الأمم المتحدة – “القدس العربي”: حذّرت الأمم المتحدة من أن الأزمة الإنسانية في أفغانستان تتفاقم يومياً في ظل الفقر والجوع والصدمات المناخية المتكررة وتراجع التمويل الإنساني، مؤكدة أن ملايين الأفغان يواجهون ظروفاً معيشية تزداد صعوبة، رغم تحسن الوضع الأمني في أجزاء من البلاد.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي في مقرّ الأمم المتحدة، استعرضت فيه أولغا تشيريفكو، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في أفغانستان، نتائج جولاتها الميدانية الأخيرة في ولايات باميان وهرات وبكتيكا وخوست ونورستان، حيث اطلعت على أوضاع المجتمعات المتضررة من الفيضانات والكوارث الطبيعية.
وقالت إن الفيضانات الأخيرة في نورستان دمرت المنازل والبنية التحتية، وأودت بحياة عدد من الأشخاص، فيما فقدت أسر كثيرة مصادر رزقها وكل ما تملكه. وأضافت أن الأمم المتحدة وشركاءها استجابوا سريعاً عبر توفير المأوى والغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة وخدمات الحماية والدعم النفسي.
وأوضحت أن أفغانستان تُعدّ من أكثر دول العالم تعرّضاً لتداعيات تغير المناخ، إذ تتوالى عليها الفيضانات والجفاف والزلازل والشتاء القاسي، ما يدفع الأسر الهشة إلى مزيد من الفقر والديون. وأكدت أن معظم الأشخاص الذين التقتهم لا يطلبون مساعدات غذائية بقدر ما يطالبون بفرص عمل ومصادر دخل تمكّنهم من إعالة أسرهم بأنفسهم.
وفي ما يتعلق بأوضاع النساء والفتيات، قالت إن القيود المفروضة عليهن تؤثر في التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة في الحياة العامة، محذّرة من أن استمرار استبعاد النساء والفتيات من المجتمع ينعكس سلباً على مستقبل البلاد وقدرتها على التعافي.
وأضافت أن الأمم المتحدة تسجّل مستويات مقلقة من سوء التغذية الحاد، لا سيما بين الأطفال، مشيرة إلى أن حالات الهزال بين الأطفال ارتفعت هذا العام في أكثر من ثلاثة أرباع أنحاء البلاد، بينما لا يتمكن كثير من الأطفال من الوصول إلى المرافق الصحية بسبب بُعد المسافات، وصعوبة الطرق، ونقص الخدمات.
كما حذّرت من استمرار خطر الذخائر غير المنفجرة، مؤكدة أن أفغانستان تحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث عدد ضحايا هذه الذخائر، التي ما زالت تقتل وتصيب المدنيين، خصوصاً الأطفال والمزارعين.
وأشارت كذلك إلى أن الاشتباكات عبر الحدود لا تزال تحصد أرواح المدنيين، موضحة أن بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان (يوناما) وثقت، بين أكتوبر/ تشرين الأول 2025 ونهاية يونيو/ حزيران 2026، أكثر من 1700 ضحية مدنية، بينهم نحو 500 قتيل وأكثر من 1200 جريح.
وأكدت أن تحسن الوضع الأمني في بعض المناطق لا يعني بالضرورة تحسن الأمن الإنساني، مشددة على أن ملايين الأفغان ما زالوا يواجهون تحديات يومية تتعلق بالغذاء والرعاية الصحية وسبل العيش.
وخلال فقرة الأسئلة، سألت “القدس العربي” أولغا تشيريفكو عن تجربتها السابقة في قطاع غزة، وما إذا كانت قد استفادت من تلك الخبرة خلال عملها الحالي في أفغانستان.
وأجابت تشيريفكو بأن لكل أزمة إنسانية خصوصيتها، إلا أن ما يجمع بينها هو أن المدنيين هم دائماً من يدفعون الثمن الأكبر، سواء في غزة أو أفغانستان أو أي منطقة نزاع أخرى. وأضافت أن الحروب والفقر المزمن والجوع والأزمات الإنسانية تؤثر، أولاً وقبل كل شيء، على السكان المدنيين، وهو ما لمسته خلال عملها في مختلف المناطق.
كما سألت “القدس العربي” عن مدى ارتباط الأزمة الحالية في أفغانستان بالإرث الذي خلفته سنوات الوجود العسكري الأجنبي، وما إذا كانت الأمم المتحدة تنسب الأوضاع الراهنة إلى السلطات الحالية فقط، أم أنها ترى أيضاً أن كثيراً من المشكلات تعود إلى تراكمات السنوات الماضية.
وردت تشيريفكو بأن الأمم المتحدة لا تنسب المسؤولية إلى جهة بعينها، وإنما تعرض الواقع الإنساني كما هو على الأرض. وأوضحت أن أفغانستان تواجه اليوم أزمات متراكمة تشمل الفقر المزمن والجوع وسوء التغذية وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية، مؤكدة أن ما يثير قلق الأمم المتحدة هو أن المؤشرات الإنسانية تتجه نحو مزيد من التدهور، الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود لمنع تفاقم الأزمة.
وفي سؤال آخر لـ”القدس العربي” عن تأثير تخفيضات التمويل على البرامج الإنسانية، وخاصة البرامج المخصصة للأطفال والتعليم والتنمية، وما الذي لاحظته الأمم المتحدة على الأطفال بعد تقليص هذه البرامج، قالت تشيريفكو إن تخفيضات التمويل أثرت في مختلف القطاعات الإنسانية، بما فيها التغذية والرعاية الصحية والتعليم، مؤكدة أن جميع الشركاء الإنسانيين يواجهون المشكلة نفسها.
وأضافت أن من أكثر البرامج تضرراً برامج إزالة الألغام والتوعية بمخاطر الذخائر غير المنفجرة، موضحة أن أفغانستان ما زالت تسجل ثالث أعلى عدد من ضحايا الذخائر غير المنفجرة في العالم، في حين تقلص عدد فرق إزالة الألغام بشكل كبير بسبب نقص التمويل.
وقالت إنها شاهدت بنفسها أطفالاً أصيبوا نتيجة انفجار ذخائر غير منفجرة، مؤكدة أن نقص الموارد أدى إلى تقليص برامج التوعية وإزالة الألغام والمسح الميداني، الأمر الذي يزيد من المخاطر التي يتعرّض لها الأطفال والمدنيون.
واختتمت بالإشارة إلى أن الأمم المتحدة تجد نفسها مضطرة إلى «القيام بالمزيد بموارد أقل»، في وقت تتجه فيه المؤشرات الإنسانية إلى التدهور، لا إلى التحسن، وهو ما يزيد من خطورة الوضع على الأطفال والأسر الأكثر ضعفاً في أنحاء أفغانستان.

