تتكشف “حرب على الشيطان وجنوده” في بلدة ماريفيل الصغيرة بولاية تينيسي الأمريكية، في صراع روحي ترأسه كنيسة متواضعة ترى أن العالم ساحة مواجهة بين الإله وجحافل الشياطين، وأنها يمكن أن تتلبس البشر أو تتخذ من أماكن معينة معاقل لها.
وتُعرف الكنيسة باسم “ذا ويل”، وهي واحدة من آلاف الكنائس التي تنتمي إلى التيار الكاريزمي، وهو أحد أسرع التيارات نموا داخل المسيحية الأمريكية، وفق تحقيق ميداني أعدته الصحفية ستيفاني ماكرومن من مجلة أتلانتك الأمريكية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
داخل “ذا ويل”، لا تبدو الطقوس شبيهة بما اعتاده كثيرون في الكنائس التقليدية، فليس هناك قداس هادئ وديكور تقليدي، بل موسيقى صاخبة وأضواء خافتة وأشخاص يلوحون بأعلام الصلاة الملونة، وآخرون يتمددون على الأرض أو يبكون أو يصرخون أو يرددون أدعية جماعية لساعات.
ويؤمن الحاضرون بأنهم يعيشون معارك غير مرئية، وأن كل صلاة تمثل ضربة في مواجهة الشياطين التي تتحكم – بحسب ما نقلته أتلانتك عن اعتقاداتهم – بالأفراد والمجتمعات.
ويرى عدد من أتباع الكنيسة – حسب ما نقلته الكاتبة – أن نشاط الشيطان يتجلى في قضايا مثل ملفات إبستين والاتجار بالأطفال وحرب إيران، وفي سعي المسلمين إلى “التفوق العددي على الأمريكيين والسيطرة على البلاد”، فضلا عن قضايا التحول الجنسي والمثليين.
ويقول الباحث ماثيو تايلور – وهو باحث زائر في مركز الإيمان والعدالة بجامعة جورجتاون الأمريكية – للمجلة إن تصوير الخصوم على أنهم شياطين أو أدوات للشيطان قد يؤدي إلى نزع إنسانيتهم، فمن “السهل كره الشياطين، لأنها تُعد كائنات لا أمل في خلاصها”، وهو ما يجعل هذا الخطاب وسيلة لتبرير العداء تجاه الخصوم السياسيين أو الثقافيين.

بداية الكنيسة
تأسست الكنيسة عام 2016 على يد مايك بروير وأندريا بروير اللذين يؤكدان للمجلة أنهما “محاربان روحيان” كُلفا بمهمة إلهية لتطهير المنطقة من السحر والنشاط الشيطاني.
يقول مايك لأتلانتك إنه تلقى هذه المهمة بعد تجربة روحية سبقت تأسيس الكنيسة، ويوضح أنه كان يعمل في أحد المصانع ويعيش – بحسب وصفه للمجلة – حياة مثقلة بالإرهاق والذنوب، ثم سمع ذات ليلة أثناء الصلاة في منزله صوتا اعتقد أنه صوت الله يدعوه إلى مسار جديد.
وبعد أيام، يقول إنه شعر داخل إحدى الكنائس بما وصفه بـ”انفجار” في صدره، اقتنع بعده بأن شيطانا خرج من جسده، بينما حل “نقاء الإيمان” مكانه، وهي التجربة التي رسخت لديه قناعة بأنه اختير لتنفيذ مهمة إلهية، لتبدأ رحلة يرى أنها قادته إلى مواجهة مباشرة مع قوى الشر، طبقا للتقرير.
وبعد تلك الحادثة، انخرط الزوجان في مؤتمرات دينية عن “صوت الأنبياء” و”صوت الرسل”، كما سافرا في رحلات تبشيرية إلى الهند وهايتي، حيث يقولان إنهما خاضا مواجهات روحية مع شياطين مرتبطة بالديانات القديمة.
ومع مرور الوقت، تبنيا رؤية تعتبر الأرض ساحة حرب مستمرة بين جيش الإله وقوات الشيطان، ومن هنا – وفق التقرير – تشكلت رسالتهما الأساسية في محاربة السحر والنشاط الشيطاني، وإعداد مؤمنين قادرين على خوض هذه “الحرب الروحية”.

