البريطاني بدوره من صدمة طاقة عنيفة قد تؤدي إلى سيناريوهات قاتمة تشمل ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أسعار الفائدة لمستويات غير مسبوقة.

​تتجاوز الآثار الاقتصادية مجرد ارتفاع الأسعار، لتصل إلى تهديد استقرار سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد على أمن منطقة الخليج. يرى المحللون أن استمرار حالة “لا حرب ولا سلم” يستنزف الموارد المالية للدول ويخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية. وبينما يحاول القادة السياسيون طمأنة الأسواق، تظل الأرقام الاقتصادية تعبر عن قلق عميق من احتمال تحول المناوشات الحالية إلى صراع شامل يدمر البنية التحتية للطاقة في أهم منطقة بالعالم.

المفاوضات الحساسة وفرص إحلال السلام

​رغم قرع طبول الحرب، يؤكد رئيس مجلس النواب والبيت الأبيض أن الهدف النهائي هو الوصول إلى تسوية سلمية شاملة تضمن الأمن والاستقرار. وتجري حاليًا مفاوضات حساسة للغاية خلف الأبواب المغلقة تهدف إلى نزع فتيل الانفجار وتجنب المواجهة المباشرة التي قد تخرج عن السيطرة. إن التردد في مواجهة الإدارة داخل الكونجرس ينبع من الخوف من تقويض هذه الجهود الدبلوماسية التي قد تكون الفرصة الأخيرة لمنع وقوع كارثة كبرى في الشرق الأوسط.

​يبقى الأمل معلقًا على قدرة الأطراف الدولية على تغليب لغة العقل والوصول إلى تفاهمات تحترم السيادة وتضمن المصالح المشتركة للجميع. إن التاريخ سيسجل هذه اللحظة كاختبار لإرادة السلام في مواجهة نزعات التصادم العسكري التي تطل برأسها من جديد. ومع انتهاء مهلة الستين يومًا، يدخل العالم مرحلة جديدة من الترقب، حيث تحدد القرارات المتخذة في الساعات القادمة مسار المنطقة والعالم لسنوات طويلة قادمة بعيدًا عن لغة السلاح.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات