مونديال 2026.. هل يكسر توخيل وغارسيا العقدة التاريخية لكأس العالم؟ | رياضة

مونديال 2026.. هل يكسر توخيل وغارسيا العقدة التاريخية لكأس العالم؟ | رياضة

لأكثر من تسعة عقود، ظلت بطولة كأس العالم أكثر من مجرد منافسة على الكأس الذهبية؛ فقد كانت ساحة تتجسد فيها الهوية الوطنية بكل تفاصيلها، من الألوان والأهازيج إلى أسلوب اللعب وحتى هوية الرجل الواقف على الخط الفني.

ولهذا، بدا منصب مدرب المنتخب الوطني بالنسبة إلى القوى الكروية الكبرى امتدادا طبيعيا لثقافة البلد الكروية، لا وظيفة يمكن إسنادها إلى خبير أجنبي مهما بلغت مكانته.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

لكن النسخة الحالية من كأس العالم عام 2026 تبدو وكأنها تراجع واحدة من أكثر المسلمات رسوخا في تاريخ اللعبة. فمع وصول إنجلترا بقيادة الألماني توماس توخيل وبلجيكا بقيادة الفرنسي رودي غارسيا إلى دور الثمانية، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: هل ما زالت الجنسية شرطا لقيادة منتخب إلى المجد العالمي، أم أن كرة القدم دخلت مرحلة تجاوزت فيها الحدود التقليدية؟

هذه المرة، لا يتعلق الأمر بتجربة معزولة أو مغامرة استثنائية، بل بتحول واضح في فلسفة الاتحادات الوطنية. فعند انطلاق البطولة، كان 27 منتخباً يقودها مدربون أجانب، مقارنة بتسعة منتخبات فقط قبل أربع سنوات، في مؤشر يعكس اتساع القناعة بأن النجاح لم يعد مرتبطا بجواز سفر المدرب بقدر ارتباطه بخبرته وقدرته على إدارة مشروع كروي متكامل.

ومع تقلص عدد المنتخبات المتبقية في البطولة إلى ثمانية فقط، بقي توخيل وغارسيا وحدهما يمثلان هذا التوجه، وهما يطمحان إلى كتابة فصل جديد في تاريخ كأس العالم، بأن يصبحا أول مدربين أجنبيين يقودان منتخبا إلى إحراز اللقب.

وتعود آخر مرة بلغ فيها منتخب يقوده مدرب أجنبي المباراة النهائية إلى نسخة عام 1978، عندما قاد النمساوي إرنست هابل منتخب هولندا إلى النهائي قبل أن يخسر أمام الأرجنتين. ومنذ ذلك الحين، بقي اللقب حكرا على مدربين من جنسية منتخباتهم، وكأن كأس العالم كانت تقاوم أي محاولة لكسر هذا التقليد.

إنجلترا… الرهان الذي بدأ يؤتي ثماره

تبدو إنجلترا اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى كسر هذه القاعدة التاريخية. فبعد تجارب لم تحقق الطموحات مع السويدي سفين-غوران إريكسون والإيطالي فابيو كابيلو، اختار الاتحاد الإنجليزي الألماني توماس توخيل، لكن ليس لإحداث ثورة شاملة، وإنما لاستكمال ما بناه غاريث ساوثغيت، الذي أعاد “الأسود الثلاثة” إلى دائرة المنافسة العالمية، بعدما قاد المنتخب إلى نهائيين في بطولة أوروبا وإلى نصف نهائي كأس العالم.

ويواصل توخيل حتى الآن السير في الاتجاه الصحيح، بعدما قاد منتخبه لتجاوز جمهورية الكونغو الديمقراطية والمكسيك وبلوغ دور الثمانية، حيث تنتظره مواجهة أمام النرويج، صاحبة واحدة من أكبر مفاجآت البطولة بإقصائها البرازيل من دور الستة عشر.

