‭ ‬منزل‭ ‬بريطاني‭ ‬للتنصت‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬يتحوّل‭ ‬متحفاً

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

رحلة‭ ‬داخل‭ ‬أكثر‭ ‬البيوت‭ ‬غموضا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث

اقرأ أيضا: من السماد إلى المتاجر.. هل تعود موجة تضخم الغذاء؟

المملكة‭ ‬المتحدة‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬يكشف‭ ‬متحف‭ ‬افتُتح‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬ريفي‭ ‬فخم‭ ‬شمال‭ ‬لندن‭ ‬قصة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬عمليات‭ ‬الاستخبارات‭ ‬البريطانية‭ ‬سرية‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬جنرالات‭ ‬نازيون‭ ‬يحتسون‭ ‬النبيذ‭ ‬ويتبادلون‭ ‬الأحاديث‭ ‬في‭ ‬طبقاته‭ ‬العليا،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬فريق‭ ‬مختبئ‭ ‬في‭ ‬القبو‭ ‬يتنصت‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقولونه‭.‬

وتحوّل‭ ‬منزل‭ “‬ترينت‭ ‬بارك‭” ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬معسكر‭ ‬لاحتجاز‭ ‬أسرى‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬ضباط‭ ‬الجيش‭ ‬النازي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬اليوم‭ ‬متحفا‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ “‬منزل‭ ‬ترينت‭ ‬بارك‭ ‬للأسرار‭”.‬

ويسلط‭ ‬المتحف‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬الناطقين‭ ‬بالألمانية،‭ ‬كان‭ ‬معظم‭ ‬أفراده‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬اليهود،‭ ‬تولى‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬محادثات‭ ‬الأسرى‭ ‬وتفريغ‭ ‬مقتطفات‭ ‬منها‭ ‬تضمنت‭ ‬معلومات‭ ‬عسكرية‭ ‬سرية‭.‬

وقال‭ ‬مدير‭ ‬المتحف‭ ‬جوزيبي‭ ‬ألبانو‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬يُعَدُّ‭ ‬ترينت‭ ‬بارك‭ ‬جزءا‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬بيوت‭ ‬للاستخبارات،‭ ‬لنُسمِّها‭ ‬كذلك،‭ ‬أشهرها‭ ‬بيت‭ ‬بليتشلي‭ ‬بارك‭”.‬

ويقع‭ “‬بليتشلي‭ ‬بارك‭” ‬شمال‭ ‬لندن،‭ ‬وهو‭ ‬المنزل‭ ‬الريفي‭ ‬الذي‭ ‬نجح‭ ‬فيه‭ ‬عالم‭ ‬الرياضيات‭ ‬آلان‭ ‬تورينغ‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬شيفرة‭ ‬رسائل‭ ‬الجيش‭ ‬النازي،‭ ‬وقد‭ ‬تناول‭ ‬فيلم‭ “‬لعبة‭ ‬المحاكاة‭” (‬The‭ ‬Imitation‭ ‬Game‭) ‬الحائز‭ ‬جائزة‭ ‬أوسكار‭ ‬قصته‭.‬

وبحسب‭ ‬ألبانو،‭ ‬فإن‭ ‬ترينت‭ ‬بارك‭ “‬يوازيه‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حجم‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬الحصول‭ ‬عليها،‭ ‬والتي‭ ‬استخدمتها‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬لتقصير‭ ‬مدة‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭”.‬

وكان‭ ‬ترينت‭ ‬بارك‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬المنازل‭ ‬المخصصة‭ ‬للعمل‭ ‬الاستخباراتي‭ ‬والمجهزة‭ ‬بوسائل‭ ‬تنصت‭ ‬متشابهة،‭ ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬المعلومات‭ ‬المستخرجة‭ ‬من‭ ‬أحاديث‭ ‬الأسرى‭ ‬تُرسل‭ ‬إلى‭ ‬بليتشلي‭ ‬بارك‭.‬

