تعد الشوكولاتة من أكثر الأطعمة المحبوبة في العالم، منذ ظهرت أشجار الكاكاو في حوض الأمازون قبل نحو 4000 عام، حين صنع سكان أمريكا الوسطى مشروبا من حبوبها، قبل أن ينتقل إلى أوروبا أواخر القرن الـ16، ثم يتحول مركز ثقل زراعة الكاكاو إلى أفريقيا ابتداء من القرن الـ18. ومع هذا الانتشار، بلغت قيمة سوق الشوكولاتة العالمية قرابة 130 مليار دولار عام 2025، ويتوقع أن تصل إلى نحو 175 مليارا بحلول 2035، وفقا لتقديرات حديثة.
ورغم هذا الحضور الكاسح، تكشف أرقام الاستهلاك مفارقة صارخة تعكس عولمة الشوكولاتة، فإنتاج الكاكاو يتم بالكامل تقريبا في دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، لكن سكان هذه المناطق لا يستهلكون سوى أقل من ربع الشوكولاتة المنتجة، في حين تستأثر أوروبا والولايات المتحدة وكندا بمعظم الشوكولاتة الفاخرة في العالم، ويستهلك الأمريكيون وحدهم 3 ملايين طن سنويا.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ورغم قرون من الاعتياد على مذاق الشوكولاتة، ما زالت هذه الحلوى تخبئ أسرارا مدهشة؛ أحدثها ما كشفه باحثون في جامعة نوتنغهام البريطانية من أن سر نكهتها لا يكمن في حبة الكاكاو نفسها، بل في البكتيريا والفطريات التي تتولى مهمة تحويل تلك الحبوب الخام إلى نكهات معقدة أثناء التخمير. ويقول ديفيد غوبولشان المشرف على الدراسة -المنشورة في “نيتشر مايكروبيولوجي” عام 2025- إن هذا الفهم الجديد قد يجعل من الممكن إنتاج شوكولاتة ذات جودة ونكهة أكثر ثباتا في العالم، من خلال تحويل عمليات التخمير العفوية إلى عملية مضبوطة على أسس علمية.

فن التخمير والتحميص
في مقال علمي منشور على موقع “ذا كونفرسيشن”، توضح شيريل بارينجر، عالمة الأغذية في جامعة أوهايو، أن الشوكولاتة تبدأ كحبة كاكاو ذات مذاق مر وقابض، محبوسة داخل قرن ينمو على شجرة الكاكاو. وللوصول إلى الطعم الذي نعرفه، تحتاج الحبوب إلى خطوتين أساسيتين:
في مزارع البلدان الاستوائية تُوضع حبوب الكاكاو الطازجة في صناديق خشبية أو سلال، أو تُكدس في أكوام وتغطى بأوراق شجر الموز لمدة تتراوح بين 5-7 أيام. خلال هذه الفترة تبدأ البكتيريا والفطريات الموجودة في البيئة عملها، فتنتج مركبات كيميائية تحلل الحبوب وتكوّن ما يشبه “السلائف” التي تمهد للنكهة النهائية. هذه المرحلة ضرورية للخطوة التالية، إذ إن تحميص حبوب لم تختمر جيدا يجعل مذاقها باهتا.
تتألق نكهة الشوكولاتة من خلال تفاعل كيميائي يعرف باسم “تفاعل ميلارد”، وهو التفاعل نفسه الذي يمنح الخبز الطازج واللحوم المشوية والقهوة رائحتها المميزة. يجمع هذا التفاعل بين السكريات والبروتينات في الحبوب المخمرة تحت حرارة عالية، فتتشكل مركبات عطرية متعددة تعطي الشوكولاتة تلك الرائحة الرائعة. وتختلف النتيجة باختلاف درجة الحرارة؛ إذ تعزز الدرجات المنخفضة النكهات الخفيفة مثل نكهة الفواكه، في حين تنتج الدرجات العالية نكهات أقرب إلى الكراميل والقهوة.

البكتيريا والفطريات صنّاع نكهة الشوكولاتة
حتى وقت قريب كان يُظن أن النكهات الدقيقة في الشوكولاتة الفاخرة -من حمضيات وتوابل ولمسات كراميل- تأتي في الأساس من نوعية حبوب الكاكاو نفسها. وكان المزارعون يتركون عملية التخمير تسير بشكل عفوي دون تدخل كبير في نوع الميكروبات أو طريقة عملها، مما جعل نكهة الحبوب وجودتها تختلف بشدة بين موسم وآخر ومن مزرعة إلى أخرى.
فريق جامعة نوتنغهام -بالتعاون مع مزارعين في كولومبيا- قرر تتبع ما يحدث بدقة داخل أكوام الكاكاو أثناء التخمير. فراقب العلماء على مدى أسبوع التغيرات في درجة الحرارة والحموضة وتركيب المجتمعات الميكروبية في الحبوب، واكتشفوا أن هذه التغيرات ليست عشوائية، بل مرتبطة مباشرة بنشاط البكتيريا والفطريات التي تحلل الحبوب وتطلق مركبات ترفع حرارة الكومة وتغير حموضتها، ومن ثم تشكل النكهات التي تظهر لاحقا عند التحميص.
النتيجة المفاجئة لهذه الدراسة أن البكتيريا والفطريات هي التي تنتج الجزء الأكبر من المركبات المسؤولة عن نكهة الشوكولاتة، إلى حد أن الباحثين تحدثوا عن نكهات تتشكل “دون اعتماد على حبوب الكاكاو نفسها وحدها” بالمعنى التقليدي.
وبحسب الدكتور غوبولشان، تمكن الفريق من تحديد أنواع معينة من الميكروبات تجعل مذاق الشوكولاتة أقرب إلى “المثالي”. هذه المعرفة تفتح الباب لاستخدام مجتمعات ميكروبية يتم التحكم فيها مخبريا لإعادة ابتكار النكهات المعقدة التي يحبها عشاق الشوكولاتة، وللسماح نظريا لأي مصنع بضبط نكهة معينة عبر التحكم في الميكروبات المسؤولة عن التخمير.

