قراءة في التحول المرتقب للخارطة الانتخابية المغربية
كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، يتجدد النقاش حول الأحزاب الأكثر حظاً في قيادة الحكومة المقبلة. غير أن انتخابات المرحلة القادمة تبدو مختلفة عن سابقاتها، ليس فقط بسبب الظرفية الاقتصادية والاجتماعية، بل لأن النظام الحزبي المغربي نفسه يقف أمام منعطف تاريخي قد يعيد تشكيل قواعد المنافسة السياسية برمتها.
فمنذ اعتماد التعددية السياسية، كانت الانتخابات تقوم على معادلة واضحة: أحزاب في السلطة تتحمل مسؤولية الحصيلة، وأخرى في المعارضة تقدم نفسها بديلاً. أما اليوم، فإن هذه المعادلة فقدت جزءاً كبيراً من معناها، بعدما أصبحت معظم الأحزاب الكبرى، بمختلف مرجعياتها، قد شاركت في تدبير الشأن العام، وتولت حقائب وزارية أو قادت الحكومات خلال مراحل مختلفة.
هذه الحقيقة تطرح سؤالاً سياسياً بالغ الأهمية: من سيمثل البديل؟
في العلوم السياسية، تعرف الأنظمة الحزبية مثل هذه المرحلة بمرحلة “تآكل الأحزاب الحاكمة”، وهي مرحلة لا تعني بالضرورة نهاية تلك الأحزاب، وإنما تعني فقدانها تدريجياً لميزة تقديم نفسها كقوة تغيير، لأن الناخب أصبح يقيمها بناءً على حصيلتها الواقعية لا على خطابها السياسي.
المغرب يعيش اليوم هذا التحول بصورة واضحة. فالأحزاب التي كانت تنتقد تدبير غيرها أصبحت بدورها موضوعاً للنقد، بينما الأحزاب التي بنت مشروعيتها على المعارضة أصبحت مطالبة بالدفاع عن قرارات حكومية شاركت في اتخاذها. وهكذا، أصبح المواطن أمام مشهد سياسي تتقاطع فيه المسؤوليات، وتتداخل فيه الإنجازات والإخفاقات، حتى بات من الصعب الفصل بين من يحكم ومن يعارض.
لقد أدى هذا الوضع إلى تراجع الاستقطاب الإيديولوجي الذي كان يميز الحياة السياسية المغربية لعقود، مقابل بروز مطالب اجتماعية واقتصادية أكثر إلحاحاً. فالناخب المغربي لم يعد يسأل عن المرجعية الفكرية للحزب بقدر ما يسأل عن قدرته على خلق فرص الشغل، وتحسين المدرسة العمومية، وتطوير المنظومة الصحية، والحد من غلاء المعيشة، وضمان العدالة المجالية.
ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة قد لا تُحسم بالشعارات، ولا بالتاريخ النضالي، ولا حتى بالقوة التنظيمية للأحزاب، وإنما ستُحسم بمدى قدرة كل فاعل سياسي على استعادة ثقة المواطن الذي أصبح أكثر وعياً وأكثر ميلاً إلى محاسبة الأداء بدل الاكتفاء بالوعود.
وفي المقابل، فإن هذا التحول قد يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة. فقد يؤدي إلى إعادة توزيع موازين القوى بين الأحزاب التقليدية، وقد يمنح مساحة أكبر للأحزاب التي نجحت في الحفاظ على صورة أقل ارتباطاً بتدبير الملفات المثيرة للجدل، كما قد يعزز حضور الشخصيات المحلية ذات الرصيد الميداني على حساب الخطاب الحزبي المركزي.
غير أن السيناريو الأكثر إثارة يتمثل في احتمال اتساع رقعة العزوف الانتخابي إذا لم تتمكن الأحزاب من تقديم خطاب جديد وبرامج مقنعة. فكلما تقلصت الفوارق السياسية التي يدركها الناخب بين الأحزاب، ازدادت احتمالات العزوف، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً للحياة الديمقراطية، لأن قوة أي نظام انتخابي تقاس أيضاً بمستوى المشاركة الشعبية فيه.
وفي الحالة المغربية، تزداد خصوصية المشهد بوجود مؤسسة ملكية تضطلع، بمقتضى الدستور، بدور محوري في ضمان استمرارية الدولة واستقرار المؤسسات، وهو ما يجعل التنافس الحزبي يدور أساساً حول تدبير السياسات العمومية وجودة التنفيذ، أكثر من كونه تنافساً حول طبيعة النظام السياسي.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي للأحزاب في المرحلة المقبلة لن يكون فقط احتلال المرتبة الأولى، وإنما إثبات قدرتها على تجديد نخبها، وإعادة بناء خطابها، وإقناع المواطن بأن السياسة ما زالت قادرة على إنتاج الحلول، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات.
إن المغرب لا يتجه فقط نحو انتخابات جديدة، بل قد يكون بصدد الدخول إلى مرحلة سياسية جديدة، عنوانها “إعادة تشكيل الثقة” بين المواطن والفاعل الحزبي. وفي هذه المرحلة، لن يكون التاريخ النضالي وحده كافياً، ولن تكون الشعارات الانتخابية وحدها حاسمة، بل ستكون الكلمة الأخيرة لناخب أصبح أكثر تطلباً، وأكثر ميلاً إلى تقييم النتائج بدل تصديق الوعود.
ومن هنا، قد يكون السؤال الأهم في الانتخابات المقبلة ليس: من سيقود الحكومة؟ بل: هل تستطيع الأحزاب المغربية أن تعيد إنتاج نفسها وتستعيد ثقة المجتمع، أم أن المملكة تتجه نحو ميلاد دورة سياسية جديدة تعيد رسم الخريطة الحزبية وفق معايير مختلفة تماماً عما عرفناه خلال العقود الماضية؟

