
واشنطن – بينما يلتقي دبلوماسيون إسرائيليون ولبنانيون في روما هذا الأسبوع لعقد الجولة السابعة من المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة، الهادفة إلى إنهاء الانتشار العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، تدعو واشنطن إلى التحلي بالصبر، من دون تحديد أي مهل زمنية.
وبموجب اتفاق وُقّع في واشنطن في 26 يونيو، يفترض أن تنسحب إسرائيل من “المناطق التجريبية” المحددة في جنوب لبنان، بما يسمح للجيش اللبناني بالانتشار فيها وتفكيك مواقع حزب الله التي استُخدمت لشن هجمات على إسرائيل.
لكن إسرائيل لم تنسحب حتى الآن سوى من منطقة واحدة من أول 3 “مناطق تجريبية”.
وقال السفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، الثلاثاء: “هناك فرق جوهري بين صياغة اتفاق على الورق وتنفيذه بمسؤولية”، مشددا على ضرورة وجود “آلية واضحة وقابلة للتطبيق قبل المضي قدما”.
وخلال زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى البيت الأبيض الشهر الماضي، طلب دعما إضافيا لمساعدة الجيش اللبناني في مهمته لمواجهة حزب الله، الذي تصنفه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية. وكان الرئيس دونالد ترامب تعهد علنا بتقديم مزيد من المساعدة، بينما لا تزال بيروت تنتظر أي حزمة دعم جديدة.
لكن مشروع قانون تفويض الدفاع الذي يناقشه مجلس الشيوخ للعام المقبل يحدد سقف شريحة جديدة من دعم وزارة الدفاع الأميركية للجيش اللبناني عند 36 مليون دولار فقط، وهو مبلغ يقل كثيرا عن مستويات الدعم السنوية في السنوات الأخيرة، التي تراوحت بين 100 و200 مليون دولار. كما يحجب معظم هذا التمويل إلى أن تثبت بيروت أنها بدأت بالفعل خطوات لنزع سلاح حزب الله.
ويضع هذا التسلسل بيروت في موقف صعب، إذ تطالب واشنطن الجيش اللبناني بإظهار نتائج قبل توفير الموارد التي تتطلبها المهمة.
كما يزداد تسويق هذا الترتيب صعوبة داخل لبنان، في ظل استمرار تمركز القوات الإسرائيلية في أجزاء من الجنوب بعد أكثر من شهر على توقيع الاتفاق، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية وعمليات الهدم.
وكان عون قد دان الأسبوع الماضي التفجيرات الإسرائيلية الضخمة قرب قلعة الشقيف، واصفا إياها بأنها “تصعيد بالغ الخطورة” و”انتهاك صارخ للالتزامات القائمة”. وحذر من أن العملية تشكل “تهديدا مباشرا للمسار الذي أطلق بموجب الاتفاق الإطاري”.
في المقابل، استغل حزب الله الهجمات لاتهام عون بالتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضمن مسار يمنح شرعية لما وصفه بالاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ أشهر، من دون ضمان انسحاب في وقت مناسب.
وقال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، قبيل محادثات روما الثلاثاء، إن المسار الدبلوماسي البطيء مع إسرائيل لا يجلب للبنان “سوى العار والإذلال والتنازلات المتتالية”. كما اتهم عون بأنه أصبح “منحازا ومثيرا للانقسام” بدلا أن يكون شخصية وطنية جامعة.
ومن المرجح أن يتزايد هذا الضغط ما لم تفض المحادثات إلى انسحابات إسرائيلية ملموسة، أو تقدم واشنطن لعون صورة أوضح بشأن الدعم الذي ستوفره للجيش اللبناني.
ورفض مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية تقديم أي أرقام أو تفاصيل لـ”الحرة”، عندما سئل عن الشروط أو المعايير التي ستعتمدها واشنطن لتقييم أداء لبنان، وحجم الأموال التي ستخصصها لهذا الغرض.
