على نهج السياقات الهامة في إسرائيل في هذه الأيام، يتم معظمها من خلف الكواليس أو في هوامش التبليغ الاخباري. كان الأسبوع الأخير اختباراً لزعمنا، نحن الإسرائيليين، بأننا نسعى إلى السلام. المرحلة الأولى في الاختبار اجتزناها بعلامة متدنية، لكن لا تقلقوا، نافذة الفرص لم تغلق.
لم يأتِ إعلان الرئيس ترامب عن اتفاق تاريخي في قطاع غزة اعتباطاً؛ فقد سبقته ثمانية أشهر من مفاوضات عنيدة بين حماس والأمريكيين والمصريين. رفضت قيادة حماس نزع سلاحها أو تسليمه لآخرين، وبدا كل شيء بأن المشروع الطموح الذي أقامه ترامب قريب من الانهيار.
اقرأ أيضا: قرار ترامب يطيح بسوق “سياحة الولادة”.. حزم بـ100 ألف دولار
لكن عندها، دخل رئيس المكتب السياسي لحماس خليل الحية إلى منصبه. ومرت بضعة أيام، وأبلغ رجاله الوسطاء بأنهم يوافقون على تسليم سلاح الذراع العسكري في غزة، وخرائط الأنفاق، ومعامل إنتاج الصواريخ، على أن تسلم كل هذه إلى مسؤولية أيادٍ فلسطينية. ترامب ورجاله، مثلما هي الدول المشاركة في الوساطة أيضاً، رأوا في ذلك اختراقاً مفاجئاً فسارعوا إلى الإعلان عن الإنجاز وعن خريطة الطريق الجديدة.
أرفق قادة حماس موافقتهم على تسليم السلاح بعدة شروط. بداية، طلبوا أن تتم الخطوة بشكل متدرج وبالتوازي مع خروج قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع. رجالهم سيسلمون سلاحهم في منطقة ما، وبالمقابل يخرج الجيش من منطقة يستولي عليها. هكذا تكون منطقة مقابل انسحاب وهلمجرا، حتى تسليم عموم أنواع السلاح، وبالتوازي انسحاب تام للجيش الإسرائيلي. وكل هذا وفقاً لجدول زمني ومناطق جغرافية مقررة مسبقاً.
السلاح يسلمه رجال حماس للقوة الدولية التي ما زالت في مرحلة هذه الأيام. تعمل هذه القوة تحت مسؤولية حكومة الخبراء الفلسطينية. وطالب قادة حماس بتدمير السلاح خشية وقوعه في يد الجيش الإسرائيلي. مع أنهم تحدثوا مع الوسطاء عن طرق تدميره من خلال الإذابة أو صبه في إسمنت.
حالياً، أعرب جيش المغرب عن موافقته على إرسال مئات من جنوده لأداء المهمة، مثله أيضاً جيش أوغندا، ومعاً يدور الحديث عن بضع مئات من الجنود في المرحلة الأولى. يدعي الأمريكيون أن دولاً أخرى وافقت على إرسال جنود، وهم يسعون لتعبئة الصفوف بـ 5 آلاف منهم. مؤخراً، استكملت إقامة قرية سكنية لجنود الجيش في معسكر “أميتيه” للجيش الإسرائيلي قرب “كيبوتس كيرمشالوم”. وحسب الخطة، يحتل الجيش متعدد الجنسيات مكان الجيش الإسرائيلي في المنطقة التي ينسحب منها ويفصل بينه وبين السكان الفلسطينيين.
أمن شخصي وتشغيلي
تقام إلى جانب الجيش متعدد الجنسيات شرطة فلسطينية جديدة، تحل محل شرطة حماس. 200 من رجالها تم اختيارهم الآن، بتمويل إماراتي. كانت هذه مهمة المسؤول الفلسطيني الكبير محمد دحلان. وسيعمل هذان الجسمان بمسؤولية حكومة الخبراء الفلسطينية التي ستحل محل حكومة حماس. وافقت حماس على أن تسلمها الحكم وتفضلت بقبول دخول الجيش الدولي وإقامة الشرطة الجديدة. 15 وزيراً في هذه الحكومة، ورئيسها المهندس علي شعث، عينوا الآن، وهم في القاهرة ينتظرون اللحظة التي تسمح بها إسرائيل لهم بالدخول إلى القطاع. ستكون الشرطة الجديدة ذراع القانون والنظام لحكومة الخبراء. ستكون إحدى مهامها الهامة ضمان سلامة رجال حماس من أعمال الثأر. كما أنها ستستوعب معظمهم في وزاراتها المختلفة كي تعوضهم عن مصدر الرزق الذي ضاع.
هكذا يضمن مجلس السلام لرجال حماس الأمن الشخصي بعد أن يسلموا السلاح، وإلى جانبه الأمن التشغيلي كحافز لإبعادهم عن الانشغال بالإرهاب. في المستقبل، تتشكل أيضاً لجان مصالحة لتخفيض التوتر في المجتمع الغزي. إضافة إلى ذلك، وعد الوسطاء والبيت الأبيض بالحرص على تفكيك الميليشيات المؤيدة لإسرائيل ونزع سلاحها. هذه أربعة أو خمس قوات مسلحة أقامها جهاز الأمن في القطاع. وهي تعمل على طول الخط الأصفر، عشرات المسلحين في كل جيب. الفكرة أن يكون السلاح الوحيد في القطاع قانونياً، بملكية صاحب السيادة فقط، الذي هو حكومة الخبراء. من ناحية حق التنظيم، يسمح لحماس بالوجود كحزب سياسي فقط، بل وتتنافس في الانتخابات في إطار مؤسسات السلطة، إن شاءت.
