
الدوحة ـ «القدس العربي»: لم يعد المطار في المفهوم الحديث مجرد محطة للعبور أو نقطة انطلاق ووصول، بل أصبح جزءاً من تجربة السفر نفسها، وواجهة تعكس هوية الدول الثقافية والحضارية. وقد نجح مطار حمد الدولي في الدوحة في إعادة تعريف مفهوم المطارات، بعدما تحول إلى فضاء ثقافي وفني مفتوح، يجمع بين الهندسة المعمارية الحديثة، والفنون العامة، والطبيعة، والاستدامة، ليغدو وجهة يقصدها عشاق الفن بقدر ما يقصدها المسافرون.
ويعكس هذا التحول رؤية قطر التي جعلت الثقافة والفنون أحد أهم روافد التنمية والقوة الناعمة، حيث لم يعد استقبال ملايين المسافرين يقتصر على تقديم خدمات تشغيلية متطورة، وإنما بات يتضمن أيضاً تقديم تجربة بصرية وإنسانية متكاملة، تجعل من المطار أول محطة لاكتشاف المشهد الثقافي القطري.
ويحتضن مطار حمد الدولي اليوم أكثر من أربعين عملاً فنياً دائماً موزعة في مختلف مرافقه، في واحدة من أكبر مجموعات الفن العام الموجودة داخل مطار على مستوى العالم. وقد جرى تنسيق هذه الأعمال بالتعاون مع متاحف قطر، لتضم نخبة من الفنانين المحليين والإقليميين والعالميين، في مزيج يعكس الحوار بين الثقافات ويجسد مكانة الدوحة كمركز متنامٍ للفنون المعاصرة.
الفن خارج جدران المتاحف
يرتكز برنامج الفن في مطار حمد الدولي على فلسفة تقوم على إخراج الأعمال الفنية من القاعات المغلقة إلى فضاءات الحياة اليومية، بحيث يصبح الفن جزءاً طبيعياً من تجربة الإنسان، وليس نشاطاً نخبوياً يقتصر على زوار المتاحف.
ومن هذا المنطلق، تتحول قاعات الانتظار والممرات والساحات الداخلية والخارجية إلى مساحات تفاعلية تحمل رسائل إنسانية متعددة، وتدعو المسافرين إلى التأمل والتفاعل مع الأعمال الفنية خلال رحلاتهم، سواء كانوا يغادرون قطر أو يعبرونها في رحلات الترانزيت.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على الجانب الجمالي فحسب، إذ تشير دراسات متخصصة إلى أن وجود الأعمال الفنية في بيئات السفر يسهم في تخفيف التوتر والقلق اللذين يرافقان التنقل، ويعزز الشعور بالهدوء والراحة، وهو ما يجعل الفن جزءاً من جودة تجربة السفر، وليس مجرد عنصر للزينة.
أيقونات فنية
أصبح مطار حمد الدولي معروفاً عالمياً باحتضانه عدداً من أشهر الأعمال الفنية المعاصرة، وفي مقدمتها مجسم «الدب المصباح» للفنان السويسري أورس فيشر، الذي تحول منذ افتتاح المطار إلى أحد أبرز رموزه وأكثرها انتشاراً في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويبلغ ارتفاع المجسم نحو سبعة أمتار، ويصور دباً أصفر ضخماً يجلس تحت مصباح، في عمل يجمع بين الطرافة والحنين إلى الطفولة، ويستحضر لدى المسافرين ذكريات المنزل والأشياء المألوفة التي يفتقدونها أثناء السفر، ليصبح نقطة التقاء بين الفن والمشاعر الإنسانية.
لكن «الدب المصباح» ليس سوى جزء من منظومة فنية واسعة، تضم أعمالاً تحمل موضوعات تتراوح بين السلام، والطفولة، والروحانية، والطبيعة، وقضايا الإنسان، في تجربة تجعل كل زاوية داخل المطار تحمل حكاية مختلفة.