وقال‭ ‬ألبانو‭ ‬إن‭ ‬فكرة‭ ‬إيواء‭ ‬جنرالات‭ ‬نازيين‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬مريحة‭ ‬لاستدراجهم‭ ‬إلى‭ ‬كشف‭ ‬أسرارهم‭ ‬كانت‭ “‬استراتيجية‭ ‬خبيثة‭ ‬وبالغة‭ ‬الذكاء‭”.‬

وكان‭ ‬ترينت‭ ‬بارك‭ ‬معروفا‭ ‬بديكوراته‭ ‬الداخلية‭ ‬العصرية‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬مملوكا‭ ‬لسياسي‭ ‬ثري‭ ‬استضاف‭ ‬شخصيات‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تشارلي‭ ‬تشابلن‭ ‬وونستون‭ ‬تشرشل‭.‬

وأثناء‭ ‬الحرب،‭ ‬سلّمته‭ ‬الحكومة‭ ‬لوحدة‭ ‬استخبارات‭ ‬عسكرية‭ ‬شديدة‭ ‬السرية،‭ ‬وقام‭ ‬المهندسون‭ ‬بتركيب‭ ‬ميكروفونات‭ ‬مخفية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أرجائه،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭.‬

وكانت‭ ‬الميكروفونات‭ ‬موصولة‭ ‬بأجهزة‭ ‬تنصت‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬السفلي،‭ ‬داخل‭ ‬غرف‭ ‬الخدم،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬المحادثات‭ ‬تُراقب‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة‭.‬

واحتُجز‭ ‬في‭ ‬المنزل،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُعرف‭ ‬آنذاك‭ ‬باسم‭ ‬المعسكر‭ ‬رقم‭ ‬11،‭ ‬ما‭ ‬مجموعه‭ ‬84‭ ‬جنرالا‭ ‬و22‭ ‬ضابطا‭ ‬من‭ ‬رتب‭ ‬أدنى‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1942‭ ‬و1945‭.‬

وكان‭ ‬للأسرى‭ ‬خدم‭ ‬شخصيون‭ ‬يلبون‭ ‬طلباتهم،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يُسمح‭ ‬لهم‭ ‬بالخروج‭ ‬في‭ ‬رحلات‭ ‬نهارية‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬المحتجزين‭ ‬الجنرال‭ ‬ديتريش‭ ‬فون‭ ‬شولتيتس،‭ ‬قائد‭ ‬الحامية‭ ‬الألمانية‭ ‬في‭ “‬باريس‭ ‬الكبرى‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬نُقل‭ ‬إلى‭ ‬ترينت‭ ‬بارك‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬1944‭ ‬بعدما‭ ‬تحدى‭ ‬أوامر‭ ‬هتلر‭ ‬بتدمير‭ ‬المدينة‭ ‬ووقّع‭ ‬وثيقة‭ ‬الاستسلام‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬يدرك‭ ‬الأسرى‭ ‬أن‭ ‬أحاديثهم‭ ‬مسموعة،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬الغرف‭ ‬أو‭ ‬قرب‭ ‬النوافذ‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الحديقة،‭ ‬ما‭ ‬دفعهم‭ ‬إلى‭ ‬كشف‭ ‬أسرار‭ ‬عديدة،‭ ‬بينها‭ ‬تفاصيل‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬أول‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية،‭ ‬وهي‭ ‬صواريخ‭ “‬في‭-‬2‭” (‬V-2‭).‬

وساعدت‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬البريطانيين‭ ‬على‭ ‬قصف‭ ‬منشأة‭ ‬الأبحاث‭ ‬الخاصة‭ ‬بالصواريخ،‭ ‬ما‭ ‬أخّر‭ ‬استخدامها‭ ‬حتى‭ ‬العام‭ ‬1944،‭ ‬حين‭ ‬استُهدفت‭ ‬لندن‭ ‬بها‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭.‬

وبعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬أزالت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬أجهزة‭ ‬التنصت،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬الأسلاك‭ ‬والتوصيلات‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬مكانها،‭ ‬وتُعرض‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬الذي‭ ‬افتُتح‭ ‬عقب‭ ‬عملية‭ ‬ترميم‭ ‬نفذتها‭ ‬شركة‭ ‬عقارية‭.‬