رجال مجلس السلام مقتنعون بأن هذه ليست مناورة من حماس، بل موافقة صادقة على تسليم السلاح، مع العلم بأنهم لن يستردوه. لكنهم يعرفون بأن الاختبار الحقيقي سيكون في التنفيذ وليس على الورق. وعليه، فقد صاغوا خطة لا تقوم على أساس الثقة غير الموجودة أصلاً، بل على التزام تنفيذي. جسيم تنفيذي من جهتهم (مجلس التنفيذ والتأكيد) سيراقب الطرفين ويقرر إذا كان كل منهما أدى نصيبه في المنطقة المطروحة. وبعد أن يعطي مصادقته، يطلب من الطرف الثاني أن يقوم بعمل في المقابل.
سيتضمن الطاقم الذي صاغ الخطة طوني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق،وإلى جانبه مبعوثو ترامب، الذين بالصدفة أم بغيرها ثلاثتهم يهود: صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، ومستشاره الخاص آريه لايكستون. وجُند إلى هذه العصبة أيضاً إسرائيليان، المستثمر ليران تنكمان،ورجل الأعمال يكير جباي. أما آلية الوساطة فتضم تركيا وقطر ومصر، وبشكل غير رسمي الإمارات أيضاً. إسرائيل لم تخترهم جميعاً، لكن هذا لا يهم. فالفراغ في غزة نحن الذين خلقناه بأيدينا. لو أردنا لآخرين أن يدخلوه لكان علينا أن نقود الخطوات السياسية بأنفسنا.
الوضع أسوأ من أي وقت مضى
اقرأ أيضا: اتهام إيفان توني بالاعتداء على شخص بلندن.. ومثوله أمام المحكمة في سبتمبر
انشغل محللون فلسطينيون وخبراء في شؤون حماس في المنطقة هذا الأسبوع في محاولة لشرح الخطوة التي قادها الحية. الكل متفقون على أن وضع الحركة أسوأ من أي وقت مضى. إذا ما شبهنا القتال في القطاع بلعبة الشطرنج، فقد فرض الجيش الإسرائيلي عليها “مات الملك”. قادة الذراع العسكري يقتلون باستمرار دون قدرة رد حقيقية، وإذا استمر الوضع كما هو، ففي غضون بضع سنوات سيصفون على أي حال. في الأشهر العشرة منذ إعلان وقف النار قتل في القطاع 1200 فلسطيني، معظمهم مسلحو حماس. إيران، الداعمة العسكرية الأكبر، ضعفت بل وابتعدت. ويتساءل الجمهور ما الذي فعلوه ويطالبهم بإعمار سريع قدر الإمكان للقطاع المدمر.
“الطرفان رابحان”، قال لي صحافي فلسطيني يعرف قيادة حماس من الداخل، “إسرائيل تربح تغيير الحكم في القطاع وتجريده من السلاح، وحماس تربح انسحاباً إسرائيلياً وتفكيك ميليشياتها. وثمة حل لمشكلة تشغيلهم، ومن هنا طريقهم سالكة لأداء دور سياسي”.
حتى وقت كتابة هذه السطور (الخميس ظهراً) لم تتطرق حكومة إسرائيل رسمياً لخريطة الطريق الجديدة. الإثنين، هبط في إسرائيل رئيس إدارة إعمار غزة الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف. التقى برئيس الوزراء نتنياهو، وسمع منه تحفظاً جارفاً. وقال له نتنياهو إن إسرائيل لن تخرج الجيش الإسرائيلي من القطاع إلا بعد نزع سلاح حماس تماماً. حماس سمعت، وذعرت. إذا نزع سلاحهم بالكامل، فقد يعمل الجيش الإسرائيلي ضدهم ويصفي الحسابات بسهولة كبيرة. الشرط الذي طرحوه؛ أي الانسحاب من منطقة مقابل تسليم السلاح في منطقة محدودة وهكذا دواليك – يستهدف حمايتهم من سيناريو كهذا. إسرائيل ردت بالرفض على الخطوة الأولية التي حددها خريطة الطريق، وهي وقف متبادل لكل الأعمال العسكرية. ومع ذلك، ابتداء من الإثنين من هذا الأسبوع، ودون الإعلان عن ذلك على رؤوس الأشهاد، خفض الجيش الإسرائيلي مستوى القتال في القطاع.
في تاريخ النزاع، يعدّ إعلان حماس استعدادها لتسليم السلاح، مفترق طرق مفاجئاً، بل أيضاً مغيراً للعب. وها هو في غضون ثلاثة أيام فقط، بجلوسنتنياهو وجهاً لوجه مقابل نيكولاي ملادينوف، رفض نتنياهو خريطة الطريق وأزالها عن الطاولة.
هذه خطة جدية ومفصلة، يقدمها أصدقاء إسرائيل، ومن الصواب فحصها بعمق قبل أن يدحرج واضعوها عن الدرج. ينبغي العجب أيضاً من جهود الحكومة لإبعاد المبادرة عن جدول الأعمال الجماهيري وطمسها. موافقة حماس على إيداع السلاح في أيدي آخرين يعدّ إنجازاً جديراً بالإشارة، ومن ناحيتنا، استمرار الحرب بوسائل أخرى.
جاكي خوجي
معاريف 7/8/2026
اقرأ أيضا: قرار نهائي.. مصطفى كامل يطوي صفحة نقابة الموسيقيين ويستعد للعودة إلى الغناء