جيش الكنائس لمحاربة الشياطين
وانضمت الكنيسة إلى شبكة “غلوبال أويكنينغ” ، وهي شبكة دولية تضم كنائس ومدارس لاهوتية تتبنى الفكر الكاريزمي، وبدأت أندريا دراسة ما تسميه “تاريخ الشياطين” ومراتبها داخل إحدى المؤسسات التابعة للشبكة، علما أن الفكر الكاريزمي يركز على التجارب الروحية والشخصية ومعجزات الروح القدس في العصر الحديث.
ويقول الزوجان إن الله أوحى إليهما لاحقا بمهمة محددة، تتمثل في “القضاء الكامل على السحر والنشاط الشيطاني في المنطقة”، وهو الهدف الذي أصبح محور جميع أنشطة الكنيسة.
وتنظم الكنيسة برامجها حول هذا المفهوم، فإلى جانب قداسات الأحد التي تعتمد على الموسيقى والصلوات، يخصص مساء كل خميس لجلسات “التحرير” بهدف طرد “الشياطين” من أجساد أشخاص يعتقدون أنهم يعانون من تأثيرات شيطانية.
كما تقدم الكنيسة دروسا حول ما تسميه “الحرب الروحية الإستراتيجية”، وهي معنية بالانتقال من محاربة الشياطين داخل الأفراد إلى محاربتها في الأماكن والمجتمعات، انطلاقا من الاعتقاد بأن هذه الأرواح الشريرة لها نفوذ جغرافي ومؤسسي يمكن كسره بالصلاة ووسائل روحية أخرى.
وفي هذا السياق، تدرب الكنيسة أعضاءها على تمييز الشياطين ورصد ما تعتبره “معاقل شيطانية” داخل المجتمع، باعتبار ذلك جزءا من رسالتها في إعداد “محاربين روحيين” قادرين على تغيير المدينة وما حولها، طبقا لما توصلت إليه الكاتبة.

إستراتيجيات “طرد الشياطين”
ويروي أعضاء الكنيسة تجارب يعتبرونها – وفق تعبيرهم – دليلا على نجاح هذه الجلسات، فإحدى النساء قالت إنها شعرت بصرخة خرجت من داخلها لحظة مغادرة شيطان تسبب لها بآلام نفسية وجسدية، كما قال شاب كان يعاني القلق والاكتئاب إنه شعر للمرة الأولى في حياته بـ”الحب الحقيقي” بعد جلسة التحرير.
ووفق ما نقلته المجلة عن عقيدة الكنيسة، لكل شيطان اسم واختصاص ورتبة كالآتي: “ليليث” المرتبطة بالرغبات الجسدية المحرمة، و”أودين” الذي يربطونه بالغضب والعنف، و”بليعال” المسؤول عن الشعور بانعدام القيمة، و”يزابل” التي تسبب اضطرابا في الهوية الجنسية.
وبما أن الكنيسة تعتقد أن الشياطين تستطيع السيطرة على مناطق ومدن بأكملها، فإنها تصدق أيضا أن لكل منطقة “رواية جحيم” خاصة بها يجب اكتشافها، بحسب ما نقلته المجلة عن الكنيسة.
ولهذا تجمع أندريا ما تصفه بمعلومات “الاستخبارات الروحية”، فتسجل أسماء الأشخاص الذين يُعتقد أنهم كانوا ممسوسين، وتراقب الجمعيات والأنشطة التي تراها مثيرة للريبة، وتدوّن أحلامها، وتراقب ما تعتبرها إشارات إلهية، في محاولة لرسم خريطة لنفوذ الشياطين داخل المدينة.