علماء يعيدون ابتكار الشوكولاتة
وراء كل لوح شوكولاتة معتاد، وصفة تجمع بين عجينة الكاكاو وكميات كبيرة من السكر والدهون المشبعة التي توفرها زبدة الكاكاو. هذا المزيج يجعل الفوائد الصحية المحدودة للكاكاو تتراجع أمام مخاطر مرتبطة بزيادة استهلاك السكريات والدهون، مثل ارتفاع احتمالات الإصابة بداء السكري وبعض أمراض القلب والأوعية الدموية.
لمعالجة هذا الخلل، ابتكر فريق من الباحثين السويسريين في عام 2025 طريقة مختلفة تعتمد على جزء كان يهدر سابقا: قرون شجرة الكاكاو نفسها. فعبر تعريض هذه القرون لعمليات تخمير وتحميص وطحن مطولة، تمكن الباحثون من تحويلها إلى معجون هلامي حلو المذاق يمكن أن يحل محل جزء من السكريات في وصفات الشوكولاتة، مع الاستفادة من الألياف التي يحتويها. النتيجة -بحسب الفريق- إمكانية إنتاج شوكولاتة أقل هدرا وأقرب إلى أن تكون “أكثر صحة”.
ويشرح الباحث كيم ميشرا أن الألياف الموجودة في هذا المكون الجديد تساعد على تنظيم نشاط الأمعاء، وتقلل من الارتفاع السريع في مستويات السكر في الدم عند تناول الشوكولاتة، مقارنة بالوصفات التقليدية الغنية بالسكر المكرر.

كم تعيش الشوكولاتة؟
توضح الدكتورة بارينجر أن للشوكولاتة عمرا مثاليا للاستهلاك؛ فالشوكولاتة بالحليب يفضل تناولها خلال عام تقريبا من إنتاجها، في حين يمكن للشوكولاتة الداكنة أن تحتفظ بجودتها فترة أطول تصل إلى عامين، إذا خُزنت بالشكل الصحيح.
فبعد تحميص الحبوب تتكون مركبات عطرية متطايرة مسؤولة عن الرائحة والطعم، وكلما طال الوقت تبخرت هذه المركبات تدريجيا، فتتراجع النكهة ويبهت مذاق الشوكولاتة. لذلك لا تنصح بتخزين الشوكولاتة في الثلاجة، لأنها تمتص الرطوبة والروائح من الأطعمة الأخرى، وإن كان يمكن حفظها في الفريزر داخل وعاء محكم الإغلاق لتقليل تعرضها للهواء والرطوبة.
بقع بيضاء لا تفسد كل شيء
إذا لاحظت بقعا بيضاء خشنة الملمس على سطح لوح الشوكولاتة، فالأرجح أنها ناتجة عن تبلور زبدة الكاكاو داخل اللوح، بحسب بارينجر.
من الناحية الصحية يظل اللوح صالحا للأكل، لكن النكهة والقوام لن يكونا في أفضل حالاتهما، إذ يفقد السطح نعومته ويصبح المذاق أقل غنى مما كان عند إنتاجه.
الشوكولاتة لا تغير كيمياء دماغك
تواجه الشوكولاتة منذ عقود سمعة متأرجحة بين من يراها غذاء “يخرب” الحمية، ومن ينسب إليها قدرات علاجية مبالغ فيها. وفي معرض الرد على السؤال الشائع: هل تعد الشوكولاتة منشطا جنسيا أو مضادا للاكتئاب؟ تقول بارينجر إن الأبحاث لا تدعم هذه الصورة.
فبرغم أن تناول الشوكولاتة يجعل كثيرين يشعرون بالسعادة، فإن ذلك يعود أساسا إلى مذاقها ورائحتها وتجربة الأكل نفسها، وليس لأنها تغير كيمياء الدماغ على نحو يجعلها دواء بديلا أو مكافئا لمضادات الاكتئاب أو العلاجات الطبية المعروفة.
في النهاية، يبقى حلم عشاق الشوكولاتة واحدا: نكهة مثالية تمنحهم لحظة سعادة مع أقل قدر ممكن من الشعور بالذنب. وبين أبحاث الميكروبات التي تعيد تشكيل الطعم، ومحاولات العلماء تحسين القيمة الغذائية وتقليل الهدر، يبدو أن هذه الحلوى التي نحتفل بيومها العالمي في 7 يوليو/تموز من كل عام ما زالت قادرة على مفاجأتنا بعد أربعة آلاف عام من وجودها في حياتنا.