مسار متدرج
وفي تأكيده على دعوة السفير عيسى إلى التحلي بالصبر، قال المسؤول الأميركي إن محادثات روما ستواصل التركيز على توسيع نطاق ما يعرف بـ”المناطق التجريبية”، ونزع سلاح حزب الله، واستعادة السيادة اللبنانية في نهاية المطاف.
وأوضح لـ”الحرة” أن الاتفاق الإطاري يضع مسارا واضحا ومتدرجا، “هدفنا الدفع نحو تنفيذ الاتفاق بطريقة عملية ومتدرجة تحقق أمنا دائما للبلدين، وتعيد سلطة الدولة اللبنانية إلى كامل الجنوب.”
لكن بالنسبة لكثيرين في بيروت، يبقى السؤال الأساسي المطروح بشأن محادثات روما إذا ما كانت هذه الآلية المتدرجة التي ترعاها الولايات المتحدة تمنح الجيش اللبناني مسارا واقعيا يحل فيه محل القوات الإسرائيلية، أم أنها تتيح لإسرائيل ببساطة الإبقاء على وجودها في جنوب لبنان.
ولا يقتصر هذا السيناريو على كونه افتراضا نظريا، إذ صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس علنا بأن الوجود الإسرائيلي في لبنان قد يتحول إلى “منطقة أمنية” إسرائيلية دائمة، مشبها انتشار القوات هناك بسيطرة إسرائيل على غزة.
ويبقى كثيرون في واشنطن أيضا يشكون في قدرة بيروت على الوفاء بتعهداتها. ويتساءل بعض المسؤولين ليس عما إذا كان الجيش اللبناني يمتلك حاليا الموارد اللازمة لمواجهة حزب الله، بل عما إذا كان مستعدا للمخاطرة بالدخول في مواجهات مع حركة أصبحت جزءا راسخا من النظام السياسي اللبناني.
وحتى عون دعا إلى التروي، مشيرا خلال محادثاته مع ترامب إلى أن حزب الله لا يزال يحتفظ بحلفاء نافذين داخل حكومة تقاسم السلطة في لبنان. ويقول هؤلاء الحلفاء إن أي خطة لنزع سلاح الحزب بالقوة قد تؤدي إلى اندلاع صراع داخلي.
“ليست معضلة الدجاجة والبيضة“
ورفض ديفيد شينكر، الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى خلال الولاية الأولى لترامب، القول إن واشنطن تطالب بنتائج قبل توفير الموارد التي يحتاجها الجيش اللبناني.
وقال شينكر، الذي يشغل حاليا منصب زميل بارز في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، لــ”الحرة”: “هذه ليست مسألة الدجاجة والبيضة.”
وأضاف أن الولايات المتحدة قدمت للبنان منذ عام 2005 أكثر من 2.5 مليار دولار كمساعدات عسكرية، معتبرا أن المشرعين الأميركيين سيوافقون على الأرجح على تقديم دعم أكبر بكثير، إذا أظهر الجيش اللبناني أنه ينفذ التزامات بيروت.
وأشار إلى أن واشنطن تدرك أن الجيش اللبناني يعاني نقصا في التمويل ويحتاج إلى المساعدة في مجالات الوقود والتنقل والرواتب، لكنه قال إن هناك أيضا ما وصفه بـ”غياب الإرادة” داخل المؤسسة العسكرية، إذ لدى قادتها أسباب تدفعهم إلى تجنب مواجهة حزب الله.
وقال شينكر: “إذا استغرق الانسحاب وقتا طويلا، فلا ينبغي أن يكون السبب أن الجيش اللبناني لا يملك المال، بل لأنه لا يقوم بما يجب عليه.”
وهذا هو الرهان الذي تختبره محادثات روما حاليا.
فقد تنجح المفاوضات في توسيع نطاق المناطق التجريبية، لكن الاختبار الحقيقي يتمثل فيما إذا كانت ستتمكن من تسريع العملية بما يكفي لتحويل انتشار الجيش اللبناني إلى انسحابات إسرائيلية ملموسة، قبل أن يتحول التأخير إلى واقع دائم.