England's German head coach Thomas Tuchel gestures during the 2026 World Cup round of 16 football match between Mexico and England at the Mexico City Stadium in Mexico City on July 5, 2026.
توماس توخيل مدرب المنتخب الإنجليزي (الفرنسية)

البرازيل… مشروع طويل الأمد

في المقابل، لم تنجح البرازيل حتى الآن في جني ثمار قرارها التاريخي بالاستعانة بالإيطالي كارلو أنشيلوتي، الذي تولى المهمة قبل عام واحد فقط بهدف قيادة مشروع إعادة بناء شامل لأكثر المنتخبات تتويجا بكأس العالم.

ولا تزال “السيليساو”، بطلة العالم خمس مرات، تبحث عن العودة إلى منصة التتويج، بعدما غابت عن أي نهائي منذ إحراز لقبها الخامس عام 2002.

ورغم أن الرهان على أنشيلوتي لم يحقق النتائج المرجوة بشكل فوري، فإن الاتحاد البرازيلي بعث برسالة واضحة حول ثقته بالمشروع، بعدما مدد عقد المدرب الإيطالي حتى كأس العالم المقبلة قبل انطلاق البطولة الحالية، في إشارة إلى أن إعادة بناء منتخب بحجم البرازيل تحتاج إلى وقت أطول من مجرد بطولة واحدة.

بلجيكا… تجربة متجددة

أما بلجيكا، فلم تكن غريبة عن فكرة المدرب الأجنبي، بعدما قادها الإسباني روبرتو مارتينيز إلى المركز الثالث في مونديال عام 2018، وهو أفضل إنجاز في تاريخها.

لكن مارتينيز لم ينجح في تكرار النجاح نفسه مع البرتغال، التي ودعت النسخة الحالية من دور الستة عشر أمام إسبانيا.

وفي نسخة عام 2026 يدخل المنتخب البلجيكي، بقيادة الفرنسي رودي غارسيا، مواجهة إسبانيا في دور الثمانية بمعنويات مرتفعة، بعدما حقق فوزا كبيرا بنتيجة 4-1 على الولايات المتحدة، إحدى الدول المستضيفة للبطولة.

Soccer Football - FIFA World Cup 2026 - Round of 16 - United States v Belgium - Seattle Stadium, Seattle, Washington, U.S. - July 6, 2026 Belgium coach Rudi Garcia before the match IMAGN IMAGES via Reuters/Troy Wayrynen
رودي غارسيا مدرب المنتخب البلجيكي (رويترز)

كرة القدم بلا حدود

لطالما اعتمدت الاتحادات الأصغر على المدربين الأجانب بهدف تطوير منتخباتها والاستفادة من مدارس كروية مختلفة، غير أن هذا الخيار بدأ يجد طريقه تدريجيا إلى المنتخبات الكبرى، التي ظلت لعقود تعتبر المدرب الوطني جزءا من هوية المنتخب، لا مجرد مدير فني.

ويرى سايمون كوبر، مؤلف كتب “حمى كرة القدم” و”اقتصاديات كرة القدم” و”كرة القدم ضد العدو”، أن جذور هذه الفكرة تعود إلى مفهوم الهوية الوطنية ذاته.

وقال كوبر لرويترز: “أعتقد أن الأمر يرتبط جزئيا بالفخر الوطني”.

وأضاف: “الفكرة هي أن كأس العالم لا تتعلق فقط بالفوز بأكبر عدد ممكن من المباريات، بل أيضا بإظهار ثقافة كرة القدم الخاصة ببلدك، وهذا يمتد إلى المدرب نفسه”.

وتابع: “هناك اعتقاد راسخ بأن الاستعانة بمدرب أجنبي تكاد تشبه الغش، أو أنها تفتقر إلى الأصالة”.

ولأن الدول الثماني المتوجة بكأس العالم امتلكت تاريخيا نخبة كبيرة من المدربين المحليين، فقد ظل منصب مدرب المنتخب يمثل قمة الهرم التدريبي.

وقال كوبر: “منح هذا المنصب لمدرب أجنبي يُعد إهانة لكبار المدربين في بلدك، ولذلك فالأمر معقد سياسيا”.