معركة في المدينة
وفي إحدى المرات، قادت هذه العملية إلى نتيجة بدت صادمة حتى لسكان البلدة، فقد خلص الزوجان – بحسب ما توصلت إليه الكاتبة – إلى أن مركز النشاط الشيطاني في المنطقة ليس معبدا وثنيا ولا موقعا سريا، بل مكتبة ومقهى محليان يقعان في الجهة المقابلة للكنيسة.
ورأى القادة أن الفعاليات التي يستضيفها المكان – مثل عروض للمثليين ورفع أعلام قوس قزح واستضافة اجتماعات للحزب الديمقراطي – ليست مجرد أنشطة ثقافية، بل هي مظاهر لهيمنة الشيطانة “ليليث” على المنطقة، طبقا للتقرير.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الكنيسة ما تسميه “الحرب الروحية الإستراتيجية”، حيث أنشأت غرفة حرب داخل المبنى، وعلقت خرائط للمقاطعات المجاورة، وقسمت المنطقة إلى قطاعات للصلاة.
كما نظم بعض الأعضاء جولات مشي جماعية حول المكتبة، معتقدين أن مجرد وجودهم وصلواتهم يسهم في طرد الشياطين من المكان، بحسب تقرير أتلانتك.
كما بحثت الكنيسة في القوانين المحلية، وعثرت على قانون قديم يحظر إقامة عروض الكباريه على مسافة ألف قدم من الكنائس، ثم أرسلت هذه المعلومات إلى المدعي العام والشرطة والشريف ومسؤولين محليين، معتبرة أن السماح للأطفال بحضور تلك الفعاليات يتعارض مع معتقداتها الدينية.

معركة كونية منتشرة
وبحسب التقرير، فإن ما يحدث في ماريفيل علامة على اتساع نفوذ هذا التيار داخل المسيحية الأمريكية، فمع تراجع أعداد المنتمين إلى الكنائس البروتستانتية التقليدية، يتجه ملايين الأمريكيين إلى كنائس مستقلة تتبنى أفكارا مثل “الحرب الروحية”، ووجود رسل وأنبياء معاصرين، وإمكانية سيطرة الشياطين على المدن والمؤسسات.
ووفقا لاستطلاع أجراه عالم السياسة بول جوب من جامعة دينيسون عام 2024، فإن نحو 61% من المسيحيين الأمريكيين يعتقدون بوجود رسل وأنبياء معاصرين، كما يوافق نحو نصفهم على أن هناك “رئاسات وسلطات شيطانية” تتحكم في مناطق جغرافية.
كما أظهر استطلاع لاحق، نشر في ديسمبر/كانون الأول 2025، أن 59% من المسيحيين الإنجيليين و22% من غير الإنجيليين يؤيدون تنظيم الكنائس حملات للصلاة و”حروبا روحية” من أجل إزاحة الشياطين عالية الرتبة من المناطق التي يُعتقد أنها تسيطر عليها.
وهكذا، لم تعد الشيطنة مجرد استعارة دينية أو لغة وعظية، بل أصبحت لدى كثيرين تفسيرا للعالم، وعدسة يُنظر من خلالها إلى السياسة والثقافة والمجتمع.
وتصف إحدى العضوات روتينها الصباحي بأنه استعداد للمعركة، فهي تستيقظ وتمسح رأسها بالزيت المقدس، وتطلب من الله أن يفتح حواسها لرؤية العالم الروحي، بل تقول إنها أحيانا تستطيع “شم رائحة الشياطين”، ثم تصلي طالبة أن يلبسها الله “خوذة الخلاص”، ويمنحها القدرة على إخضاع كل أفكارها للمسيح، قبل أن تخرج إلى عملها وهي مقتنعة بأنها تخوض حربا لا تنتهي.


تعليقات