كما‭ ‬أفرجت‭ ‬الحكومة‭ ‬عن‭ ‬نصوص‭ ‬المحادثات‭ ‬المسجلة‭ ‬وأودعتها‭ ‬الأرشيف‭ ‬الوطني،‭ ‬لكن‭ “‬بعض‭ ‬الأمور‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬سرية‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ألبانو‭.‬

اقرأ أيضا: ضمن فعاليات مهرجان جرش الـ40.. ندوة"ذاكرة جرش"تستعرض التاريخ والإرث الإنساني للمدينة

ويمكن‭ ‬لزوار‭ ‬المتحف‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬ممثلين‭ ‬يقرأون‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬المحادثات‭ ‬داخل‭ ‬غرف‭ ‬تنصت‭ ‬أعيد‭ ‬تجسيدها‭.‬

وكشفت‭ ‬التسجيلات‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الأسرى‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ “‬موقع‭ ‬لاختبار‭ ‬الصواريخ‭” ‬خلال‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬إمدادات‭ ‬النقانق‭ ‬المخصصة‭ ‬لكبار‭ ‬الضباط‭.‬

كما‭ ‬اعترف‭ ‬بعض‭ ‬الأسرى‭ ‬بارتكاب‭ ‬فظائع،‭ ‬إذ‭ ‬قال‭ ‬فون‭ ‬شولتيتس‭ “‬أسوأ‭ ‬مهمة‭ ‬نفذتها‭ ‬كانت‭ ‬تصفية‭ ‬اليهود‭”.‬

لكن‭ ‬بريطانيا‭ ‬لم‭ ‬تقدم‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬محاكمات‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب،‭ ‬تجنبا‭ ‬لكشف‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬جُمعت‭ ‬بها‭.‬

وقال‭ ‬آدم‭ ‬غانز،‭ ‬مؤلف‭ ‬المسرحية‭ ‬الإذاعية‭ “‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الجنرالات‭” ‬التي‭ ‬بثتها‭ ‬هيئة‭ ‬الإذاعة‭ ‬البريطانية،‭ “‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬ترينت‭ ‬بارك‭ ‬كان‭ ‬مهما‭ ‬للغاية‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬ومن‭ ‬الجيد‭ ‬تخليد‭ ‬ذكراه‭”.‬

وكان‭ ‬والده‭ ‬الراحل‭ ‬بيتر‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬جُندوا‭ ‬للعمل‭ ‬ضمن‭ ‬فريق‭ ‬التنصت‭ ‬البريطاني،‭ ‬بعدما‭ ‬فر‭ ‬من‭ ‬ألمانيا‭ ‬حيث‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬احتُجز‭ ‬في‭ ‬معسكر‭ “‬بوخنفالد‭”.‬

وأضاف‭ ‬غانز‭ ‬أن‭ ‬والده،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬أستاذا‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أكسفورد،‭ ‬لم‭ ‬يتحدث‭ ‬علنا‭ ‬قط‭ ‬عن‭ ‬عمله‭ ‬خلال‭ ‬الحرب،‭ ‬لكنه‭ ‬قال‭ “‬أظنه‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬الأمر‭ ‬مدعاة‭ ‬للفخر،‭ ‬وكان‭ ‬ملتزما‭ ‬به‭”.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬ائتمنت‭ ‬أفراد‭ ‬فريق‭ ‬التنصت‭ ‬حينها‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬أكثر‭ ‬أسرارها‭ ‬حساسية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬طبيعة‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬كانوا‭ ‬يؤدونه‭.‬

وأضاف‭ “‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يُعترف‭ ‬اليوم‭ ‬بقيمة‭ ‬ذلك‭ ‬الإسهام‭”.‬

‭ ‬

اقرأ أيضا: تنسيق المرحلة الثانية 2026.. الموعد والكليات المتاحة وفق مؤشرات القبول

‫0 تعليق

اترك تعليقاً