وأضاف: “كما كان هناك شعور، أقوى مما هو عليه اليوم، بأن لكل دولة أسلوبها الكروي الخاص الذي لا يمكن لمدرب أجنبي أن يفهمه أو يجسده”.

رهان الكفاءة يتصاعد عالميا

غير أن العولمة غيرت كثيرا من ملامح اللعبة، ولم تعد المدارس الكروية منفصلة كما كانت في السابق، بل أصبح اللاعبون والمدربون يتنقلون بين البطولات الكبرى، وتتقارب الأفكار التكتيكية عاما بعد آخر.

وقال كوبر: “نعيش اليوم في عصر يمكن الحديث فيه عن أسلوب لعب دولي موحد، وهي عبارة مستعارة من عالم الهندسة المعمارية لكنها تنطبق على كرة القدم أيضا”.

وأضاف: “إنه أسلوب يقوم إلى حد كبير على الجهد البدني المكثف، وتبادل المراكز، وسرعة تناقل الكرة، والعمل الجماعي المنظم”.

ومن هذا المنطلق، يرى كوبر أن مزيدا من الاتحادات الوطنية قد يتجه مستقبلا إلى البحث عن مدربين من خارج حدودها عندما تعجز الحلول التقليدية عن تحقيق النتائج.

وقال: “السبب الذي دفع البرازيل إلى اتخاذ هذه الخطوة هو أنها أدركت، كما أدركت دول أخرى قبلها، أن أسلوبها التقليدي لم يعد يحقق النتائج المرجوة”.

وأضاف: “الأمر يشبه ما فعلته إنجلترا عندما استعانت بإريكسون ثم كابيلو. إنه نوع من الاعتراف بأن النموذج الكروي السائد لم يعد كافيا”.

وتابع: “لكن اتخاذ مثل هذا القرار ليس سهلا، لأنه يعني الإقرار بأنك ابتعدت عن الطريق الصحيح، وأن عليك التخلي عن جزء من الهوية التي يرتبط بها الناس عاطفيا”.

ويؤكد كوبر أن مثل هذه القرارات غالبا لا تُتخذ في أوقات الاستقرار، بل عندما تدخل المنتخبات الكبرى في مرحلة من التراجع تدفعها إلى مراجعة قناعاتها القديمة.

وقال: “إذا كنت اتحادا كبيرا وتراجعت نتائجك لفترة طويلة مقارنة بتوقعاتك، كما حدث مع إنجلترا، أو كما يحدث مع إيطاليا الآن، فستبدأ في التفكير بخيارات مختلفة”.

وأضاف: “وينطبق الأمر أيضا على البرازيل، فهي تدخل كل بطولة بهدف الفوز بها. وعندما تصل إلى مرحلة الأزمة، تصبح أكثر استعدادا لاتخاذ مثل هذا القرار”.

فينيسيوس جونيور (يمين) أشاد بعمل أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل
فينيسيوس جونيور (يمين) أشاد بعمل أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (رويترز)

وختم قائلا: “وليس في ذلك نهاية العالم، كما أظهرت تجربة إنجلترا. فحتى داخل أكثر ثقافات كرة القدم ارتباطا بالهوية الوطنية، يتقبل معظم الناس هذا الخيار في النهاية”.

وبين تمسك الماضي ومتطلبات كرة القدم الحديثة، يبدو أن مونديال عام 2026 قد لا يحسم فقط هوية البطل الجديد، بل ربما يحدد أيضا مستقبل أحد أكثر التقاليد رسوخا في اللعبة: هل يبقى منتخب الوطن حكرا على مدرب من أبنائه، أم يصبح النجاح وحده هو المعيار؟

أحمد ماجد حاصل على بكالوريوس علوم وتكنولوجيا يعمل كاتب في موقع الرسالة نيوز الإخباري

كل مقالات الكاتب

أحمد ماجد حاصل على بكالوريوس علوم وتكنولوجيا يعمل كاتب في موقع الرسالة نيوز الإخباري