وحرص القائمون على البرنامج الفني في مطار حمد الدولي على أن تعكس الأعمال المعروضة التنوع الثقافي الذي تتميز به قطر، فجاءت المجموعة مزيجاً من الإبداع المحلي والعربي والعالمي. ويبرز ضمن الفنانين القطريين فرج دهام الذي أنجز جداريات ضخمة داخل المطار، إلى جانب علي حسن صاحب منحوتة «حصان الصحراء» التي تمزج بين الطابع الكلاسيكي والتجريد، فضلاً عن أعمال لفنانين قطريين بارزين مثل محمد الجيدة، وأمل الربان، وسلمان المالك، ومبارك المالك، وأمل العاثم، ويوسف أحمد، بما يعكس اهتمام الدولة بإبراز الإبداع الوطني أمام ملايين الزوار.
كما يحضر الفن العربي من خلال أعمال الفنان العراقي أحمد البحراني، الذي يقدم عملاً يحمل رسالة سلام للعالم، ويركز على أهمية الاستثمار في الأطفال والتعليم باعتبارهما أساس الأمن والاستقرار، إلى جانب منحوتة «الرجل الطائر» للفنان ضياء العزاوي، المستوحاة من قصة العالم الأندلسي عباس بن فرناس، لتربط بين التراث العلمي العربي وروح الابتكار والسفر في العصر الحديث.
وفي المقابل، يضم المطار أعمالاً لعدد من أشهر الفنانين العالميين، من بينهم الفرنسي جان ميشيل أوثونيل الذي استلهم عمله «كون» من الإسطرلاب الإسلامي، في إشارة إلى تاريخ الملاحة والاستكشاف، كما يستقبل المسافرين تمثال «سائق العربة من دلفي» الذي يمثل رمزاً للتبادل الثقافي بين قطر واليونان. وتشمل المجموعة أيضاً منحوتات للفنان الهولندي توم كلاسن، وأعمالاً للفنان الأمريكي توم أوترنس، وتمثال «أكذوبة» للفنان الأمريك كاوس، إضافة إلى أعمال لفنانين عالميين مثل داميان هيرست، وجيني هولزر، ومارك كوين، وعادل عبد الصمد، وبيل فيولا، وغيرهم من أبرز الأسماء في الفن المعاصر.
حين يلتقي الفن بالطبيعة
ولم يقتصر تطوير المشهد الفني في مطار حمد الدولي على عرض الأعمال الفنية التقليدية، بل امتد إلى دمج الفن مع البيئة والاستدامة، في خطوة تعكس اتجاهاً عالمياً نحو ربط الثقافة بالقضايا البيئية.
وفي هذا الإطار، دشّن المطار مجموعة «عجائب الحياة البرية»، التي تضم سبعة أعمال برونزية تفاعلية من إبداع الفنانين جيلي ومارك، وتسلط الضوء على الحيوانات المهددة بالانقراض، إلى جانب عدد من الحيوانات التي تمثل البيئة القطرية.
واختيرت حديقة «أورتشارد»، وهي الحديقة الاستوائية الداخلية التي تتوسط مبنى المسافرين، لتكون الموقع الرئيسي لهذه المنحوتات، بما يعزز العلاقة بين الفن والطبيعة، ويمنح الزوار تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والأعمال الفنية في مشهد واحد.
وتحمل هذه الأعمال رسالة تتجاوز الجانب الجمالي، إذ تدعو إلى حماية الحياة البرية والحفاظ على التنوع البيولوجي، في انسجام مع توجهات مجموعة الخطوط الجوية القطرية في مجال الاستدامة البيئية.
ومن أبرز المنحوتات عمل «مائدة المودة»، وهو تكوين برونزي ضخم يزن نحو ستة أطنان، يصور حيوانات مهددة بالانقراض تتحلق حول مائدة واحدة، في رسالة رمزية تدعو إلى التعايش وتقاسم مستقبل أكثر أمناً للكوكب. كما تضم المجموعة عمل «رحلة برية»، وسلسلة «الصقر والقفاز» التي تحتفي برياضة الصقارة باعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث القطري.
وجهة فنية وثقافية
وقال الخبير السياحي أيمن القدوة: إن ما يقدمه مطار حمد الدولي اليوم يتجاوز المفهوم التقليدي للمطارات، إذ نجح في ترسيخ مكانته كوجهة سياحية وثقافية قائمة بذاتها، وليس مجرد نقطة عبور للمسافرين.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: أن دمج الفنون العامة بالعمارة الحديثة والطبيعة والخدمات الراقية يعكس رؤية قطر في توظيف الثقافة كأحد أهم عناصر الجذب السياحي وتعزيز القوة الناعمة للدولة.
وأوضح أن المسافر في الوقت الحالي يبحث عن تجربة متكاملة تبدأ منذ لحظة وصوله، ولذلك فإن وجود أكثر من أربعين عملاً فنياً عالمياً داخل المطار يمنح الزائر انطباعاً أولياً استثنائياً عن قطر باعتبارها دولة تستثمر في الثقافة والإبداع إلى جانب البنية التحتية المتطورة.
وأشار القدوة إلى أن الأعمال الفنية الشهيرة، مثل مجسم «الدب المصباح» وحديقة «أورتشارد»، تحولت إلى معالم سياحية بحد ذاتها وتستقطب ملايين المسافرين سنوياً، وقد أسهمت في تعزيز الحضور الرقمي للمطار عبر ملايين الصور والمشاركات على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يوفر دعاية عالمية مستمرة للوجهة السياحية القطرية.
وقال إن هذا النموذج يدعم مكانة الدوحة كمركز عالمي لمسافري الترانزيت، ويشجع عدداً متزايداً من المسافرين على تمديد فترة توقفهم لاستكشاف معالم الدولة، مؤكداً أن الاستثمار في الفنون داخل المطارات لم يعد جانباً جمالياً فحسب، بل أصبح أداة استراتيجية لتعزيز تجربة الزائر، ورفع تنافسية الوجهات السياحية، وترسيخ الصورة الذهنية الإيجابية عن الدولة لدى ملايين المسافرين من مختلف أنحاء العالم.
وبين منحوتة تستحضر براءة الطفولة، وأخرى تستلهم التراث العربي، وثالثة تدافع عن الحياة البرية، ينجح مطار حمد الدولي في تقديم نموذج مختلف للمطارات، حيث تبدأ رحلة التعرف إلى قطر منذ اللحظة الأولى للوصول، ويغدو الفن لغة عالمية تستقبل الزائر قبل ختم جواز سفره، لتتحول بوابة السفر إلى واحدة من أبرز واجهات القوة الناعمة والثقافية للدولة.
ويأتي هذا المشروع الفني ضمن رؤية أشمل لتطوير تجربة المسافر، إذ يمتد مطار حمد الدولي على مساحة تقارب 845 ألف متر مربع، وتزيد طاقته الاستيعابية على 65 مليون مسافر سنوياً، مع توفير مرافق للتسوق والضيافة والاسترخاء والترفيه، إلى جانب الاستثمار المستمر في الحلول الذكية والابتكارات التشغيلية.
ولا ينفصل هذا التطور عن المكانة الدولية التي رسخها المطار خلال السنوات الماضية، بعدما أصبح واحداً من أكثر المطارات حصولاً على الجوائز العالمية، إذ واصل في عام 2025 الاحتفاظ بلقب أفضل مطار في الشرق الأوسط للعام الحادي عشر على التوالي، كما نال جائزة أفضل مطار للتسوق في العالم للعام الثالث توالياً، وحافظ على تصنيف الخمس نجوم من مؤسسة «سكاي تراكس»، بعد أن سبق له الفوز بلقب أفضل مطار في العالم في ثلاث مناسبات.

