من الكيف والدجل إلى العلم الزائف.. كيف تفضح السينما تجارة الوهم واستغلال الضعف البشري؟

من الكيف والدجل إلى العلم الزائف.. كيف تفضح السينما تجارة الوهم واستغلال الضعف البشري؟

“وهم صنعوه الناس بضعفهم وجهلهم وعودوا نفسهم عليه”، جملة بسيطة نطق بها الفنان يحيى الفخراني في فيلم “الكيف”؛ ليصف بها حال البعض في ملاحقة الأوهام لتحقيق مرادهم، فاستطاعت السينما المصرية تجسيد تلك الفكرة في أفلام عديدة لتصف كيفية التجارة بالوهم واستغلال الضعف البشري، فنراه واقعًا متجليًا أمامنا اليوم بعد جدل نظام الطيبات للطبيب “ضياء العوضي”؛ لذا عزيزي القارئ فلنخض معًا رحلة في السينما المصرية وكيف عكست واقع الأوهام المأساوي في أفلامها؟.

 “الكيف”.. حين يصنع العقل المخدر

دعنا نبدأ بسردية فيلم “الكيف” للفنان يحيى الفخراني ومحمود عبدالعزيز، والذي يروي رحلة “صلاح” الذي يلعب دوره “الفخراني” في صنع مادة وهمية خالية من أي ممنوعات ويتم بيعها على أنها مادة مخدرة، والغريب ورغم أنها مادة مصنوعة بالكامل من العطارة وليس بها أي مادة مخدرة إلا أنها كان لها تأثير ملحوظ على “أصحاب الكيف”، ليفسر “صلاح” بوضوح أن وهم الناس وضعفهم البشري هو ما دفعهم لتصديق أن تلك المادة مخدرة بالفعل من خلال الإيحاء النفسي. 

كيف تفضح السينما تجارة الوهم واستغلال الضعف البشري؟ 

حين يصبح الدجال بديلاً للطبيب في البيضة والحجر

وليس فيلم “الكيف” هو ما صنع تلك السردية بمفرده، فهناك وفقا لما رصده موقع تحيا مصر فيلم “البيضة والحجر” أيضًا الذي جعل مٌعلم الفلسفة يتحول لـ “دجال” له شهرة كبيرة بين الفقراء والمشاهير والجهلاء وأصحاب العلم، فنجد ذلك واضحًا في مشهد ببداية الفيلم عندما استطاع “منتصر” حل مشكلة العجز الجنسي لـ “شاب” متزوج حديثًا رغم إنه لم يعالجه بالفعل لكن اقناع الشاب بأنه خضع للعلاج بالفعل مع الدجال خلق بداخله حل لمشكلته. 

التجارة بالعلم في جري الوحوش

وخلق الوهم داخل الناس له وسائل عدة ولا يقتصر على “الدجل” أو “الكيف” فقط بل يمكن أن يتم باستخدام العلم أيضًا، فنجد في فيلم “جري الوحوش” الطبيب يستطيع إقناع صديقه باستعادة شبابه والإنجاب من خلال عملية جراحية بسيطة، وبالرغم من العلم والإيمان الذي يتمتع به صديقه إلا أنه يصدقه ويخضع للعملية بسبب رغبته الكبيرة في الإنجاب، فتلك الرغبة خلقت بداخله الضعف وهذا الضعف ما يخلق بداخله الرغبة في السير نحو الوهم. 

في تلك الأفلام لم تسعى السينما في الحكم على عجز الأشخاص أو السخرية منهم، بل في حقيقة الأمر في التعاطف معهم وصيغ مبررات واضحة لانسياقهم ورا الوهم، فما يجمع الجاهل والعالم والفنان والمشهور هو “الضعف البشري”، ضعف تجاه المرض أو الوحدة والشعور بالعجز لعدم إيجاد طريقة لحل مشكلتهم، وهو ما يجعلهم ينساقون وراء الأوهام وتصديقها بل والعلاج من خلالها، لأنه صدق عزيزي القارئ أو لا تصدق يستطيع الإيحاء النفسي علاج الشخص وهو ما يسمى في علم النفس بـ “تأثير البلاسيبو”. 

العلاج بالإيحاء النفسي

و “البلاسيبو” هي حالة يحدث فيها تحسن في صحة الشخص ليس بعلاج أو دواء حقيقي، لكن باستخدام طرق وهمية يصفها له شخص آخر باعتقاد أن هذا العلاج سيكون مفيدًا له، وهنا يلعب العقل دور كبير في الإحساس بالتحسن بسبب التوقعات الإيجابية التي يكون لها تأثير كبير على المخ؛ فيتم إفراز مواد تقلل الألم وتحسن الحالة ويشعر المريض بالراحة.

وهو ما نجده يحدث بوضوح مع بعض الحالات المرضية للطبيب الراحل “ضياء العوضي” الذين أكدوا شعورهم بتحسن كبير في حالتهم الصحية رغم عدم تناولهم أي عقار والتزامهم فقط بنظام “الطيبات”، لتطرح تلك الوقائع تساؤل هام سبق وأن طرحته السينما من قبل: “هل المشكلة الحقيقية في بائع الوهم أن في من يختار أن يصدقه رغم وضوح الحقيقة أمامه؟”.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات