للمرة الثالثة.. مجلس النواب الأمريكي يفشل في تقييد حملة ترامب ضد إيران

للمرة الثالثة.. مجلس النواب الأمريكي يفشل في تقييد حملة ترامب ضد إيران

بهدف تقييد صلاحيات ترامب، فشل مجلس النواب الأميركي للمرة الثالثة في تمرير قرار حاسم يهدف إلى كبح جماح الحملة العسكرية التي يقودها البيت الأبيض ضد إيران.

وقد جاءت نتائج التصويت لتعكس انقساماً عميقاً داخل المؤسسة التشريعية، إذ تعادلت الأصوات بشكل حال دون حصول مشروع القرار على الغالبية المطلوبة لتمريره رسمياً وفرض قيود على التحركات العسكرية القائمة.

​حسب تقرير لموقع إندبندنت فإن هذا الإخفاق التشريعي يمثل ضربة لجهود الديمقراطيين الذين سعوا جاهدين لوقف العمليات القتالية، حيث يشترط مشروع القرار الحصول على تفويض صريح من الكونغرس قبل الانخراط في أي أعمال عسكرية واسعة النطاق، إلا أن تقارب النتائج أظهر صعوبة التوافق السياسي في ظل الهيمنة الجمهورية الضئيلة على مقاليد الأمور في كلا المجلسين التشريعيين، مما يمنح الإدارة الحالية هامشاً أوسع للمناورة الميدانية.

​تعد هذه الجولة هي الثالثة من نوعها خلال العام الحالي التي يحاول فيها النواب التصويت على قرار يتعلق بصلاحيات الحرب، وتأتي هذه الخطوة بعد انقضاء مهلة قانونية مدتها ستون يوماً كانت محددة في الأول من مايو الماضي، والتي كان من المفترض أن يحصل خلالها القائد الأعلى على مباركة البرلمان لمواصلة العمليات، لكن إعلان وقف إطلاق النار الذي أعقب العمليات المحدودة ساهم في تعقيد المسار القانوني للمعارضين.

​استطاع ترامب الحفاظ على موقفه السياسي بفضل تماسك القواعد الجمهورية إلى حد كبير، رغم انشقاق ثلاثة نواب من حزبه وتأييدهم لمشروع القرار الديمقراطي، وفي المقابل شهدت الصفوف المعارضة خروجاً عن الإجماع من قبل النائب جاريد غولدن الذي عارض القرار، مما ساهم في إحداث حالة التعادل التي أدت في نهاية المطاف إلى سقوط المحاولة التشريعية الرامية لتقييد سلطات الرئيس في إدارة الملف الإيراني المتفجر.

توازن القوى داخل أروقة الكونغرس الأميركي

​تشير المعطيات السياسية إلى أن تكرار محاولات التصويت في مجلسي النواب والشيوخ يعكس رغبة ملحة في استعادة التوازن الدستوري، حيث أخفقت سبع محاولات سابقة في مجلس الشيوخ للوصول إلى نتيجة مماثلة، ويبدو أن الغالبية الجمهورية الهشة تبذل قصارى جهدها لحماية صلاحيات البيت الأبيض، معتبرين أن أي تقييد في هذا التوقيت الحساس قد يضعف الموقف الأميركي أمام التهديدات الخارجية التي تصفها الإدارة بالوشيكة والخطيرة على الأمن القومي.

​يرى المراقبون أن نتائج التصويت أصبحت تتقارب بشكل يثير القلق لدى الدوائر المقربة من الإدارة، فبينما كان التصويت السابق قد شهد تأييد عضو جمهوري واحد فقط للقرار، ارتفع العدد في التصويت الأخير ليصل إلى ثلاثة أعضاء، وهو مؤشر على وجود تململ داخلي قد يؤثر على القرارات المستقبلية، خاصة وأن الإدارة لا تزال تصر على أن جميع إجراءاتها تقع ضمن النطاق القانوني الذي يمنحه الدستور للقائد الأعلى للقوات المسلحة.

​يؤكد الجمهوريون في دفاعهم عن استراتيجية ترامب أن العمليات العسكرية التي تم تنفيذها كانت ضرورية لحماية المصالح الأميركية الحيوية، ويرفض البيت الأبيض وبشدة الادعاءات التي تقول بوجوب العودة للكونغرس في كل خطوة تكتيكية، مشددين على أن الدستور يمنح الرئيس سلطة إصدار أوامر بتنفيذ ضربات محدودة لمواجهة التهديدات المباشرة دون الحاجة لانتظار مداولات تشريعية قد تستغرق وقتاً طويلاً وتفقد العمليات العسكرية عنصر المفاجأة والردع المطلوب.

التداعيات الاقتصادية للصراع العسكري مع إيران

​يحذر الديمقراطيون من أن استمرار ترامب في نهجه الحالي قد يجر الولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد ومكلف للغاية، مشيرين إلى غياب استراتيجية واضحة للخروج من هذه الأزمة التي بدأت تلقي بظلالها على حياة المواطن الأميركي اليومية، حيث شهدت أسعار البنزين والمواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية ارتفاعاً ملحوظاً في الأسواق العالمية والمحلية، وذلك منذ وقوع الغارات الجوية المشتركة بين القوات الأميركية والإسرائيلية في أواخر شهر فبراير الماضي.

​تركز الرسالة الاقتصادية للمعارضة على الربط المباشر بين العمليات العسكرية وتكاليف المعيشة المرتفعة، وذلك في إطار التحضيرات الجارية لانتخابات التجديد النصفي المقررة في شهر نوفمبر المقبل، حيث يسعى الديمقراطيون لإقناع الناخبين بأن السياسات الخارجية الحالية تستنزف الموارد الوطنية، وتؤدي إلى عدم استقرار اقتصادي عالمي ينعكس سلباً على جيوب دافعي الضرائب الذين يعانون من تبعات التضخم الناجم عن التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

​تواجه إيران من جانبها فاتورة اقتصادية باهظة قدرت بنحو تسعة أضعاف موازنتها السنوية نتيجة الضغوط والعمليات العسكرية، وهذا الوضع المتأزم يدفع القوى المعارضة في واشنطن للمطالبة بفتح قنوات دبلوماسية بدلاً من الاستمرار في التصعيد المسلح، ومع ذلك يرى الجانب الحكومي أن الضغط الأقصى هو السبيل الوحيد لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط تضمن عدم امتلاكها لأسلحة نووية أو تهديد أمن الحلفاء في المنطقة.

الجدل الدستوري حول صلاحيات القائد الأعلى

​يستند الديمقراطيون في معارضتهم لسياسات ترامب إلى نصوص الدستور الأميركي التي تمنح السلطة التشريعية وحدها حق إعلان الحرب، ويجادلون بأن التفويض باستخدام القوة العسكرية يجب أن يصدر من ممثلي الشعب وليس بقرار منفرد من السلطة التنفيذية، حيث يخشى هؤلاء من تحول العمليات المحدودة إلى حرب شاملة دون رقابة برلمانية، مما يضعف مبدأ الفصل بين السلطات الذي قامت عليه الجمهورية الأميركية منذ تأسيسها قبل قرون.

​في المقابل يرى الفريق القانوني في البيت الأبيض أن الرئيس يمتلك صلاحيات أصيلة للدفاع عن البلاد، وأن مقتضيات الأمن القومي تتطلب أحياناً تحركاً سريعاً وحاسماً لا يحتمل التأجيل، ويؤكد المدافعون عن الإدارة أن القرارات التي يتخذها القائد الأعلى تهدف لمنع وقوع كوارث أكبر، وأن الكونغرس لا يملك الحق في تعطيل قدرة الدولة على الرد الفوري على التهديدات الإرهابية أو الهجمات التي تستهدف القوات الأميركية المنتشرة في الخارج.

​يتهم بعض الجمهوريين خصومهم السياسيين باستغلال ملف صلاحيات الحرب لأغراض حزبية بحتة، معتبرين أن الغرض من هذه القرارات هو إحراج الإدارة وتكبيل يديها أمام الخصوم الدوليين وليس الحرص على الدستور، ويشير هؤلاء إلى أن المحاولات المتكررة للتصويت تهدف فقط لصناعة مادة إعلامية يمكن استخدامها في الحملات الانتخابية القادمة، دون النظر إلى العواقب الاستراتيجية التي قد تترتب على إضعاف الموقف العسكري الأميركي في هذه اللحظة.

أثر الضربات الجوية المشتركة على المشهد الميداني

​أدت الغارات الجوية التي نفذتها القوات الأميركية بالتعاون مع إسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير إلى تغييرات جذرية في المعادلة الإقليمية، حيث استهدفت هذه العمليات مواقع استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية تسببت في أضرار هيكلية كبيرة للقدرات العسكرية لطهران، ورغم إعلان ترامب عن وقف للأعمال القتالية لاحقاً، إلا أن حالة التأهب لا تزال في ذروتها وسط مخاوف من ردود فعل انتقامية قد تشعل المنطقة من جديد.

​يرى ليون بانيتا المسؤول الأميركي السابق أن الجانب الإيراني يدرك تماماً حجم الخيارات المتاحة أمام واشنطن في حال رفض التفاوض، وأن الضغط العسكري الحالي يهدف لإيصال رسالة مفادها أن الخيار الأخير سيبقى قائماً وفعالاً إذا لم يتم إحراز تقدم في الملف النووي، وهذه الرؤية تدعمها الإدارة الحالية التي تعتبر أن القوة العسكرية هي الضمانة الوحيدة لنجاح أي مساعٍ دبلوماسية مستقبلية مع نظام لا يستجيب إلا للغة القوة.

​ساهمت هذه الضربات الجوية في زيادة حدة الانتقادات الموجهة للبيت الأبيض بخصوص الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة، حيث يربط الخبراء بين التوتر في مضيق هرمز واضطراب إمدادات النفط العالمية التي تأثرت بشكل مباشر بالعمليات القتالية، مما جعل الملف الاقتصادي يتصدر أولويات الناخب الأميركي الذي بات يربط بين السياسة الخارجية للدولة وبين قدرته الشرائية، وهو ما يحاول المعارضون استغلاله بشكل مكثف في خطاباتهم السياسية.

انتخابات التجديد النصفي والرهانات السياسية المقبلة

​ستحدد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم مصير الغالبية التي يتمتع بها الجمهوريون حالياً، وهو ما يجعل من ملف الحرب مع إيران قضية محورية في صراع الصناديق، حيث يسعى ترامب لتعزيز شعبيته من خلال إظهار الحزم والقوة في حماية الأمن القومي، بينما يراهن الديمقراطيون على التعب من الحروب الطويلة والأزمات الاقتصادية لإحداث تغيير في موازين القوى داخل الكونغرس الأميركي واستعادة السيطرة على القرار التشريعي.

​يبقى مصير الصراع مع إيران معلقاً بين الرغبة في الحسم العسكري وبين القيود القانونية والسياسية التي يحاول المعارضون فرضها، وبينما يستمر الجدل حول صلاحيات الرئيس، تظل الأعين مراقبة للتحركات الميدانية وما قد تسفر عنه الأيام القادمة من تطورات، خاصة في ظل استمرار الإدارة في تنفيذ استراتيجيتها القائمة على العمليات المحدودة والمباغتة، وهو النهج الذي لا يزال يثير انقساماً واسعاً في الشارع الأميركي والدوائر السياسية.

​تمثل محاولات الفشل المتكررة لمجلس النواب في كبح جماح الإدارة دليلاً على تعقيد المشهد السياسي الداخلي، حيث تتداخل المصالح الحزبية مع المبادئ الدستورية والضرورات العسكرية، وفي ظل هذا المناخ المشحون يظل الرئيس متمسكاً بسلطاته كقائد أعلى، مؤكداً أن حماية الولايات المتحدة تأتي فوق كل اعتبار، وأن التفويض الذي يمنحه له الدستور يكفي للقيام بكل ما يلزم لضمان أمن واستقرار البلاد في مواجهة التهديدات الخارجية المتزايدة.

 

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات